


عدد المقالات 283
لم يطأ حامل زي وسلاح بريطاني أرض تونس منذ عهد الماريشال «برنارد مونتجومري».. ثم بعد ذلك بأكثر من نصف قرن، وتحديدا في أبريل من سنة 2002 جاء محققون أمنيون ألمان إلى تونس لتعقب الذين فجروا الكنيس اليهودي في جربة.. وفي هذه الأيام من صيف سنة 2015 حط على الأراضي التونسية فريق من «سكوتلانديارد» للبحث والتدقيق بشأن خيوط العملية الإرهابية الأخيرة التي جدت في محطة القنطاوي السياحية وأودت بحياة عدد هام من السياح البريطانيين.. بعيدا عما يمكن أن يثيره الأمر من «حماسة عواطف الشرق الأوسط»، ومن «غيرة وطنية»، فإن هناك مشكلة تونسية حقيقية عنوانها الأمن، بدأت منذ يوم 14 يناير 2011، وتفاقمت في السنوات الأربع الأخيرة رغم زيادة أكثر من عشرين ألف عون أمن.. ويا للمفارقة! لا أحد يجادل اليوم في حقيقة أن تونس ليست في تمام عافيتها، وأن الإعياء ظاهر على كل أجزاء جسمها، من الاقتصادي إلى السياسي مرورا بالاجتماعي، لكن «كلو كوم» والإعياء الأمني «كوم» آخر.. لذلك فإن الضربة الإرهابية الأخيرة في سوسة القلب النابض للسياحة التونسية والتي جاءت غير بعيدة في الزمن عن ضربة متحف باردو، فتحت ملف «الحذاقة الأمنية» في تونس على مصراعيه، لأن الأمن يأتي قبل الطعام في باب الحاجات البشرية الأساسية.. ولأنه لا شيء يظل قائما عندما يسقط الشعور بالأمن.. وبحسب شريط الأحداث -كما تظهر في التاريخ القريب- فإن بداية التفكك الأمني في تونس انطلقت على أيدي «الرجل النظيف» كما كانوا يلقبون وزير داخلية 2011 فرحات الراجحي، الذي بادر بإلغاء إدارة الاستعلامات، وأقال عشرات القيادات الأمنية المحسوبة على نظام العهد البائد، وهو في غاية الفرح والغبطة لأنه أراح التونسيين من زوار الفجر وعمل منجزا ثوريا، أو هكذا كان يعتقد بكل حسن نية وطيبة، لا يتوجب وجودهما في السيرة الذاتية لأي وزير داخلية في العالم.. ومنذ ذلك اليوم الذي أصبحت فيه سراديب وزارة الداخلية المظلمة مطلية بالألوان الزاهية ومزارا لتلاميذ المدارس يهزجون فيه بأناشيدهم البريئة، ادلهمت الدنيا في الخارج، وكان بسواد جدران السراديب المرعبة للبناية سيئة السمعة قد طار ليلف سماء تونس... كان حكام تلك الفترة في «براءة الأطفال»، يعتقدون جازمين أن البشر ملائكة جميعهم، وأن الشيطان قد غادر البلاد بلا عودة، فلا حاجة للسجون ولا للسجانين. ولولا بقية حشمة لتم إلغاء وزارة الداخلية ولتم تحويلها إلى إدارة فرعية لوزارة الشؤون الاجتماعيةّ، مع تناسٍ تام للحكمة القائلة بأن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الطيبة! هكذا يقول الطيبون. أما «الخبثاء» فيذهبون إلى أن ما حدث آنذاك أمر مدبر بليل، وأن خطة ممنهجة تم وضعها لتدمير البلاد، وأفضل بداياتها خلخلة أعمدة وزارة الداخلية.. في الأثناء، تداول على خطة وزير الداخلية أربع شخصيات في ظرف أقل من خمسة أعوام، وغادرت مبنى الوزارة وجوه ودلغت إلى أروقتها وجوه أخرى.. وكثر الكلام عن تصدع هياكلها بـ «أمن موازٍ» وعن «اختراقات» حزبية وولاءات شخصية، مع أن الشعار المرفوع والهدف المعلن في كل مرة كان بناء أمن جمهوري.. لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه بواسطة حسن النية.. فقد انتهى الأمر إلى واقع لا يسرّ. ورغم النجاحات التي كان يتم إحرازها هنا وهناك في عهد هذا الوزير أو ذاك، فقد كانت تذهب سريعا للنسيان بمجرد حدوث عملية إرهابية تسيطر على وجدان الشارع وتضع الجميع من جديد في مأزق.. في هذه المرة، لم يعد المأزق شانا تونسيا داخليا، فقد أصبح أيضاً مأزقا لبريطانيا التي سالت دماء أبنائها على رمال الشواطئ التونسية.. ولأن حياة البشر عندهم غالية جدا، فقد قرروا أن يدفع مقترفو الجريمة الثمن غاليا جدا، ولذلك شكلوا للغرض أكبر فريق تحقيق منذ أحداث لندن في العام 2005.. وها أن «سكوتلانديارد» يجوب تونس اليوم بالطول وبالعرض، يغربل رمال الشواطئ ويصلها برمال الصحراء بحثا عن الإبرة التي وخزت كبرياء بريطانيا.. قد يبدو الأمر سيئا لمعنويات التونسيين الذين يتذكرون كبرياءهم أيضاً في مثل هذه المواقف.. لكن أليسوا هم الذين أمضوا السنوات الأربع الأخيرة في الجدل والمطالبة بالإصلاح الأمني؟.. وها أن الله قد استجاب لرجائهم.. فالبريطانيون يعملون ولا يجادلون كثيرا.. وهم ليسوا مخترقين ولا أمن موازٍ لديهم، وسوف لن يكلوا ولن يملوا.. لن يخجلوا ولن يهابوا حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود.. ويا لهول ما سيأتي.. ❍ faisalba2002@yahoo.com
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...