تمثل تركيا مركزاً مهماً داخل دائرة الحراك الاقتصادي لدولة قطر، إذ تعتبر أرضاً خصبة للاستثمار وهناك الكثير من المشاريع المهمّة والكبرى التي يمكن للمستثمر أن يتطلّع إيها فيها، سواء في قطاع الطاقة أو النقل أو السياحة أو البنوك أو العقارات أو التصنيع، وكلّها قطاعات واعدة نتطلع لأن يكون لنا دور أكبر في الاستثمار فيها في المستقبل.
ولما يلعبه السلك البلوماسي من أدوار مهمة على صعيد العلاقات بين الدول، التقت لوسيل سعادة السيد سالم مبارك آل شافي، سفيرنا لدى تركيا للوقوف على العلاقات الاقتصادية بين الدولتين وحجم الاستثمارات بينهما.
** سعادة السفير، حدثنا عن حجم التبادل التجاري بين قطر وتركيا، وكيف تقرأون مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟
لقد حقّقنا قفزة كبيرة في حجم التبادل التجاري بين البلدين مقارنة بالسنوات العشر الماضية، لكن مع ذلك فحجم التبادل التجاري لا يزال دون مستوى الطموح وكذلك دون المستوى الممتاز الذي وصلت إليه العلاقات الثنائية بين البلدين.
بلغة الأرقام ارتفع حجم التبادل التجاري بين بلدينا من حوالي مليار دولار في العام 2011 إلى حوالي 1.9 مليار دولار في العام 2014.
في ذلك العام تمّ الاتّفاق على رفع حجم التبادل التجاري بين بلدينا للضعف خلال عامين فقط وذلك كمرحلة أولى، على أن يصار بعدها إلى تقييم حجم التقدّم.
نحن نطمح إلى زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين بشكل سريع وكبير، فكلا البلدين يمتلكان مقوّمات اقتصادية هامة وإمكانات اقتصادية كبيرة لتحقيق شراكة اقتصاديّة وتكامل اقتصادي.
يجري متابعة ذلك من خلال زيارات متبادلة لقيادات البلدين وللمسؤولين على أعلى مستوى لاسيما وزراء الاقتصاد والمالية، وكذلك من خلال غرف الصناعة والتجارة واللجان المشتركة ومجالس رجال الأعمال حيث يساهمون جميعا في الدفع قُدُماً بالعلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارات المشتركة.
** ما هو حجم الاستثمارات القطرية في تركيا وما أبرز القطاعات التي يستثمر فيها القطريون هنا؟ حجم الاستثمارات القطرية المباشرة في تركيا خلال الفترة من 2010 وحتى 2014 يبلغ حوالي 930 مليون دولار تتوزع على قطاعات متعددة.
وبموازاة ذلك، يتم الآن بحث المرحلة النهائية في عدد من المشاريع الاستراتيجية، لاسيما في مجال الطاقة (أفشين البستان) والبنى التحتيّة، ومن شأنّ إقرار هذه المشاريع إن حصلت أن يرفع حجم الاستثمارات القطرية الى حوالي 20 مليار دولار.
في الفترة الممتدة بين أبريل 2014 وأبريل 2015 جرى التوقيع على العديد من الصفقات الاستثمارية الثنائية في البلدين لعل أكبرها واهمّها على الاطلاق مشروع في مجال البنى التحتيّة ومشروع في مجال تكنولوجيا الاتصالات والإعلام.
كما قامت مجموعة Bein Media Group القطرية بشراء شركة (ديجي تورك) Digiturk كبرى الشركات الإعلامية في تركيا، وذلك ضمن صفقة يبلغ حجمها حوالي 1.2 مليار التي تقدم خدمات لنحو ثلاثة ملايين ونصف المليون مشترك ب 239 قناة.
البنوك القطرية تعتبر من أكبر المشترين للأصول المالية في السوق التركية مؤخراً.
في العام 2013، امتلك البنك التجاري القطري حوالي 75% من ألترناتيف بنك التركي.
وفي ديسمبر من العام 2015 تمّ التوصل لإتفاق نهائي مع بنك قطر الوطني للاستحواذ على حصة بنك اليونان الوطني والبالغة 99.81% في فاينانس بنك التركي مقابل حوالي 2.94 مليار دولار، واستكملت الصفقة هذه الأيام.
