


عدد المقالات 249
في لحظةٍ يثقلها القلق، وتضيق فيها خرائط العالم بأصوات الصراع، تلوح في الأفق هدنةٌ محتملة بين أطرافٍ أنهكتها التوترات: الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران. ليست مجرد هدنة عسكرية عابرة، بل نافذة أمل يترقبها العالم، لعلها تعيد ترتيب الأولويات وتمنح الإنسان مساحة لالتقاط أنفاسه ولقد علّمتنا التجارب أن الحروب، مهما طالت، لا تُنهي الخلاف بقدر ما تعمّق الجراح. المدن التي تُقصف تُبنى من جديد، لكن الأرواح التي تُرهق بالخوف تحتاج زمناً أطول لتتعافى. من هنا، تأتي أهمية أي هدنة، ليس فقط كوقفٍ لإطلاق النار، بل كبدايةٍ محتملة لمسارٍ مختلف، تُغلب فيه لغة العقل على صوت السلاح، وفي واقعنا اليوم، لم تعد آثار الحروب محصورة في ساحاتها؛ بل امتدت لتطال الاقتصاد العالمي، والأمن الإقليمي، وحتى تفاصيل الحياة اليومية للناس. ارتفاع الأسعار، اضطراب الأسواق، ومخاوف المستقبل، كلها انعكاسات لصراعات لا يملك البسطاء فيها قراراً، لكنهم يدفعون ثمنها الأكبر. لذلك، فإن أي تهدئة، مهما كانت مؤقتة، تُعد مكسباً إنسانياً قبل أن تكون سياسياً، والامل اليوم معقود على أن تتحول هذه الهدنة – إن تحققت – من مجرد استراحة محارب، إلى فرصة حقيقية لإعادة النظر. فربما تدرك الأطراف أن الاستقرار ليس ضعفاً، وأن الحوار لا يعني التنازل، بل هو الطريق الوحيد لتجنب خسائر أكبر. وربما يكون في هذه اللحظة ما يكفي من الحكمة لإدراك أن العالم لم يعد يحتمل مزيداً من الاشتعال. أما التوقعات، فهي تسير بين التفاؤل الحذر والواقعية. قد تنجح الهدنة في خفض التصعيد مؤقتاً، وفتح قنوات تواصل غير مباشرة، وربما تمهّد لاتفاقات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي. وفي المقابل، يبقى خطر العودة إلى التوتر قائماً، خاصة إذا لم تُعالج جذور الخلافات العميقة.ومع ذلك، يظل الأمل قائماً.. فالتاريخ لا يكتبه فقط المنتصرون في الحروب، بل أيضاً أولئك الذين اختاروا السلام حين كان ممكناً. وبين ضجيج السياسة، تبقى أصوات الشعوب هي الأصدق: تريد أمناً، واستقراراً، وحياةً عادية بلا خوف، وعلى صعيد لبنان كان، ولا يزال، من أكثر الدول تأثراً بأي تصعيد إقليمي، حتى وإن لم يكن طرفاً مباشراً في الصراع. فموقعه الجغرافي، وتركيبته السياسية، وحساسية وضعه الاقتصادي، كلها عوامل تجعل أي توتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ينعكس عليه بسرعة وبشكل مؤلم أول وأبرز الأضرار يتمثل في الجانب الأمني. فلبنان يعيش دائماً على حافة الاشتعال، خاصة في ظل وجود توترات على حدوده الجنوبية. أي تصعيد بين القوى الكبرى قد يحوّل أراضيه إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، وهو ما يهدد حياة المدنيين ويعيد إلى الأذهان مشاهد الحروب التي لم تندمل جراحها بعد وأما اقتصادياً، فالوضع أكثر هشاشة. لبنان يعاني أصلاً من أزمة مالية خانقة، وأي تصعيد إقليمي يؤدي إلى مزيد من الانهيار: تراجع العملة، ارتفاع الأسعار، توقف الاستثمارات، وانكماش فرص العمل. المواطن اللبناني، الذي يكافح يومياً لتأمين أساسيات الحياة، يجد نفسه أول المتضررين من صراعات لا دور له فيها واجتماعياً، تترك الحروب آثاراً عميقة. القلق، الهجرة، فقدان الأمل، كلها مشاعر تتفاقم مع كل توتر جديد. العائلات تعيش حالة ترقب دائم، والشباب يفكرون أكثر في الرحيل بحثاً عن مستقبل أكثر استقراراً. وهكذا، لا تُفقد فقط البنية التحتية، بل تُستنزف الطاقات البشرية أيضاً كما أن البنية التحتية في لبنان هشة بطبيعتها، وأي مواجهة عسكرية قد تعني دماراً واسعاً في الطرق، الكهرباء، الاتصالات، والمرافق الحيوية، وهو ما يحتاج سنوات طويلة لإعادة بنائه، في ظل إمكانيات محدودة يمكن القول إن لبنان هو مرآة للهدنة: إن نجحت في تثبيت الاستقرار، انعكس ذلك هدوءاً داخلياً وفرصة للنهوض. وإن فشلت، كان من أوائل المتأثرين بارتدادات التصعيد تبقى حاجة لبنان أكبر من مجرد هدنة عابرة؛ هو بحاجة إلى استقرار طويل الأمد، يخرجه من دائرة التأثر الدائم بصراعات الآخرين، ويمنحه فرصة حقيقية لبناء مستقبله بعيداً عن تقلبات المنطقة. ختاما، قد لا تكون الهدنة حلاً نهائياً، لكنها بداية. والبدايات، مهما كانت صغيرة، قادرة على تغيير المسار. لعلها تكون خطوة نحو عالمٍ أكثر هدوءاً، حيث تُحل الخلافات على طاولة الحوار، لا في ميادين القتال. @najat.bint.ali
في حياتنا نلتقي بالكثير من الأشخاص، ونستمع إلى العديد من الكلمات والوعود، ونبني أحيانًا ثقتنا على ما نسمعه من عبارات جميلة عن الوفاء والدعم والاهتمام. لكن مع مرور الوقت ندرك حقيقة لا يختلف عليها اثنان،...
