alsharq

د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عدد المقالات 125

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 05 سبتمبر 2026
التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل

شهر البركات والعطاء.. فضل الصدقة في شهر رمضان المبارك

26 فبراير 2026 , 11:59م

شهرُ رمضانَ موسمُ الخيرات، وميدانُ السباق إلى الطاعات، تتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الجنّان، ومن أعظم القُرُبات التي يتقرب بها العبدُ إلى ربّه في هذا الشهر المبارك: الإنفاقُ في سبيل الله، والصدقةُ على الفقراء والمحتاجين، وإغاثةُ الملهوفين، وإطعامُ الطعام ابتغاء وجه الله الكريم.
لقد حضّ القرآن الكريم على الإنفاق في مواضع كثيرة، وجعل له منزلةً عظيمة وأجرًا جزيلًا. قال الله تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 261). وفي هذه الآية تصويرٌ بديع لمضاعفة الأجر، حيث الحسنة بسبعمائة ضعف، بل ويزيد الله لمن يشاء من عباده المخلصين. ويقول سبحانه أيضًا: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274). فالإنفاق في كل الأوقات، سرًا وعلانية، دليلُ صدق الإيمان، وعلامةُ صفاء القلب، وبشارةٌ بالأمن يوم الفزع الأكبر.
وإذا كان الإنفاق محمودًا في كل وقت، فإنه في شهر رمضان أعظم أجرًا وأعلى قدرًا؛ لأن رمضان شهرُ الجود والبركة. وقد كان رسول الله ﷺ أكرم الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ» (البخاري رقم 6، ومسلم رقم 2308). فهذا الحديث الشريف يدل على أن الاقتداء بالنبي ﷺ في رمضان يكون بالإكثار من الصدقات والإنفاق في سبيل الله وأعمال البر.
ومن فضائل الصدقة أنها تطفئ غضب الرب، وتكفّر الخطايا، وتكون سببًا للنجاة من النار، قال النبي ﷺ: «اتَّقوا النَّار ولو بشِقِّ تمرةٍ فإن لم تجِدوا فبكلمةٍ طيِّبةٍ» (البخاري رقم 6540، ومسلم رقم 1016). فحتى القليل من الصدقة له أثر عظيم إذا خرج من قلبٍ مخلص. قال ﷺ: « كنتُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سفرٍ فذكر الحديثَ إلى أن قال فيه ثمَّ قال – يعني النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ألا أدلُّك على أبوابِ الخيرِ قلتُ بلى يا رسولَ اللهِ قال الصَّومُ جُنَّةٌ والصَّدقةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يطفئُ الماءُ النَّارَ» (الترمذي، رقم 2616). فما أحوج الصائم في رمضان إلى ما يمحو تقصيره ويطهره من الذنوب والخطايا.
وفي رمضان تتجلّى معاني التكافل الاجتماعي، حيث يشعر الغني بألم الفقير، ويتذكر الشبعان حال الجائع، فيمدّ يده بالعطاء، ويواسي إخوانه المحتاجين. ومن أعظم صور الصدقة في هذا الشهر: التصدق بإفطار وطعام للصائمين. قال رسول الله ﷺ: «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» (الترمذي، رقم 807). فتأمل هذا الفضل العظيم!
والصدقة في رمضان ليست مقتصرة على المال فحسب، بل تشمل كل وجوه الإحسان، كالكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، وبذل الجهد في خدمة الناس، وإدخال السرور على القلوب. ومن بركات الصدقة أنها سببٌ في زيادة الرزق والبركة في المال، كما قال النبي ﷺ: «ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع عبدٌ إلا رفعه اللهُ» (مسلم، رقم 2588). فظاهر الأمر نقصان، لكن في الحقيقة هو زيادةٌ ونماءٌ وبركة، في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى في سورة الحديد: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ وَلَهُٓ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 11). فتعبير «القرض الحسن» فيه تشريفٌ للمتصدّق، وكأنما يتعامل مع ربّ العالمين الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
فلنغتنم شهر رمضان، ولنفتح أبواب الجود والإنفاق، ولنكثر من الصدقات سرًا وعلانية، رجاء ما عند الله من الأجر العظيم. ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الإنفاق في السراء والضراء، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، وعباداتنا من صيام وقيام وصدقة.

تأملات في إعجاز القرآن

قبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئاً عما يجري في الآماد البعيدة من السماء، فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عداً،...

من التحرر إلى الرسالة الخاتمة.. اكتمال المشروع الحضاري في دعوة الأنبياء

تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...

من تحرير العقل إلى بناء الأمة.. دعوة إبراهيم عليه السلام وذريته

إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...

من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط.. الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «4-4».. شهادة شخصية عن علاقة الشيخ حمد بالعلم والعلماء وأهل الفكر

لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «3-4».. السياسة الخارجية القَطرية بين الوساطة.. ودعم قضايا الشعوب

مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «2-4».. اهتمام فقيد الوطن الكبير بتاريخ الأمة العربية والإسلامية وسير القادة والمصلحين

لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...

الأمير الوالد.. من سنوات التكوين إلى بناء أسس قطر الحديثة «1-4».. دراسة سيرة القادة.. قراءة في تجارب الأوطان

حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...