كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن فك الارتباط بين الريال القطري والدولار الأمريكي من عدمه، حيث يؤكد خبراء ماليون ومصرفيون ضرورة المحافظة على العلاقة الوثيقة والتاريخية بين العملتين، خاصة أنه ليس من مصلحة الاقتصاد الوطني فك هذا الارتباط في الوقت الحالي، لا سيما مع الهبوط الحاد في أسعار الطاقة منذ نحو عام بنسبة وصلت 60% قبيل تعافيها نوعا ما لتعود إلى مستويات 50 دولارا للبرميل خلال مطلع يونيو الجاري.
الريال القطري مرتبط بالدولار الأمريكي منذ العام 1982، بعد تثبيت مصرف قطر المركزي سعر صرف الريال القطري مقابل الدولار الأمريكي عند مستوى 3.64 ريال/دولار، واعتماد هذا الربط رسمياً بموجب المرسوم رقم 34 الذي صدر في يوليو 2001.
ويؤكد المركزي ، وفقا لما جاء على موقعه الإلكتروني، أن التمسك بالربط ذو مصداقية عالية وأنه حجر الزاوية في سياسته النقدية.
الآثار المترتبة موضوع فك ارتباط الريال بالدولار، أو الإبقاء عليه، يثير نقاط استفهام عدة، لعل ابرزها الآثار المترتبة عن فك الارتباط بين العملتين على الاقتصاد الوطني بدرجة اولى، ثانيا، في حال تم فك الارتباط فأي الخيارات المتاحة أمام الريال لمقاومة ضغوطات السوق والصرف وخاصة في مواجهة حرب العملات المستعرة في الآونة الاخيرة بين الدول، وثالثا، هل سيحدث تغيير في السياسة النقدية في حالة فك الارتباط.
لوسيل طرحت الموضوع وهذه الاستفسارات على خبراء ماليين ومصرفيين ورجال الاقتصاد حول وجهة نظرهم وأين تبرز مصلحة الاقتصاد الوطني في المحافظة على هذه العلاقة أو بفكها والبحث عن حلول بديلة للارتباط بالدولار؟.
ومنذ الاعتماد الرسمي لسياسة ربط الريال القطري بالدولار وحتى هذا التاريخ، استمر المركزي في تنفيذ سياسته القائمة بسعر الصرف عند سعر وسطي يقدر ب 3.64 ريال، فيما تتعامل البنوك المحلية ومحلات الصرافة بسعر الصرف الذي حدده المركزي للريال مقابل الدولار، مع إضافة هامش صغير في حدود 0.24%.
خيار إستراتيجي
يعتبر المحللون والخبراء الاقتصاديون أن ارتباط العملات الخليجية عموما بما فيها الريال القطري بالدولار الأمريكي أمر إستراتيجي يحقق مصلحة لها، خاصة وأن سعر النفط يعتمد أساسا بالدولار، ويقول في هذا الإطار المحلل الاقتصادي سعود الحارثي لـ لوسيل إن ارتباط الريال القطري بالدولار الأمريكي يعود بمنافع مختلفة على الاقتصاد الوطني، وأول تلك المنافع القوة التي يمنحها الدولار للريال والتي تنعكس ايجابيا على معدلات التضخم، اضافة الى انخفاض أسعار استيراد المنتجات من الخارج وخاصة من الدول الأوروبية والآسيوية، حيث تشهد السنوات الاخيرة تراجعا في سعر صرف عملات اليورو والين أمام الدولار وبالتالي أمام الريال القطري.
وتربط معظم دول مجلس التعاون الخليجي عملتها بالدولار الأمريكي باستثناء دولة الكويت التي تربط عملتها منذ 2007 بسلة من العملات متخلية عن نظام ربط سعر صرف الدينار بالدولار الأمريكي الذي تبنته عام 2003، ونتيجة لذلك رفعت الحكومة قيمة عملتها وسمحت لها بالارتفاع 0.37% أمام الدولار بعد اشهر من ضغوط السوق على سعر الصرف.
وتشير بعض الإحصائيات غير الرسمية الى نسبة الصادرات والواردات التي تتم في دول الخليج وتجرى بالدولار تناهز 85% من إجمالي المبادلات.
