


عدد المقالات 189
لدي شغف بمتابعة "الرأي الآخر" عن السياسات الغربية لاسيما المبثوث في مراكز الإعلام البديل في أميركا وأوروبا، فهي تسلط الضوء على الانحياز في هذه السياسات، لاسيما ضد المسلم والعربي. في منتصف شهر شباط/فبراير الجاري كتب غاري لُوب، أستاذ التاريخ بجامعة تفتس في بوسطن، مقالاً في موقع كاونتر بنش بعنوان: "فرنسا تعيد السيطرة على مالي". وسأتناول هنا أبرز ما ورد في المقال لأهميته الاستثنائية. يرى لوب أن غزو مالي يعيد من جديد القوى الإمبريالية إلى سابق تحالفاتها. الخلاف بين واشنطن وباريس حول العراق سرعان ما تلاشى ليحل محله تعاون وثيق في هيتي وأفغانستان، ثم في مالي. هللت الصحافة الأميركية للغزو، وكالت الثناء لفرنسا بوصفها "واحدة من أقدم أصدقاء الولايات المتحدة". بل إن جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، طار إلى باريس وأبلغ هولاند ما يلي: "بالإنابة عن الرئيس والشعب الأميركي، نحيي صلابتكم". ينتقد لوب الربط التلقائي في الصحافة الأميركية بين مسلمي شمال مالي وتنظيم القاعدة، كما ينتقد الزعم بأن الماليين في العاصمة باماكو ذرفوا الدموع ابتهاجاً بمقدم الفرنسيين مرددين: "تحيا فرنسا"، والزعم بأن الماليين قالوا للفرنسيين: "إذا غادرتم البلاد، سنغادرها معكم". و "الماليون يريدون من الفرنسيين أن يبقوا"، وعناوين أخرى تصب في دعاية "الحرب على الإرهاب". يشير لوب إلى أن هذا المشهد يشبه كثيراً المشهد الذي "هندسته" أميركا بعد احتلال العراق، إذ جلبت أطفالاً عراقيين يلوحون بالأعلام الأميركية البلاستيكية أمام الكاميرات في ساحة الفردوس ببغداد. في غمرة التهييج الدعائي بانتصارات فرنسا تتوارى حقائق المعاناة الإنسانية في الظل، أو يُشار إليها عرضاً في سياق تبريري للثمن الذي يجب دفعه للتخلص من "الإرهاب". في مدينة كونا المالية مثلاً، قتل الفرنسيون 11 مدنياً، ويقول سوري ديكاتي، محافظ المدينة، إن من بين القتلى 3 أطفال ألقوا بأنفسهم في النهر هرباً من القنابل المنهمرة، فغرقوا. أحداث كهذه لا تلقى اهتماماً يُذكر، في وقت يشدد فيه الفرنسيون، تماماً كالأميركيين في أفغانستان، على "ضربات جراحية" تنتقي أهدافها بعيداً عن المدنيين. انتشى الفرنسيون للوهلة الأولى بالنصر مع أن الخسائر في صفوف الإسلاميين كانت قليلة، إذ انسحبوا تكتيكياً من المدن، ثم شرعوا في إعادة التجمع (كما فعلت طالبان عام 2001). لكن ما غيّبته الصحافة السائدة، هو أن الصراع في مالي، ليس بين "إرهابيين" مرتبطين بالقاعدة وبين سكان شمال مالي، أو حتى بين الإسلاميين والحكومة، بل صراع بين حركة الاستقلال الطوارقية، التي ظلت تدفع باتجاه استقلال جمهورية أزاواد في شمال مالي لعقود، وبين الحكومة في باماكو التي تقودها "طغمة عسكرية" أطاحت برئيس منتخب في شهر أيار (مايو) 2012، بعد اتهامه بالفشل في قمع ثورة الطوارق. يشعر الطوارق بالتمييز ضدهم؛ لأن "بشرتهم فاتحة" كما أخبر عدد منهم أفوا هيرش مراسلة الغادريان (6 تموز/يوليو 2012). يشعر كثير منهم بأنهم مُهملون في التعليم والبنية التحتية بينما تُفرض عليهم ضرائب ظالمة. يعتقدون أيضاً أن الحدود التي رسمها الكولونياليون الأوروبيون كانت عشوائية وحرمتهم من وطنهم الذي يمتد على حدود النيجر وليبيا والجزائر وبوركينا فاسو، وأن لهم الحق في إقامة دولة مستقلة. كافح الطوارق عقوداً لتحقيق الحلم، وشهدت التسعينيات انتفاضتين لهم انتهتا بإجهاضهما باتفاقات لم تر النور. هذا هو "التناقض الأساسي" في مالي، بحسب تعبير لوب، الذي أشار إلى أن دخول الإسلاميين المرتبطين بالقاعدة المشهد مؤخراً "أمر ثانوي". كان عدد من الطوارق يخدمون في قوات الدكتاتور معمر القذافي، وبعد سقوطه نزحوا إلى شمال مالي، وساعدوا أهل أزاواد على تنظيم صفوفهم (بي بي