وفي مارس الماضي من العام الحالي، أعلن بنك الاستثمار كيو إنفست عن استحواذه على كامل أسهم إرغو بورتفوي ، إحدى أضخم شركات إدارة الأصول الإسلامية وأسرعها نمواً في تركيا.
وهناك أيضاً جهود أخرى في القطاع المصرفي لاستكشاف إمكانية وجود فرص استثمارية جيدة.
ووقّعنا خلال الاجتماع الأول للجنة الاستراتيجية العليا بين البلدين والذي عقد في الدوحة في ديسمبر الماضي على ثلاث مذكرات تفاهم بين بنك قطر للتنمية وكل من بنك إكزيم ، بنك التنمية الصناعية (TSKB)، وبنك التنمية التركي (TKB).ولا شك أنّ ذلك يفتح مجالا واسعا للجانبين للتعاون في القطاع المصرفي بشكل أكبر خلال المرحلة القادمة.
في المجال الزراعي، زار وفد من شركة حصاد الغذائية تركيا مؤخراً، وقمنا بتقديم كل التسهيلات اللازمة لهم، حيث أعربت شركة حصاد عن نيتها في الإستثمار في تركيا ونأمل أن يتمكنوا من الاسراع في ذلك بما يعود بالفائدة على البلدين خاصة لناحية مجال الاستثمار والتطوير في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية وفي مجالات إنتاج وتصنيع الغذاء كاللحوم والدواجن والألبان بما يساهم في المحصّلة في تأمين الأمن الغذائي القطري.
وفي مجال التصنيع، يوجد لدى قطر إستثمارات في شركة (بي ام جي) التركيّة لصناعة العربات، وهو مجال آخر للتعاون الاستثمار، وقد وقعت شركة يونجا أونوك التركية، مؤخراً اتفاقية مع قطر مؤخرا بقيمة 41 مليون يورو لتزويدها ب 6 زوارق بحرية من طراز MRTP 20 تركية الصنع، عالية السرعة.
** كيف تنظرون إلى التعاون في المجال السياحي بين البلدين؟ التعاون في المجال السياحي بيننا في قطر وبين تركيا إيجابي جدا، وهناك تزايد ملحوظ ومطّرد في عدد السيّاح القطريين القادمين الى تركيا في السنوات الأخيرة.
وفقا للإحصاءات الرسمية إرتفع عدد السياح القطريين المسافرين الى تركيا العام الماضي منذ بداية شهر يناير وحتى شهر مايو بنسبة تبلغ حوالي 52% مقارنة بنفس الفترة من العام 2014، علماّ أنّ نسبة الزيادة في العام 2014 بلغت حوالي 60% أيضا مقارنة بالعام 2013.
نتوقع أن يزداد عدد السياح القطريين هذا العام وأن تنعكس العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والتجارية المميزة بين البلدين بشكل ايجابي على حركة السياحة والتنقلات وزيارات رجال الأعمال بين البلدين وأن يزداد أيضا عدد الأتراك المسافرين الى الدوحة لاسيما بعد توقيع اتّفاق إزالة التأشيرات بين البلدين، وكذلك مع إفتتاح مطار إسطنبول الثالث الذي من المتوقع أن يبدأ العمل في نهاية العام 2018 كواحد من أكبر المطارات في العالم إن لم يكن أكبرها.
** ما هي طبيعة التسهيلات التي تقدمها السفارة القطرية لجذب الاستثمارات التركية؟ قطر تتميز عن غيرها بأنّها تسمح للمستثمر الأجنبي (غير القطري) الاستثمار بشكل كامل يصل الى 100% في عدد كبير من القطاعات المتنوّعة على ان يتم ذلك بموافقة وزارية.
ويوجد لدينا في قطر إدارة تسمى إدارة ترويج الاستثمار وهي الجهة المعنية بتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد، توفر المعلومات المتعلقة عن المشاريع الاستثمارية الحالية والحوافز الحكومية.
ونحن كسفارة مهمّتنا تتركز على التعريف بالتسهيلات المقدّمة من قبل الوزارات والجهات المعنيّة بالاستثمار في قطر.
أو أي مشروع في دولة قطر.
