قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ.. مسارات اقتصادية جديدة للعلاقات الدولية

لوسيل

قنا

تتجه الأنظار اليوم إلى جنوب إفريقيا، حيث تنطلق قمة قادة مجموعة العشرين (G20) بمدينة جوهانسبرغ الاقتصادية على مدار يومين، لتصبح أول مدينة إفريقية تحتضن هذا اللقاء بالغ الأهمية، الذي تصدر عنه قرارات تسهم في تشكيل مسارات ومستقبل الاقتصاد العالمي.

ومنذ قمتها الأولى في واشنطن عام 2008، كانت قمم مجموعة العشرين تُعقد في عواصم أوروبية وآسيوية وأمريكية، لكن جنوب إفريقيا تولت رئاسة المجموعة في الأول من ديسمبر من العام الماضي، مما جعلها الدولة الإفريقية الأولى في هذا المنصب.

وقد أعرب مجلس الوزراء في جنوب إفريقيا عن رضاه عن الاستعدادات لاستضافة القمة، مؤكدا ثقته في نجاح تنظيم هذا الحدث العالمي.

من جانبها، أشادت مفوضية الاتحاد الإفريقي بتولي جنوب إفريقيا رئاسة مجموعة العشرين، واعتبرت استضافة القمة على أرض إفريقية للمرة الأولى تحولا نوعيا في تمثيل الجنوب العالمي داخل التكتلات الدولية الكبرى.

وأكد بيان رسمي صدر عن المفوضية في ذات السياق أن جنوب إفريقيا، بصفتها الرئيس الحالي لمجموعة العشرين، تضطلع بدور قيادي في الدفاع عن أولويات الدول النامية، وعلى رأسها قضايا التنمية المستدامة، والعدالة المناخية، وإصلاح النظام المالي الدولي.

وتتولى جنوب إفريقيا رئاسة مجموعة العشرين، في وقت يواجه فيه العالم سلسلة من الأزمات المتداخلة، بما في ذلك تغير المناخ وعدم المساواة والفقر والجوع والبطالة والتغيرات التكنولوجية وعدم الاستقرار الجيوسياسي.

كما تأتي في وقت يقترب فيه موعد تنفيذ أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة، حيث أظهر تقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2024 أن 17 بالمئة فقط من غايات أهداف التنمية المستدامة تسير على الطريق الصحيح لتحقيقها بحلول عام 2030، ما يُبرز الحاجة المُلحة إلى موارد أكبر وإحداث تقدم جذري، لا سيما في دول الجنوب العالمي.

وتعقد القمة تحت شعار التضامن والمساواة والاستدامة ، وتركز على 3 محاور رئيسية تتوافق مع أولويات جنوب إفريقيا وهي: النمو الاقتصادي الشامل والتصنيع لتقليل التفاوتات، والأمن الغذائي في ظل الجفاف والحروب، والذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية للتنمية المستدامة.

ويعكس الشعار تحوّلا ملحوظا في نظرة مجموعة العشرين، التي لطالما ارتبطت بالنخب الاقتصادية الكبرى، تمهيدا لمنح الأولوية للقضايا الإنسانية والتنموية.

ومن المتوقع أن يطالب القادة المشاركون في القمة بإصلاحات في منظمة التجارة العالمية (WTO)، وتمويل أكبر للانتقال العادل للطاقة في الجنوب العالمي، الذي يتحمل عبء التغير المناخي رغم مساهمته القليلة في الانبعاثات، كما سيُناقش القادة الديون الإفريقية وشراكات التجارة، مع مطالبات بآليات محاسبة لضمان تنفيذ الوعود السابقة.

في موازاة ذلك تصاحب القمة أو تسبقها فعاليات جانبية تشمل قمة الشباب، وقمة الأعمال، والقمة الاجتماعية، التي ستجمع آلاف المشاركين، بما يجسد التزام جنوب إفريقيا بجعل القمة شعبية المركز ، مع التركيز على الشباب الإفريقي كقوة دافعة للتغيير.

ويرى مراقبون أن القمة تشكل فرصة تاريخية للقارة الإفريقية لإعادة صياغة النقاشات حول التمويل المناخي والديون، مشيرين إلى أن نجاحها من شأنه تعزيز دور إفريقيا في النظام العالمي.

وفي الوقت نفسه، حذر هؤلاء المراقبون من مخاطر ما أسموه الوعود الفارغة ، مطالبين بوضع آليات تنفيذية ملموسة لضمان تطبيق القرارات والتوصيات التي ستصدر عن القمة.

يذكر أن مجموعة العشرين (G20) هي منتدى دولي يضم الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، والتي تسعى إلى إيجاد حلول للقضايا الاقتصادية والمالية العالمية، وقد تأسست عام 1999 بعد الأزمة المالية الآسيوية عامي 1997 و1998 كمنتدى غير رسمي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في أهم الاقتصادات الصناعية والنامية لمناقشة الاستقرار الاقتصادي والمالي الدولي.

وقد ركز المنتدى في البداية إلى حد كبير على القضايا الاقتصادية الكلية الواسعة، لكنه توسع منذ ذلك الحين في جدول أعماله ليشمل، بين أمور أخرى، التجارة، وتغير المناخ، والتنمية المستدامة، والصحة، والزراعة، والطاقة، والبيئة، ومكافحة الفساد.

وقد رقيت مجموعة العشرين إلى مستوى رؤساء الدول أو الحكومات في أعقاب الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية عام 2007، وفي عام 2009، عندما اتضح أن التنسيق اللازم لمواجهة الأزمة لن يكون ممكنا إلا على أعلى مستوى سياسي، ومنذ ذلك الحين، أصبح قادة دول المجموعة يجتمعون بانتظام، وأصبحت المجموعة المنتدى الأبرز للتعاون الاقتصادي الدولي.

وتمثل مجموعة العشرين ما يقرب من 85 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وثلثي سكان العالم، و75 بالمئة من التجارة الدولية، وبفضل هذه القوة الاقتصادية الجماعية، تتمتع مجموعة العشرين بتأثير كبير في صياغة السياسات العالمية ومواجهة التحديات المشتركة.