alsharq

فالح بن حسين الهاجري - رئيس التحرير

عدد المقالات 227

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 23 سبتمبر 2026
قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

خطاب سمو الأمير في الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة: «الحكمة والصلابة.. وجهان لعملة واحدة»

23 سبتمبر 2026 , 12:50ص

يعكس خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى (حفظه الله)، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، جملة من المرتكزات التي استقرت في السياسة الخارجية لدولة قطر، وفي مقدمتها حماية السيادة والمصالح الوطنية، والتمسك بالحوار والتفاوض، ودعم الوساطة وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، واحترام القانون الدولي، إلى جانب العمل الإنساني والتنموي. وتظهر هذه المرتكزات في الخطاب الرسمي للدولة وفي أداء مؤسساتها الوطنية، بما يعكس اتساقا بين رؤية القيادة والممارسة الدبلوماسية، ويمنح السياسة القطرية قدرا من الاستمرارية في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.

ويكتسب خطاب سمو الأمير في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من سبتمبر 2026 أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تمر بها منطقة الخليج والشرق الأوسط، حيث اتسعت آثار النزاعات لتشمل أمن الدول والملاحة والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وتواصلت التداعيات الإنسانية والسياسية للحرب في غزة، إلى جانب ما تواجهه دول عربية من تحديات مرتبطة بالسيادة ووحدة المؤسسات واستعادة الاستقرار. وقد تناول سموه هذه الملفات ضمن رؤية تربط أمن المنطقة بقدرتها على معالجة أسباب النزاعات، وتؤكد أهمية التسويات السياسية واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وحقوق الشعوب.
ويحدد قول سموّه إن الأزمة الراهنة هي «نتاج تراكمي لسنوات من التأجيل وإدارة الأزمات بالحلول المؤقتة والسياسات غير الواقعية» جانبا أساسيا في خطابه، فهو يربط الوضع الراهن بتراكم ملفات بقيت من دون تسويات مستقرة، ويضع معالجة أسباب النزاع في صلب أي مسار جاد نحو الاستقرار. ويتصل بذلك تأكيد سموه أن قطر ظلت، من خلال دورها «وسيطا موثوقا وميسرا للسلام»، تحذر من أن «الزمن لا يحل النزاعات المعلقة دون تسوية عادلة، بل يضاعف كلفتها»، وهي صياغة تفسر جانبا مهما من تمسك الدوحة بالحوار والوساطة باعتبارهما من أدوات السياسة العملية في احتواء الأزمات ومنع اتساعها.

الأمن الجماعي والحوار أساسا للاستقرار الإقليمي
يحتل الأمن الجماعي مكانة مهمة في خطاب حضرة صاحب السمو، وقد لخّص المشكلة بقوله: «إن جوهر ما نشهده من وضع خطير هو غياب نظام إقليمي للأمن الجماعي»، محددا أسس هذا النظام في احترام سيادة الدول وسلامتها ووحدة أراضيها، وحل النزاعات بالطرق السلمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. ويعبر هذا الطرح عن تصور للأمن يقوم على قواعد إقليمية مشتركة تمنع انتقال الخلافات الثنائية إلى مواجهات أوسع تهدد استقرار المنطقة.
ويتسع مفهوم الأمن في خطاب سموه ليشمل المنشآت الحيوية والطاقة والملاحة والتجارة والغذاء والدواء، وخاصة مع تحذير سموه من أن غياب النظام الإقليمي قد يسمح لطرف بأن «يزج جيرانه في حرب ليست حربهم»، وأن تتحول الممرات المائية وشرايين الاقتصاد العالمي إلى أوراق ضغط سياسي واقتصادي. فالأزمة الإقليمية لم تعد محصورة في نطاقها الجغرافي، وأي اضطراب في الخليج يمكن أن تمتد آثاره إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد ومستويات المعيشة في مناطق عديدة من العالم.
ويفسر هذا الإدراك تمسك قطر بالمسار الدبلوماسي، وهو ما عبّر عنه صاحب السمو بقوله: «لا يجوز تفويت فرصة الحل الدبلوماسي السلمي الممكن والواقعي في رأينا». وإن اختياره وصفَي «الممكن» و»الواقعي» يضع الحوار ضمن حسابات السياسة والمصلحة، ويؤكد أن خفض التصعيد والعودة إلى المفاوضات يوفران مجالا لحماية الدول ومقدراتها ومعالجة الخلافات ضمن مسار سياسي منظم. وكما ربط سموه الصمود بالتخطيط والاستعداد والاستثمار في الإنسان والقدرات الوطنية وتأمين سلاسل الإمداد، وبناء الاحتياطيات الاستراتيجية، وهو ما يجعل قوة المؤسسات والاستعداد المسبق جزءا أصيلا من مفهوم الأمن الوطني.