وتسهيل لقاء وتواصل المستثمرين القطريين بنظرائهم الأتراك وبتذليل العقبات التي تمنع ذلك أو تعرقله، كما نقوم أيضاً بحثّ المستثمرين الأتراك على الذهاب إلى الدوحة على اعتبار أنّ السوق القطري يرحّب بكل المستثمرين لاسيما الأتراك منهم على وجه الخصوص.
لدينا عدد كبير من الشركات التركيّة العاملة في الدوحة (حوالي 60 شركة كبرى ناهيك عن الشركات الأخرى) والاستثمارات التركية في قطر تقودها في الغالب شركات المقاولات والبناء التي حصلت على عقود بمليارات الدولارات خلال العقد الأخير ناهيك عن الاستثمارات المباشرة.
وتعتبر قطر بالنسبة إلى تركيا سابع أكبر سوق للمقاولات التركيّة.
ولا يفوتني أن أذكر في هذا المجال، فوز مجموعة (اس.تي.اف.ايه) وشركة يابي مركزي التركيتين في أبريل 2014 بمناقصة في مشروع مترو الدوحة الذي أُعلن عن أنّ قيمته قد تصل إلى حوالي 4.4 مليار دولار، وهو أعلى رقم يحصل عليه مقاول تركي في مناقصة خارجيّة على الإطلاق.
** قطر من الدول التي قدمت مساعدات لكثير من البلدان، وتقع سفارتكم في منطقة حيوية معنية باللاجئين خاصة السوريين، لو أطلعتمونا على حجم المساعدات القطرية خلال الأعوام الماضية.
طبعا نحن كدولة قطر نقوم بدورنا الإنساني الذي هو واجب علينا، فالشعب السوري عانى ويعاني خلال 6 سنوات من أهوال قلّما عاناها شعب في العالم في القرن الواحد والعشرين.
نحن من جانبنا ملتزمون منذ البداية بشكل راسخ بالوقوف الى جانب هذا الشعب المظلوم والتخفيف من معاناته وآلامه قدر المستطاع الى حين إنتهاء الأزمة السورية وعودتهم الى بلادهم.
هناك اليوم في تركيا حوالي 2.5 مليون سوري، ما بين 300 ألف و500 ألف منهم يعيشون في 25 مخيما في 10 مدن تركيّة، أمّا الباقي فهم خارج هذه المخيّمات.
تحوّلت تركيا إلى نقطة جذب وإهتمام لسائر المؤسسات والهيئات الإغاثيّة القطرية كالهلال الأحمر القطري وعيد الخيريّة و(راف) وغيرها.
وبسبب كثافة العمل والحاجة، قررت بعض المؤسسات والهيئات القطرية العاملة في هذا المجال إتخاذ تركيا كمقر لعملياتها، وسنشهد قريبا إفتتاح مكتب دائم لمؤسسة قطر الخيريّة في العاصمة التركيّة أنقرة في الشهر المقبل إن شاء الله.
لقد قامت المؤسسات والهيئات الإغاثيّة القطرية بالعديد من الاعمال الجليلة حقيقةً والتي يشكرون عليها وكثيرٌ منهم خاطر أيضاً لإيصال المساعدات الى الداخل السوري مع ازدياد الاحتياجات، ولم يقف الامر على المؤسسات الإغاثيّة القطرية، بل هناك أيضا أفراد محسنون اخذوا زمام المبادة والتحرّك بدافع ذاتي.
ولا يفوتني أيضا أن أذكر الزيارة الناجحة التي قامت بها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر حرم سمو الامير الوالد (حفظهما الله) الى مخيمات اللاجئين في غازي عنتاب التركيّة في العام 2014.
وقد إلتزمت دولة قطر في العام 2014 بدفع مبلغ 20 مليون دولار للصندوق الانساني المشترك التابع لمكتب تنسيق الشؤون الانسانية بالأمم المتحدة وذلك كأكبر داعم للصندوق منذ تأسيسه، كما قدمنا مبلغ 100 مليون دولار في مؤتمر المانحين الرابع للشعب السوري الذي أقيم في لندن في فبراير 2016 وقد بلغت حجم المساعدات القطرية للاجئين السوريين منذ بدء الأزمة وفق التقديرات المتوافرة حوالي مليار ونصف المليار دولار.