alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 117

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 16 يونيو 2026
الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة
عثمان عمرو الغتنيني - اليمن 17 يونيو 2026
هذه هي قطر يا سادة
رأي العرب 16 يونيو 2026
تعزيز قطري لمسارات التفاوض

عبادةٌ جليلة

05 ديسمبر 2024 , 10:41م

إن الرجاء في الله من أعمال القلوب الجليلة التي تبعث على العمل والجدّ وحسن الظن بالله، وهو الأمل وعدم اليأس، والتوقع لمَا فيه خيرٌ ونفع، وبه يتعلق القلب بحصول محبوب مرغوب مستقبلاً، فالإنسان بلا أمل أو رجاء يضيق في وجهه كلّ واسع ويبعد كلّ قريب، ويعسر كلّ ميسور. فإن الرجاء ضروري للسائر إلى الله والعابد لربه، لو فارقه لحظة تلفَ أو كادَ يتلف؛ لأن المسلم يدور ما بين ذنبٍ يرجو غفرانه، وعيبٍ يرجو إصلاحه، وعملٍ صالح يرجو قبوله، واستقامةٍ وهداية يرجو حصولها وثباتها، وقربٍ من الله يرجو الوصول إليه. والرجاء في الله: هو الاستبشار بجود الله وفضله، والطمع بإحسانه وعطائه، وتعلّق القلب به، والشعور بالثقة والطمأنينة لحصول ما عند الله من الخير والنعيم في الدنيا والآخرة، حيث يرجو المؤمن من الله المغفرة وعدم دخوله النار وتحريمها عليه، فيسعى بأخذ الأسباب التي تمنعه من دخوله النار واستحقاق عذاب الله، ويعمل ويرجو القبول منه سبحانه، وإذا أذنب تاب ورجا التوبة وقبولها من الله تعالى، قال ابن القيم في كتابه مدارج السالكين: «أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصلح إلا مع العمل»، حيث دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] (ابن القيم، مدارج السالكين، ص1414). ينبغي للعبد أن لا يعلّق رجاءه إلا بالله ولا يخاف من الله أن يظلمه، فإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، بل يخاف أن يجازيه بذنوبه، وهذا معنى ما روي عن علي (رضي الله عنه) أنه قال: «لا يرجونّ عبدٌ إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه» (ابن أبي شيبة، كتاب الزهد، ج13 ص283 -284)، وفي الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ أنه دخل على مريض فقال: «كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال: ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف» (رواه ابن ماجه في كتابه الزهد، ج2، 1423). فالرجاء هو التعلق بالله، وعدم التعلّق بمخلوق، ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسباباً، وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الانشراح: ۷ - ۸]، فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخه، غير ناظرٍ إلى الله؛ كان فيه نوع من التوكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه؛ وكلما قوي الرجاء وطمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يــوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: (استغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره)، فكذلك طمع العبد في ربه ورجاءه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء منه يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله سبحانه (ابن تيمية، العبودية، ص58 - 61). قال الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57]، فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه بالعبودية والمحبة، وفي صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: «لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إِلَّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بَرَبِّه» [أخرجه مسلم برقم: 2877]، وفي الصحيح عنه ﷺ يَقولُ الله: «أنا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» [أخرجه أحمد برقم: 16016]. فالرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير. قال أبو علي الروذباريُّ (رحمه الله): «الخوف والرجاء كجناحي الطائر؛ إذا استويا استوى الطَّيرُ وتَمَّ طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت». قال يحيى بن معاذ (رحمه الله): «يكاد رجائي لك مع الذُّنوب يغلب على رجائي لك مع الأعمال؛ لأنّي أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أحرزها وأنا بالآفات معروف؟ وأجدني في الذُّنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟». (مدارج السالكين، ابن القيم، ص 1416). وفي الحديث الصحيح القدسي عن النبي ﷺ، فيما يروي عن ربه: (يا ابنَ آدَمَ، إِنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني غَفَرْتُ لَكَ عَلى ما كَانَ مِنكَ ولا أبالي) [أخرجه الترمذي (3540) وحسنه الألباني]. إن المؤمن إذا عمل العمل رجاء من الله أن يقبله ويثيبه عليه، وبعض الناس إنما يقصر رجاءه على ما يعمله في الوقت الحاضر ؛ فإذا عمل العمل نسيه. يقول ابن تيمية (رحمه الله): «تعلق الرجاء والخوف بالحاضر والماضي؛ لأن عاقبته المطلوبة والمكروهة مستقبلة، فهو يرجو أن يكون الله تقبل عمله فيثيبه عليه فيرحمه في المستقبل ويخاف أن لا يكون تقبله فيحرم ثوابه». (ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، ج٧، ص ٤٥٢). والرجاء ليس مقصوراً على الآخرة، بل هو حاصل في الأمور الدنيوية، فالإنسان قد يرجو من الله مالاً أو ولداً أو زواجاً، أو وظيفة أو زوال مرض، أو العثور على مفقود، كما جرى من نبي الله يعقوب عليه السلام حين قال: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. ورجاء الله في الأمور الدنيوية أمر مهم جداً؛ لأن المؤمن متى نقص رجاؤه بالله في أمر الدنيا وقع في الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى (محمد صالح المنجد، كتاب الرجاء، ص54). فعلى المؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء في عبوديته، حتى يتحقق له مطلوبه ومراده، وأن يبتعد عن القنوط من رحمة الله، وأن يحسن الظن بالله، وأن يعلم أن أعمال القلوب ترتبط ببعضها البعض، وإن الاهتمام بعمل قلبي واحد وترك غيره قد يوقع في المعصية والضلال.

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة.. التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله (1-6)

شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...