فلسطين وغزة ومسؤولية المجتمع الدولي
نالت القضية الفلسطينية موقعا في الخطاب، واختصر سموه دلالتها بقوله: «لا يستقيم حديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نقطة عمياء فيه». ويحمل التعبير نقدا للفجوة بين المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي ومستوى تطبيقها على القضية الفلسطينية، ويعيد طرح مسألة المساواة في إنفاذ القانون الدولي بعيدا عن تفاوت القوة والنفوذ بين الدول.
وفي توصيفه لمأساة غزة أكد قائلا: «إن ما جرى في غزة إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ووصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء»، وتضع هذه الإشارة مسؤولية المجتمع الدولي في خضم النقاش، وتربط فاعلية النظام الدولي بقدرته على حماية المدنيين وإنفاذ قواعد القانون ومنع استمرار الانتهاكات.
وكما حضر البعد الإعلامي في الخطاب عند حديث سمو الأمير عن تحول الرأي العام العالمي، وإشارته إلى أن جنودا إسرائيليين «تباهوا بجرائمهم بالصوت والصورة»، وأن صور ما حدث في غزة تداولها جيل من الشباب في أنحاء العالم. وتعكس هذه الإشارة تحول البيئة الإعلامية المعاصرة؛ إذ أصبحت الصورة والشهادة المباشرة جزءا أساسيا من تشكيل الرأي العام، وتراجعت قدرة الروايات الرسمية على التحكم المنفرد في تفسير الوقائع. وكذلك وضع سموه معيارا واضحا لمسؤولية المجتمع الدولي تجاه الاعتداءات الإسرائيلية بقوله: «فإما أن يكون القانون واحدا للجميع، وإما أن يفقد معناه حين يطبق على الضعفاء ويُعفى منه الأقوياء»، وهي قاعدة تتصل مباشرة بمصداقية القانون الدولي وعدالة تطبيقه.

الدولة الوطنية ووحدة المؤسسات في الرؤية القطرية
كما ربط سموه حفظه الله في خطابه استقرار المنطقة بالتنمية وبناء مؤسسات الدولة، مؤكدا أن «التنمية الشاملة وبناء مؤسسات الدولة ركيزتان أساسيتان في تحقيق تطلعات الشعوب والأمن والاستقرار». ويتصل بذلك قوله إن «احتكار السلاح الشرعي من أهم مقومات الدولة، وهو الضامن للقدرة على التشريع وإنفاذ سيادة القانون». وتبرز سوريا في هذا الإطار، حين أكد سمو الأمير دعم شعبها في «مرحلة التعافي وإعادة البناء ودعم مؤسسات الدولة وسيادتها واستقلالها ووحدتها الوطنية والإقليمية»، وربط ذلك بتحقيق الاستقرار والتنمية والكرامة «على أساس المواطنة المتساوية». 
وأوضح سموه في الخطاب مواقف دولة قطر من قضايا عربية أخرى، حيث تسير مواقف قطر من بقية الأزمات العربية في الاتجاه نفسه، ففي السودان أكد سموه أهمية الحوار الشامل والسلام المستدام، وفي ليبيا دعم المسار السياسي والمصالحة وتوحيد المؤسسات، وفي الصومال أكد السيادة والوحدة وسلامة الأراضي، وفي لبنان دعم مؤسسات الدولة وسيادتها على كامل أراضيها، وفي اليمن أيد الجهود الأممية للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ الوحدة والسيادة. 

