


عدد المقالات 97
الظلم من أخطر الآفات الأخلاقية والاجتماعية التي تهدد حقوق الأفراد واستقرار المجتمعات واستمرارية الأمم والحضارات، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق وانتشار العدوان وتفكك العلاقات الإنسانية. وقد حذر الإسلام بشدة من الظلم بكافة صوره، وبيّن آثاره وعواقبه، فجاء القرآن الكريم والسنة النبوية زاخرين بالنصوص التي تندد به وتبين عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة. فالظلم ليس مجرد تجاوز لحقوق الآخرين، بل هو انحراف عن ميزان العدل الذي قامت عليه الشريعة الإلهية. والظلم في اللغة: هو مجاوزة الحد، ووضع الشيء في غير موضعه، والظليمة: ما أخذ ظلماً بغير وجه حق. والظلم في المنظور الإسلامي هو نقيض العدل، فهو وضع الشيء في غير موضعه المناسب شرعاً، وهو عدوان على الآخر بسبب أو من دونه؛ ولذلك كان الظلم صفة ذميمة ترفضها كل بصيرة واعية، بحيث لا يختلف عاقلان على قبح وقوعه عليهما، وقد يختلفان إذا وقع على غيرهما بحسب حظهما من الإنصاف وحب العدل (الهرامة، 2007). ولا تكاد تجد صفة كرّر الله ذمها في القرآن الكريم، وأوعد المتصفين بها بأقسى العقوبات وأشدها إيلاماً أكثر من صفة الظلم والعدوان، ولعل الأصل في العدوان كونه من الغرائز الحيوانية التي يحمي بها الحيوان نفسه من الآخر ليرهبه ويخافه، ويحقق بها بعض حاجاته الأولية كيفما اتفق، ولكنها تعقدت عند الإنسان لكثرة حاجاته الأولية والثانوية، وظنه أن هذه الطبيعة العدوانية تحقق له الكثير من تلك الحاجات، ولما كان الإنسان أكثر المخلوقات حيلة بما اكتسب من صفات العقل والنطق والخيال وحرية الإرادة وغيرها من النعم التي ائتمنه الله عليها، فقد كانت صفة الظلم والعدوان فيه أقوى وأنكى من غيره، ولعل هذا ما يفسر صيغة المبالغة في قوله تعالى: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}[إبراهيم: 34]. واقتضت الحكمة الإلهية أن يعقل الإنسان بالدين جماح نفسه، وأن يتحمل أمانة العدل والإنصاف بالتمييز والرشد والإرادة والعزيمة، قال تعالى:{إنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب 72]. فهذه الصفات هي مصدر تكليفه ومناط حسابه وعقابه بعد بعث الرسل، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[ الإسراء: 15]. وعليه فقد حظيت صفة الظلم باهتمام خاص في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعرفنا من خلالهما مظاهرها وأنواعها وعقابها، وظهرت بشاعتها التي صورها القرآن الكريم والسنة المطهرة حتى كادت أن تكون مقاومتها مفتاح الرسالة الإسلامية، واستحقت بها هذه العقيدة الخاتمة أن تتصف بكونها «عقيدة ضد الظلم»، بل إن الصراع ضد الظلم هو علة بعث الرسالة؛ ولذلك كانت إزالة الظلم أساس التربية الدينية القويمة. وهو عنوان أخلاق الأنبياء التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لها حتى قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وكان التذكير بمصير الظالمين عنواناً بارزاً في أدبيات الثقافة العربية الإسلامية التي تعد مقاومة الظلم من الفرائض وليس من مجرد الفضائل. قال الإمام الشافعي: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد (الهرامة، 2007: 28). وخصص عبد الرحمن بن خلدون فقرة في مقدمته الشهيرة بعنوان: «في أن الظلم مؤذن بخراب العمران» والظلم أنواع متعددة ومتفاوتة الضرر والعقوبة، فمنها ظلم الإنسان لربه، وظلمه لأخيه الإنسان، وظلمه للحيوان، وظلمه للطبيعة، وظلمه لنفسه، ومن الظلم ما هو بدني كالقتل، وما هو مالي كالسرقة والغصب والاحتيال والربا والاستغلال والإسراف والبخل والتقتير والاحتكار وبخس الناس أشياءهم والغش والخديعة والتطفيف والوزن بمكيالين. ومن الظلم ما هو معنوي كالغيبة والنميمة والإهانة والكذب، وأشده البهتان والافتراء على الله والنفاق، ومنه اللمز والهمز والحسد والإرهاب والترويع والطغيان والشتم والغواية وانتهاك العرض والخيانة. وللتعبير عن أشدّ أنواع الظلم تكررّت في القرآن الكريم صيغة (أفعل) التفضيلية في سياق استفهامي في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ}. وهذه الأنواع الشديدة ستة، خمسة منها وُضِعت في سياق (أفعل التفضيل) المذكور، وهي: الافتراء على الله وتكذيب رسله، ثم كتمان الشهادة ومنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، والسعي في خرابها، والإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها، على أن الظلم الأشد يبقى هو الشرك بالله سبحانه (الهرامة، 2007: 28). وللظلم أخطارٌ عظيمة، فبه يحدث ضياع الحقوق، وقتل النفوس أو إيذاؤها، وإهانة الإنسان وقهره، وانتهاك الحُرمات، أو ما يعرف في العصر الحديث بانتهاك حقوق الإنسان، ويدخل في انتهاكها استضعاف الناس وحرمانهم واضطهادهم بحجة قوية أو ضعيفة أو دون حجة أصلاً. والظلم منبوذ في النفوس فطرةً، ولكن النفوس المريضة تجد فيه لذة الانتصار والتشفي، فالسلوك العدواني ينشأ مكتسباً في الإنسان وليس جبلة في خلقه، فقد يعود إلى أساليب تربوية خاطئة، أو حوادث معينة في حياته أدت إلى تشوه نفسي في شخصيته، على