سي، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2012). جماعات المقاومة الطوارقية ليست سواء، وتختلف في مقارباتها للصراع، ولا توجد مظلة واحدة لها، وأكثرها لا علاقة له بالقاعدة. يقول لوب إن التنظيم المتهم بعلاقة مع "القاعدة في المغرب الإسلامي" هو "أنصار الدين" الساعي إلى تطبيق الشريعة في كل مالي، لكنه لم ينشط في المنطقة إلا في آذار (مارس) 2012، و "لم يبد اهتماماً بالجهاد الكوني، بل هو يتبنى أجندة مناطقية"، وقد انشقت عنه جماعة سمّت نفسها "حركة أزاواد الإسلامية"، التي قال الناطق باسمها لوكالة أسيوشيتد برس في كانون الثاني/يناير 2013: "نحن لسنا إرهابيين، ومستعدون للتفاوض. لسنا "أنصار الدين" ولا "القاعدة في المغرب الإسلامي". نحن جماعة من شمال مالي لدينا مظالم شتى عمرها نصف قرن". لكن هناك حركة مرتبطة بالقاعدة في المغرب الإسلامي، هي "حركة الاتحاد والجهاد في غرب إفريقيا"، وحركة أخرى يرأسها مختار بلمختار، الذي انشق عن "القاعدة في المغرب الإسلامي"، وقاد عملية الهجوم على منشأة الغاز الجزائرية. في ظل هذا الوضع شديد التعقيد يصرّح وزير الدفاع الفرنسي لو دريان أن هدف بلاده هو "إعادة السيطرة الكاملة على مالي". كلمة "إعادة" تعني التذكير بالتاريخ الكولونيالي للمنطقة. كانت جغرافية مالي في أواخر القرن التاسع عشر تشمل موريتانيا والسنغال والنيجر وبوركينا فاسو، وكان الفرنسيون يجبرون العمال الأفارقة على إنتاج بضائع كالقطن والفول السوداني، بينما كان معظم البلاد غارقاً في التخلف. حكم الفرنسيون عن بعد، باسم "رسالة الحضارة"، مثلما دافع البريطانيون عن إمبراطوريتهم مترامية الأطراف باسم "عبء الرجل الأبيض". في عام 1886، وفي أوج التوسع الفرنسي في غرب إفريقيا، صرح رجل الدولة الفرنسي الشهير جول فيري: "للأعراق الأسمى حق على الأعراق الأدنى. إن عليها واجب تمدين الأقل منزلة". ولهذا السبب، هيمنت اللغة الفرنسية والدين المسيحي على مالي وغرب إفريقيا. الإمبرياليون "يد واحدة". رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أعلن دعمه الحملة على مالي قائلاً إن "التهديد الكوني يتطلب استجابة كونية"، وهي استجابة ستستغرق "سنوات أو حتى عقوداً"، مضيفاً أن الأمر يحتاج إلى "الصبر واحتمال الألم"، وفوق كل شيء، "الإرادة الحديدية". ويمضي كاميرون في خطاب عاطفي بدت مفرداته استشراقية كلاسيكية: "يجب أن يتنادى العالم كله إلى التعامل مع هذا الخطر. إننا نواجه جماعة إسلامية متطرفة ذات صلة بالقاعدة، تريد أن تدمر طريقة حياتنا، وتؤمن بقتل أكبر عدد ممكن من الناس". يعلق لوب على هذه الكلام بالقول إن كاميرون لا يستطيع الإشارة إلى تلك الجماعات غير المرتبطة بالقاعدة والتي يجري "طليُها بالفرشاة" مع غيرها لأغراض الدعاية، مضيفاً بلهجة ساخرة: "وليس ثمة تلميح يذكر عن رغبة هذه الجماعات في تدمير طريقة حياة كاميرون، مع أنهم قد يُصابون بالصدمة من بعض مظاهرها. هؤلاء الطوارق الوطنيون يسعون إلى صفقة أفضل في وطنهم، وليس الانضمام إلى خلافة يقودها أيمن الظواهري". وبينا تتحدث بريطانيا عن عقود من الحرب، تتفق أميركا مع النيجر على نشر طائرات من دون طيار على أراضيها لتعقب الإسلاميين المرتبطين بالقاعدة في شمال مالي (رويترز، 29 كانون الثاني/يناير 2013). عندما تسيطر الدعاية، تضيق مساحة النقد. لا تكاد تجد، على سبيل المثال، نقاشاً عن مصالح فرنسا الاقتصادية من الغزو. موقع بلاك نيوز إكزامينَر يقول إن "الهدف الحقيقي للغزو الفرنسي الوحشي لمالي والذي أسفر عن تهجير نحو 800 ألف شخص، هو السيطرة على احتياطات اليورانيوم الضخمة وودائع الذهب والألماس والنفط. وبهذا، فإن فرنسا..