


عدد المقالات 121
شرع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منذ دخوله المدينة يسعى لتثبيت دعائم الدَّولة الجديدة، على قواعد متينةٍ وأسسٍ راسخةٍ، فكانت أولى خطواته المباركة الاهتمام ببناء دعائم الأمَّة؛ كبناء المسجد الأعظم بالمدينة، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار على الحبِّ في الله، وإصدار الوثيقة أو الدُّستور الإسلاميِّ في المدينة، الَّذي ينظِّم العلاقات بين المسلمين واليهود ومشركي المدينة، وإعداد جيش لحماية الدولة، والسَّعي لتحقيق أهدافها، والعمل على حلِّ مشاكل المجتمع الجديد، وتربيته على المنهج الربَّانيِّ في شؤون الحياة كافَّةً.
وكان أوَّلَ ما قام به الرَّسول (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة بناءُ المسجد؛ وذلك لتظهر فيه شعائر الإسلام، وقد روى البخاريُّ بسنده: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة راكباً راحلتَهُ، فسار يمشي معه النَّاسُ؛ حتَّى بَرَكَتْ عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً للتَّمر، لسهلٍ وسُهَيْلٍ غلامين يتيمين في حِجْر أسعد بن زُرَارَة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل»، ثمَّ دعا رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) الغلامين، فساومهما بالمِرْبَد ليتَّخذَه مسجداً، فقالا: لا، بل نهبُهُ لك يا رسولَ الله! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هِبَةً؛ حتَّى ابتاعه منهما.
وشرع الرَّسول (صلى الله عليه وسلم) في العمل مع أصحابه، وضرب أوَّل معولٍ في حفر الأساس؛ الَّذي كان عمقه ثلاثة أذرع، ثمَّ اندفع المسلمون في بناء هذا الأساس بالحجارة والجدران - الَّتي لم تزد عن قامة الرَّجل إلا قليلاً - باللَّبن؛ الَّذي يعجن بالتُّراب، ويسوَّى على شكل أحجارٍ صالحةٍ للبناء. وفي النَّاحية الشَّمالية منه، أقيمت ظلَّةٌ من الجريد على قوائم من جذوع النَّخل، كانت تسمَّى «الصُّفة»، أما باقي أجزاء المسجد فقد تُرِكت مكشوفةً بلا غطاءٍ.
وأمَّا أبواب المسجد؛ فكانت ثلاثةٌ: باب في مؤخرته من الجهة الجنوبيَّة، وباب في الجهة الشَّرقيَّة، كان يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاء باب بيت عائشة، وباب من الجهة الغربية يقال له: باب الرَّحمة، أو باب عاتكة.
وإن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد كأول خطوة يقوم بها في المدينة بعد وصوله إليها مباشرة، فيه دروس مهمة ودلالات عظيمة، ومنها أن إقامة المساجد من أهمِّ الرَّكائز في بناء المجتمع الإسلاميِّ؛ ذلك أنَّ المجتمع المسلم إنَّما يكتسب صفة الرُّسوخ والتَّماسك بالتزام نظام الإسلام، وعقيدته وآدابه، وإنَّما ينبع ذلك من رُوح المسجد ووحيه.
قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: 36 - 38] .
والمسجد رمزٌ لشمولية الإسلام، حيث «أُنشئ ليكون متعبَّداً لصلاة المؤمنين، وذكرهم لله تعالى، وتسبيحهم له وتقديسهم إيَّاه بحمده، وشكره على نعمه عليهم، يدخله كلُّ مسلمٍ، ويقيم فيه صلاته وعبادته، ولا يضارُّه أحدٌ ما دام حافظاً لقداسته، ومؤدِّياً حقَّ حرمته». كما «أنشئ المسجد ليكون ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، والوافدين عليه؛ طلباً للهداية، ورغبةً في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته».
وللمسجد وظائف كثيرة، فهو مؤسسة لخدمة مصالح المسلمين الدينية والدنيوية معاً، فقد يتم إنشاء المسجد ليكون جامعةً للعلوم، والمعارف الكونيَّة والعقليَّة والتَّنزليَّة، الَّتي حثَّ القرآن الكريم على النَّظر فيها، وليكون مدرسةً يتدارس فيها المؤمنون أفكارهم وثمرات عقولهم، ومعهداً يَؤُمُّهُ طلاب العلم من كلِّ صوبٍ؛ ليتفقهوا في الدِّين، ويرجعوا إلى قومهم مبشِّرين ومنذرين، داعين إلى الله هادين، يتوارثونها جيلاً بعد جيلٍ». والمسجد مكانٌ يجد فيه الغريب مأوىً، وابن السَّبيل مستقراً، لا تكدِّره منَّةُ أحدٍ عليه، فينهل من رِفْدِه، ويعبُّ من هدايته ما أطاق استعداده النَّفسيُّ والعقليُّ، لا يصدُّه أحدٌ عن علمٍ أو معرفةٍ، أو لونٍ من ألوان الهداية، فكم من قائد تخرَّج فيه، وبرزت بطولتُه بين جدرانه! وكم من عالمٍ استبحر علمُه في رحابه، ثمَّ خرج به على النَّاس يروي ظمأهم للمعرفة! وكم من داعٍ إلى الله تلقَّى في ساحاته دروس الدَّعوة إلى الله، فكان أسوة الدُّعاة وقدوة الهداة، وريحانةً جَذَبَ القلوبَ شَذَاها، فانجفلت إليها تأخذ عنها الهداية لتستضيء بأنوارها!
ومنذ ذلك الحين كان المسجد، ومازال الدعامة الأولى لقيام أي مجتمع إسلامي ومدينة إسلامية، فهو حجر الأساس الذي تتفتق منه شؤون المسلمين الدينية والدنيوية على حد سواء، وهو دار العبادة التي تعبّر بقبابها ومآذنها عن هوية المسلمين وحضارتهم، وهو رمزٌ لمحاربة الشرك ومعلمٌ للتوحيد وعبادة الله الواحد سبحانه لا شريك، وهو وقفٌ عام للمسلمين وليس لأحد بعينه، فالمساجد لله وحده، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [ الجن: 18].
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...