alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 45

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 11 أكتوبر 2026
الذاكرة في مواجهة العقل النقدي
د. زينب المحمود 12 أكتوبر 2026
شذرات تربوية
فالح بن حسين الهاجري - رئيس التحرير 12 أكتوبر 2026
من وحي تطوير الجريدة الرسمية وبوابة «الميزان».. رحلة قطر نحو المستقبل

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

27 يونيو 2026 , 11:02م

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع الولايات المتحدة ليس التفاوض حول البرنامج النووي أو رفع بعض العقوبات، ولا الإفراج عن الأموال المجمدة، بل ترسيخ نفوذها الأمني في الخليج بصورة تجعلها المرجع الفعلي في مضيق هرمز وباعتراف دولي!
ولهذا فإن الهاجس الحقيقي بعد الحرب الأمريكية الإيرانية يتعلق بالسؤال الأكثر أهمية: هل تحاول إيران أن تجعل من نفسها المرجعية الأمنية الوحيدة في مضيق هرمز، بحيث تتحول عملياً إلى شرطي الخليج؟
إنه السيناريو الذي لا ينبغي أن يقلق العواصم الخليجية حصرا، بل كل دول العالم أكثر من أي بند اقتصادي أو نووي. فطهران تدرك أن النفط والغاز والصادرات الحيوية قد تفقد جزءًا من أهميتها مستقبلاً، لكن الجغرافيا لا تفقد قيمتها أبداً. ومن يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يمتلك ورقة ضغط تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات.
إذا كانت الحرب قد دارت حول البرنامج النووي والصواريخ، فإن المفاوضات تدور حول النفوذ. وإذا كانت القاذفات قد توقفت، فإن معركة الخرائط بدأت. فالهدف الإيراني لم يكن يوماً مجرد امتلاك قوة عسكرية، بل تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي دائم، وإقناع العالم بأن أمن الخليج لا يمكن أن يُدار إلا عبر البوابة الإيرانية.

من الردع العسكري إلى النفوذ الجيوسياسي
خلال العقود الأربعة الماضية، اعتمدت الإستراتيجية الإيرانية على بناء أدوات ضغط متعددة، شملت البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، وشبكات الحلفاء الإقليميين، إضافة إلى التهديد المتكرر بإغلاق مضيق هرمز. 
فالمشروع الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية لم يكن مشروع دفاع عن الحدود، بل مشروع توسيع دوائر النفوذ، في العراق عبر الميليشيات، وفي لبنان عبر حزب الله، وفي اليمن عبر الحوثيين، وفي سوريا كان عبر الحرس الثوري. واليوم تنتقل المنافسة إلى البحر.
فبدلاً من أن تكون الميليشيات هي أداة الضغط، قد يصبح المضيق نفسه هو الأداة. وبدلاً من استخدام الصواريخ فقط، يستخدم النفوذ البحري لفرض معادلات سياسية واقتصادية جديدة.
لقد أظهرت التجربة أن إغلاق المضيق بصورة كاملة يمثل خياراً مرتفع الكلفة على إيران نفسها، نظراً لاعتماد صادراتها ووارداتها على الممر ذاته، فضلاً عن التداعيات العسكرية والاقتصادية الدولية.
لذلك تبدو الإستراتيجية الأكثر واقعية بالنسبة لطهران هي الانتقال من سياسة التهديد بإغلاق المضيق إلى سياسة التأثير المستمر في إدارته، بحيث يتحول وجودها العسكري إلى عنصر ثابت في معادلة أمن الطاقة العالمي. وبذلك يصبح النفوذ البحري الإيراني أكثر قيمة من مجرد امتلاك القدرة على تعطيل الملاحة.
في هذا السياق، تكتسب المواقف الإيرانية تجاه بعض مسارات الملاحة في مضيق هرمز أهمية خاصة. فقد أبدت طهران اعتراضها على استخدام مسارات بحرية تقع ضمن المناطق البحرية التابعة لسلطنة عمان، وهي مسارات يرى بعض المراقبين أنها قد تقلل من اعتماد السفن على المناطق التي تمارس فيها إيران حضوراً أمنياً أكبر.
ومن منظور إستراتيجي، فإن رفض مثل هذه البدائل يمكن تفسيره باعتباره محاولة للحفاظ على القيمة الجيوسياسية للمضيق كورقة تفاوضية، وعدم السماح بظهور ترتيبات تقلل من قدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة. كما أن التقارير التي تحدثت عن تهديد واعتراض أو استهداف سفن في تلك المنطقة، تعكس اتجاهاً نحو استخدام القوة لإرسال رسائل سياسية تتجاوز البعد العسكري المباشر، وتؤكد أن حرية الملاحة لا تزال جزءاً من أدوات الضغط الإيرانية.