خلاف ما ذهب إليه المتنبي حين قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم وإذا كان ما ذهب إليه الشاعر شائعاً في بعض الأوساط التي عاش فيها صحبة الحكام، حيث التنافس بين الحاشية على أشده؛ فإن ذلك ليس طابع الحياة العام، ولعله قد لمس الحقيقة حين استثنى العلة التي تحول دون قبول الظلم، وهو الإيمان بالله والاستجابة لرسالته المنافية للعدوان والتشفي، أما النفوس السليمة فتستعيذ بالله من الظلم لقبحه ومعارضته لشيمها وأخلاقها. وقد يحدث نتيجة الظلم ظلمٌ مضاد أقوى في ردة فعله من الظلم الأول، وربما أدى إلى دمار الظالم ومن يتصل به مصداقاً لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [ سورة الأنفال: 25]، وقد تحدث مضاعفات للمظلوم غير متوقعة حين يصاب بمرض نفسي أو جسدي خطير، فقد ثبت أن عدداً من الأمراض النفسية والعقلية عائد إلى ضغوط ناتجة عن ظلم شديد من طرف أقوى. ومن الآثار القاسية نتيجة الظلم ما يسببه من الحروب والثارات الجماعية والفردية والعدوان بمختلف أشكاله المادية والمعنوية، وما ينتج عن كل ذلك من إراقة للدماء وهتك للأعراض، وإكراه للنفوس وسلب للأموال، واغتصاب للأرض والعرض، وفي أدنى ذلك ما يثير غضب الله، وغضب الضمائر الحية في الناس، قال تعالى: {وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [سورة المائدة: 107]. وإن أسوأ ما يقع من ذلك على النفس البشرية من فقدان الأمن والشعور بالخوف والقلق، وهو ما يسبب مشاعر الإحباط وضعف الأمل والإذلال والإقصاء، وما يترتب عليه من قلة الغطاء المادي والمعنوي، وضالة الإبداع الذي يتطلب الاستقرار النفسي والأمن التام من جميع أنواع الخوف؛ ولذا فقد امتن الله على قريش بالأمن باعتباره أحد أهم الحاجات الضرورية للإنسان، فقال سبحانه: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوفٍ} [قريش: 3 ـ 4] (الهرامة، 2007: 36). ويتضح من قراءة بعض آيات القرآن الكريم أن خطر الظلم ليس مقتصراً على المظلومين، بل هو على الظالمين أكثر قسوة وأعظم خطراً؛ لأنه يقودهم إلى جهنم حتى لكأنها لم تخلق لغيرهم نظراً لسعة الظلم وشدة خطره.
لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام...
إن من نعم الله تعالى أن جعل بيوته في الأرض منارات لنور الهدى، ومهابطَ للسكينة والرحمة، ومواطنَ لذكره وشكره، وإن سيدنا محمد ﷺ قد أرشد أمته إلى تعظيم المساجد وعمارتها بالبنيان وبالذكر والعبادة فيها. فالمساجد...
شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، فيه من الخيرات والبركات ما تتطلع إليه القلوب المؤمنة، فهذا الشهر المبارك ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية تربي القلب على دوام الصلة...
يبرز الإسلام مكانة العقل باعتباره أداة الفهم ووسيلة التكليف ومحور النهضة الإنسانية، وقد وجّه القرآن الكريم إلى إعمال النظر والتدبر والتثبت، وربط بين صفاء العقل وصحة الإيمان وسلامة المنهج. ومن خلال ضوابط شرعية واضحة تتشكل...
شهرُ رمضانَ موسمُ الخيرات، وميدانُ السباق إلى الطاعات، تتنزّل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب الجنّان، ومن أعظم القُرُبات التي يتقرب بها العبدُ إلى ربّه في هذا الشهر المبارك: الإنفاقُ في سبيل الله،...
ورد ذكر إدريس عليه السلام في القرآن الكريم في سورة الأنبياء وفي سورة مريم، وقد جاء ذكر إدريس عليه السلام في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي...
جعل الله تعالى لتلاوة القرآن الكريم فضلًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، فهي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه آناء الليل وأطراف النهار، وتتضاعف مكانتها في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والصيام والقيام. قال الله تعالى في...
يمضي العمر سريعًا، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدَّم من عمل صالح يرجو به رضا الله والنجاة يوم الحساب، ومن كرم الله تعالى أن سخر الله لهذا الإنسان مواسم مباركة تفتح فيها أبواب الرحمة والمغفرة،...
لم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مُثلٍ عُليا، أو وصايا تفخر بها دون ممارسة، أو تطبيق، ولكنه كان واقعاً عاشته هذه الأمة، ومارسته، وطبَّقته في واقع حياتها على مر تاريخها الطويل،...
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثيرٌ من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أنْ قام أبو بكر رضي الله عنه ـ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ بجمع القرآن، حيث...
الأصل أن يستعملَ العبدُ الأسبابَ التي بيّنها الله تعالى لعباده وأذن فيها، وهو يعتقد أنَّ المسبِّبَ هو الله سبحانه وتعالى، وما يصل إليه من المنفعة عند استعمالها بتقدير الله عز وجل، وأنّ إنْ شاء حرمه...
يأتي شهر رمضان المبارك كل عام ليوقظ في القلوب معاني المراجعة، ويُعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان فرصة صادقة ليقيس مسيرته بميزان الوحي. وليس أولى بهذه المراجعة من البيت؛ ذلك الحصن الأول الذي تتشكل فيه الشخصية،...