وأوضح الحارثي أن فك ارتباط عملات الدول الخليجية بالدولار الأمريكي سينعكس مباشرة على العملات التي لن تعرف استقرارا، مشيرا إلى أنه بمجرد فك الارتباط ستتغير السياسة النقدية لان العملة تعتمد على قوة الاقتصاد وضعفه، مضيفا أي اهتزاز للاقتصاد فإن العملة تهتز، وكلما تراجعت العملة تراجعت معها القدرة الشرائية وارتفعت الأسعار وحدث خلل في التوازن. .سلة عملات وعن إمكانية فك الارتباط بين الريال القطري والدولار الامريكي وصمود الريال أمام حرب العملات، استبعد الخبير الاقتصادي سعود الحارثي هذه الفرضية في الوقت الراهن مع تراجع أسعار المحروقات، وتابع قائلا: الاقتصاد القطري قوي جدا ولدى الدولة صندوق سيادي قوي ينوع استثماراته عبر العالم ولكن يبقى اقتصاد المنطقة عموما وليس قطر فقط مرتبطا بشكل اساسي بالنفط المقوم بالدولار .إلى ذلك، فان فك الارتباط بين العملتين يحتم ربط الريال بسلة من العملات الرئيسية الاخرى، والتي تتعرض للتذبذب يوميا على غرار اليورو أو الجنيه الاسترليني الذي وصل لادنى المستويات منذ 10 سنوات، وهو ما سينعكس سلبا على أسعار السلع التي ستصبح بدورها متذبذبة.
سيولد ذلك مخاطر جمة على خلاف الارتباط مع الدولار الذي يجعل من الأسعار ثابتة وحتى ان سجلت ارتفاعات فإنها تكون ضئيلة.
من جهة ثانية فإن حرب العملات تعتمدها الدول لتحفيز اقتصادها، حيث تلجأ تلك الدول إلى عدة وسائل منها تخفيض قيمة العملة بقصد منح المنتجات قدرة تنافسية عالية الأمر الذي يعزز الصادرات ومن ثم الصناعات وتشغيل المزيد من العمال على حساب دول اخرى دون التفطن إلى الانعكاسات السلبية على المستوى البعيد.
الصادرات والواردات
وأقر الخبير الاقتصادي علي حسن الخلف في حديثه لـ لوسيل بالإيجابيات المحققة نتيجة ربط الريال القطري بالدولار، مشيرا إلى أن الدولار العملة الدولية الوحيدة التي مازالت متربعة على عرش العملات، مضيفا: أغلب واردات قطر وصادراتها تتم بالدولار الذي يعطي ثقة للمتعاملين وفي ظل الظروف الراهنة يجب الإبقاء على الارتباط الوثيق بين الدولار والريال، بدلا من ربط الريال بسلة من العملات المتقلبة .
وعن صمود الريال في مواجهة حرب العملات، قال الخلف إن هذه الحرب إحدى الادوات المستخدمة في القضايا الاقتصادية، مشيرا إلى انه سواء بقي الريال مرتبطا بالدولار أم غير ذلك فإن حرب العملات ستبقى مستمرة.
وتؤكد الدولة عدم وجود نية لفك الارتباط بين العملتين، حيث نفى سعادة الشيخ عبد الله بن سعود آل ثاني، محافظ مصرف قطر المركزي، في تصريح إعلامي سابق بتاتا احتمال وجود توجه نحو فك الارتباط بين الريال القطري والدولار، وأضاف سعادته قائلا: يرتبط الريال القطري بالدولار منذ عام 1982 وهذا الوضع كان دائما في صالح الاقتصاد القطري، ولا نرى حاجة في فك هذا الارتباط في الوقت الحالي .
المحافظة على الارتباط
من جهته قال الخبير الاقتصادي يوسف أبو حليقة: من الأنسب المحافظة في الوقت الحاضر على ارتباط الريال بالدولار نظرا للعلاقة التاريخية والقوة التي تستمدها عملتنا الوطنية من الدولار والاستقرار الذي تتمتع به، مضيفا بأن نحو 95% من المعاملات بالدولة تتم بالدولار إضافة إلى توافد العمالة الاجنبية وارتفاع عدد السياح القادمين الى الدوحة، الامر الذي يحتم التمسك بالعلاقة الوثيقة بين العملتين وعدم التخلي عنها .
وأضاف: في حال تم فك الارتباط بين العملتين فإنه من الضروري ربط الريال بسلة من العملات الأخرى، غير أن هذا لن يكون مناسبا للاقتصاد الوطني نظرا لعدم استقرار تلك العملات وتذبذبها المتواصل وانخفاضها مقارنة بالدولار، ومن الصعب ترك تقييم عملة في حجم عملة قطر دون ربطها بعملات أساسية، وأن الريال القطري كان أمام خيارين، الأول الارتباط مع الدولار، أما الخيار الثاني الارتباط بسلة عملات أساسية .
وأوضح أبو حليقة: من الممكن النظر في موضوع فك الارتباط بين الريال والدولار الأمريكي في المدى البعيد، أما في الوقت الراهن فلا ننصح بذلك .