تخوض حملة صليبية عدوانية من أجل استعباد اقتصادي لهذه الأمة". بالنظر إلى التاريخ، فإن فرنسا ليست بدعاً من الدول التي تستبد بها شهوة التوسع، فتحصد كوارث غير محسوبة. يقول فواز جرجس، الأستاذ في كلية الاقتصاد بلندن، إن "فرنسا ليست مسؤولة عن إنتاج الجهاديين الذين يجوبون الأودية والقفار والجبال في شمال إفريقيا وغربها، غير أن تدخلها العسكري ربما يلهب مشاعر الظلم ضد الهيمنة والكولونيالية؛ وهي وقود قافلة الجهاديين". كل ذلك يتوارى في صحافة منبتة الصلة بالجماهير وبالواقع في آن. بينما تتعالى أصوات غربية ضد الإمبرياليين أو حتى "الصليبيين"، تصرخ في أعمدة الصحف السائدة أصوات مترهلة مثل كاتب صحيفة (الرياض) محمد المحمود الذي قال: "ما تقوم به فرنسا..وبمؤازرة العالم المتحضر..عمل إنساني، قبل أن يكون عملاً أمنياً..(إنه) استئصال الإرهاب في حقوله" (7 شباط/فبراير). دعاية فجّة تحاول إرهاب الجماهير باسم "القاعدة". والجماهير تعرف كيف تأتي بنيانها من القاعدة. *أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود https://twitter.com/LoveLiberty
نحن الموقّعين أدناه نعتذر إلى الإنسانيّة عن تاريخنا؛ عن ثقافتنا المفخّخة بالعنف؛ عن سيرة أجدادنا الملّطخة بالدماء. نعتذر عن ما كانوا يسمّونه «الفتوح الإسلامية»، وما كانت سوى عمليات غزو واسترقاق، وإجبار للسكان الأصليين على دفع...
في البدء كانوا مجاهدين، ثم صاروا فدائيين، ثم مقاومين، وتدريجاً أصبحوا مسلّحين، فكان طبيعياً أن يصبحوا في نهاية اليوم، «إرهابيين»، ثم يُسدل الستار على الفاجعة، ولمّا تنته. يصبح الإسرائيلي ضحية، وتصبح أفعاله دفاعاً عن النفس...
اليمن تاريخياً بلد واحد غير مقسّم، والتقسيم إضعاف لهذا البلد، وتشتيت لشعبه، وفتح أبوابه لتدخّلات عسكرية وقواعد أجنبية واضطرابات وحروب قد تكون أسوأ من وضعه إبّان الانفصال القديم في الستينيات والسبعينيات. وبينما يتّجه العالم إلى...
حدّث سهم بن كنانة، قال: كان في القرن الخامس عشر بجزيرة العرب، رجل يزعم أنّه واحد دهره في الأدب، وأنّه أدرك من أسرار البيان، ما لم يدركه إنسٌ ولا جان، وقد اشتُهر بابن الغلامي، أو...
علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله». كبرنا،...
قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، وأثناءه وبعده، لم تتوقف جريدة الحياة اللندنية عن الهجوم على الحكومة التركية. كانت هذه الصحيفة معروفة إلى عهد قريب بحرصها على عدم إبراز أيديولوجيتها، وباستقطابها كتّاب رأي ليسوا...
كان يا ما كان، في آخر الزّمان، أنّ رجلاً كان مريضاً فتعافى، فغضبت عجوزٌ كانت ذات يوم سبباً في إمراضه حتى مزّقته إرباً إرباً، وطفقت تولول وتشقّ جيبها، وتدعو بالثبور، وعظائم الأمور، فلم تكن تتوقّع...
حدّث سهم بن كنانة، قال: في أواخر القرن الرابع عشر، قبل أن تُولد الفضائيات وتنتشر، ظهرت في جريدة اسمها «اليوم»، قصيدة أثارت كثيراً من اللوم، وكانت متحرّرة القوافي، واسم كاتبها حميد غريافي، وقد جاء في...
تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا...
كنّا نعرف أنّ «تحرير» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من قبضة تنظيم داعش سيكون دامياً، وكنّا نترقّب فقط مشاهد القتل الجماعي لأهل تلك المدينة بحجة تحريرهم من الإرهاب. لكن لم نكن نتوقع أنّ المجازرستثير في...
حدّث سهم بن كنانة، قال: اعتراني ذات يوم السأم، وشعرت بأنواع الألم، وجفا عينيّ الكرى، وعادت صحّتي القهقرى، فراودتني الرغبة في الخروج، والاستئناس بين المروج، ودُللتُ على قرية تُسمّى «سراج»، شعارها «لدينا كلّ ما تحتاج»،...
كان الرئيس التركي، أردوغان، محقّا في اتهامه عدداً من دول الاتحاد الأوروبي بالارتهان للفاشية والنازيّة إثر إلغاء ألمانيا عدداً من التجمّعات الانتخابيّة التي كان من المقرّر أن يحضرها وزراء أتراك في مدن ألمانيّة، ومنع هولندا...