الخليج أمام اختبار تاريخي
لا تكمن الخطورة في أن تغلق إيران المضيق، فالأسواق العالمية تستطيع التعامل مع أزمة عابرة. لكنها ستواجه مشكلة أكبر إذا أصبح المرور في هرمز مرتبطاً بمزاج السياسة الإيرانية، أو إذا تحولت حرية الملاحة إلى امتياز تمنحه طهران متى شاءت وتمنعه متى شاءت.
إن أي واقع يجعل السفن التجارية أو ناقلات النفط تشعر بأنها مضطرة إلى مراعاة الإرادة الإيرانية قبل عبورها، هو في جوهره انتقال من القانون الدولي إلى قانون موازين القوة. وهذا يعني أن أمن الطاقة العالمي يصبح رهينة للتوترات السياسية، وأن الاقتصاد الدولي يصبح أسيراً لأي أزمة جديدة بين إيران والغرب أو بين إيران وجيرانها.
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه دول الخليج هو الاعتقاد بأن أي ترتيبات مؤقتة ستُغيّر السلوك الإستراتيجي لطهران. فالتاريخ يقول إن الأنظمة لا تغيّر عقيدتها بمجرد توقيع اتفاق، وإنما تغيّر أدواتها. وقد تستبدل إيران سياسة التهديد المباشر بسياسة النفوذ المقنن، بحيث يصبح وجودها الأمني في المضيق أمراً اعتيادياً، ثم يتحول مع الوقت إلى واقع يصعب تغييره. وهكذا تُفرض الوقائع الجديدة من دون إطلاق رصاصة واحدة.
إذا أرادت دول الخليج حماية أمنها، فعليها أن تدخل أي ترتيبات إقليمية بموقف موحد لا يقبل المساومة على حرية الملاحة. فمضيق هرمز ليس ورقة تفاوض أمريكية، ولا جائزة ترضية لإيران، ولا مجالاً لتوزيع مناطق النفوذ.
إنه ممر دولي، وأمنه مسؤولية جماعية، وأي محاولة لتحويله إلى أداة ضغط بيد دولة واحدة ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس التصعيد العسكري، بل بناء قوة ردع بحرية خليجية إقليمية دولية متكاملة، وتوحيد المواقف السياسية، وربط أي تفاهمات إقليمية بضمانات واضحة تمنع احتكار أمن المضيق أو فرض أمر واقع جديد.
قد تنجح التسوية الأمريكية الإيرانية في خفض احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها لن تعني بالضرورة انتهاء التنافس الجيوسياسي في الخليج. فالمرحلة المقبلة قد تشهد انتقال الصراع من ساحات الحرب إلى موازين النفوذ، ومن المواجهة العسكرية إلى إعادة تعريف قواعد الأمن الإقليمي.
ويبقى التحدي الأساسي أمام دول الخليج هو منع أي ترتيبات تؤدي إلى تحويل مضيق هرمز من ممر دولي تحكمه قواعد القانون الدولي إلى مساحة نفوذ تُدار وفق توازنات القوة، لأن مثل هذا التحول لن يغير فقط معادلات الأمن الخليجي، بل سيعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...

السيطرة على الذكاء الاصطناعي: هل فات الأوان فعلًا؟

ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...

حين تصبح قطر شماعة للفشل الإسرائيلي

حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...