السياسة الخارجية القطرية
بين المصلحة والوساطة والعمل الإنساني
وقدم سمو الأمير في الخطاب تحديدا واضحا لمكونات السياسة الخارجية القطرية بقوله: «هذا الجمع بين حماية مصالحنا الحيوية ودور الوساطة المجربة والمقدرة والمعترف بها دوليا والعمل الإنساني والمواقف المبدئية المستقيمة مع القانون الدولي والشرعية الدولية هو أساس سياساتنا الخارجية، وهذه العناصر الأربعة هي مكوناتها». وتوفر هذه العبارة شكلا واضحا لفهم السياسة الخارجية من خلال المصلحة الوطنية، والوساطة الدبلوماسية، والعمل الإنساني، والالتزام بالقانون الدولي والشرعية الدولية.
وتجد هذه المحددات امتدادها في عمل مؤسسات الدولة القطرية، عبر الشراكة الدولية والتعاون مع المؤسسات والمنظمات متعددة الأطراف. وفي الداخل يستمر الاستثمار في التعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي وفق رؤية قطر الوطنية 2030م. ويأتي توسيع بيت الأمم المتحدة في الدوحة، والاستعداد لاستضافة القمة العالمية الرابعة للإعاقة عام 2028، وكأس العالم لكرة السلة 2027، ضمن هذا السياق الذي يجمع بين الشراكة الدولية والتنمية والتواصل بين الشعوب. 

حول مضامين الخطاب
يرتكز الخطاب في المجمل حول مجموعة من المفاهيم الرئيسية التي تتصل ببعضها: الأمن الجماعي، والسيادة، والتسوية العادلة، وكرامة الوطن، والحوار، والمواطنة المتساوية، واحتكار السلاح الشرعي، والوساطة، والقانون الدولي، والعمل الإنساني. 
وعلى المستوى الوطني، تتجلى عبارة «كرامة الوطن لا تقايض»، وترتبط مباشرة بقول سمو الأمير إن «الحكمة والصلابة وجهان لعملة واحدة». ويحدد الجمع بين العبارتين جانبا مهما من النهج الوطني الدبلوماسي والمؤسسي القطري في التعامل مع الأزمات والقضايا الداخلية والخارجية. 
وعلى المستوى الإقليمي، لخص سمو الأمير الموقف بعبارة: «الزمن لا يحل النزاعات المعلقة دون تسوية عادلة، بل يضاعف كلفتها»، وهذا يفسر طريقة الدوحة في تسوية النزاعات وأهمية الوساطة والحوار في ذلك. فاستقرار المنطقة يرتبط بقدرتها على معالجة أسباب النزاع، وبناء ترتيبات أمنية تراعي سيادة وحقوق وأمن جميع دولها.
وعلى المستوى الدولي، أجمل سموه قائلا: «لا يستقيم حديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نقطة عمياء فيه»، فالقضية الفلسطينية في قلب أي نقاش حول دور القانون الدولي وعدالة تطبيقه، فيما تقدم مواقف الدوحة من سوريا ولبنان والسودان وليبيا واليمن والصومال تصورا يقوم على وحدة الدولة وسيادتها ومؤسساتها. 
وتختصر نهاية خطاب سمو أمير البلاد المفدى الاتجاه العام لهذه الرؤية الإستراتيجية في قول سموه: «إن التعايش السلمي والحوار هما السبيل الوحيد الذي لا يترك خلفه منتصرا ومهزوما». وفي هذه العبارة تتقاطع معظم مضامين الكلمة، فالتسوية المستقرة تحتاج إلى عدالة واحترام السيادة وبناء مؤسسات قوية، والحوار يحتاج إلى إرادة سياسية تحمي فرص السلام من أي حرب، وهي مرتكزات تحدد ماهية حضور قطر الدبلوماسي، ومن رؤيتها للعلاقة بين المصلحة الوطنية والاستقرار الإقليمي والمسؤولية الدولية.

 

  @FalehalhajeriQa

«مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية» نموذجاً.. مراكز الفكر في الأزمات والحروب.. إنتاج المعرفة والتأثير في صنع القرار

اكتسبت مراكز الفكر خلال العقود الأخيرة موقعا متقدما في عملية صنع القرار، بعد أن أصبحت إحدى المؤسسات التي تربط البحث الأكاديمي بالسياسات العامة والإعلام والنقاش المجتمعي، وتعمل على تحويل الكم الكبير من المعلومات والبيانات إلى...