النجاح ليس ضربة حظ، ولا هبة تمنحها الظروف لمن تشاء، بل هو قرار واعٍ يتخذه الإنسان، ثم يحوله إلى عمل واجتهاد ومثابرة. فالإنجاز الذي نراه اليوم ما هو إلا ثمرة قرار اتُّخذ بالأمس، وإرادة لم...
هل يولد الإنسان ناجحًا، أم يصنع نجاحه بنفسه؟ سؤال يتكرر كثيرًا، لكنني أعتقد أن الإجابة لا تكمن في الظروف ولا في الحظ، وإنما في قدرة الإنسان على اكتشاف ذاته. فمن يعرف نفسه جيدًا، يدرك رسالته،...
في عالم تتسارع فيه وسائل التعبير وتتعدد منصات النشر، تبقى الكتابة واحدة من أسمى الوسائل التي يترك بها الإنسان بصمته وأثره في الحياة. فالكتاب ليس مجرد كلمات تُسطر على الورق، بل هو تجربة إنسانية ورسالة...
بعد عودتي من رحلة الحج، غمرتني مشاعر لا يمكن للكلمات أن تصفها؛ فقد كان حضور الأحبة والأصدقاء لتهنئتي، من جنسيات وثقافات مختلفة، مشهدًا يعكس أجمل معاني الإنسانية والمحبة الصادقة. أدركت حينها أن القلوب الطيبة لا...
من وجهة نظري، فإن الحديث عن الحضارة الإسلامية لا ينبغي أن يقتصر على استذكار الماضي أو الاحتفاء بالإنجازات التاريخية، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره قضية حضارية وثقافية تمس حاضر الأمة ومستقبلها. فالأمة العربية والإسلامية...
استنادًا إلى قول رسول الله ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، تتجلى عظمة التربية الإسلامية التي تُعنى ببناء الإنسان إيمانيًا وأخلاقيًا وسلوكيًا، حيث تُعد القيم الدينية والأخلاقية الأساس الحقيقي في تكوين شخصية الطفل وتنمية وعيه....
منذ القِدم، كان الكتاب ولا يزال من أعظم الوسائل التي تحفظ العلم وتنقل المعرفة بين الأجيال، فهو ليس مجرد صفحات تُقرأ، بل رسالة تحمل فكرًا وقيمًا وتجارب تُسهم في بناء الإنسان والمجتمع. وقد أدركت الأمم...
تُمثل المشاركة في معرض الدوحة الدولي للكتاب محطة ثقافية مهمة نحرص عليها، لما يوفره المعرض من مساحة تجمع الناشرين والكتّاب والقراء في بيئة معرفية ثرية. وننظر إلى النسخة الجديدة هذا العام بتفاؤل كبير، خاصة مع...
في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتداخل فيه المؤثرات الفكرية والتقنية، أصبحت الأسرة أكثر من أي وقت مضى هي الحصن الأول لبناء الإنسان وحماية هويته. فبين حضن الوالدين وبوابة العالم الرقمي، تتشكل ملامح الجيل الجديد، وتُرسم...
يأتي اليوم العالمي للعمال ليطرح سؤالًا مهمًا أكثر من كونه مناسبة احتفالية: هل يكفي أن نحتفي بالعامل مرة في العام، أم أن القضية أعمق وتتعلق بثقافة يومية تقوم على العدالة والاحترام والإتقان؟ من وجهة نظري،...
يُعدّ اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف أكثر من مناسبة ثقافية عابرة؛ فهو محطة سنوية تدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالكتاب بوصفه ركيزة أساسية في بناء الوعي الفردي والجماعي. وفي زمن تتسارع فيه مصادر المعرفة...