تصريحات نتنياهو ومنافسيه تطرح السؤال: ماذا يريد الاحتلال؟ قطر.. وسيط لا يُقرأ من نصّ أحد

تثير الحملة الإسرائيلية المتصاعدة على دولة قطر سؤالا يتجاوز التصريحات التي يطلقها بنيامين نتنياهو ومنافسوه في الأسابيع الأخيرة: ماذا يريد الاحتلال من الوسيط؟ السؤال يمس جوهر الحملة أكثر مما تمسه تفاصيل الاتهامات المتداولة. فقد اختارت...

من طهران نحو فتح أبواب الحوار.. الدبلوماسية القطرية في زمن الحرب.. ورسم مسار الخروج من الصراع

تتضاعف الحاجة إلى الدبلوماسية كلما اتسعت رقعة الحرب، وضاقت فرص التفاهم. وفي ظل الحرب الأخيرة في المنطقة، وما أحدثته من اضطراب أمني واقتصادي امتدت آثاره إلى الشرق الأوسط والعالم، تواصل دولة قطر مساعيها لوقف التصعيد...

دور قطري عالمي في العمل الإنساني.. أبعد من الحدود.. أقرب إلى الإنسان

ثمة لحظة تختبر فيها الكوارث معنى التضامن أكثر مما تختبر قدرة الدول على التعبير عنه. حين يضرب زلزال مدينة، أو تحاصر الحرب ملايين المدنيين، أو تلتهم الحرائق مساحات واسعة، يصبح الفارق كبيراً بين التعاطف والاستجابة....

رجل اتسعت له الدوحة.. حتى اتسع له العالم.. العزاء الذي كشف مقدار «فقيد قطر الكبير»

في أيام العزاء، لم تكن الدوحة تستقبل وفودا جاءت لأداء واجب رسمي عابر؛ كانت تستقبل شهادات حيّة على مكانة رجل امتد أثره من وطنه الصغير في الجغرافيا إلى دوائر واسعة من العالم. تعاقب الملوك والرؤساء...

وضع أسس نهضتها الحديثة ورسم مكانتها العالمية.. الأمير الوالد.. رجلٌ غيَّر وجه قطر

نعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي وافته المنية صباح أمس الأحد، السابع والعشرين من المحرم 1448هـ، الموافق الثاني عشر من...

قطر في قمة السبع في إيفيان: دبلوماسية الوساطة.. ورهانات الاستقرار

جاء حضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان لي بان الفرنسية، في لحظة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد على نحو مباشر. فالشرق الأوسط يقف أمام...

مدرجات أمريكا.. العنابي يكتب التاريخ من قلب «سانتا كلارا»

في عالم كرة القدم، تصنع الثواني الأخيرة ذاكرة الشعوب، وتمنح المباريات معناها الأعمق حين تتحول من مجرد اختبار كروي عابر إلى درس بليغ في الشخصية والصمود، ومن نتيجة رقمية على الشاشة إلى علامة فارقة في...

من الدوحة إلى مونديال أمريكا الشمالية: قطر ترافق العنابي بفريقها وجماهيرها وإعلامها

تدخل دولة قطر كأس العالم 2026 وهي تحمل رصيداً مختلفاً عن معظم المنتخبات العالمية المشاركة. فهي ليست دولة تأهل منتخبها إلى البطولة للمرة الثانية في تاريخه، وليست بطلة آسيا في نسختين متتاليتين فحسب، وإنما دولة...

قناة QBC الاقتصادية: الطموح القطري في صدارة المشهد المالي العالمي

تسطر دولة قطر اليوم فصلا جديدا من فصول تميزها الإعلامي، معلنة عن تدشين قناة QBC الاقتصادية كذراع إعلامي استراتيجي يتبع المؤسسة القطرية للإعلام. يمثل هذا الصرح الجديد قفزة نوعية في صناعة المحتوى المتخصص، وتجسيدا حيا...

قطر في مواجهة الأزمة: إدارة الدولة بين الجاهزية الأمنية.. والحكمة السياسية

لحظات التحولات الكبرى والأزمات الإقليمية، تكشف حقيقة الدول وقدرتها على إدارة التحديات. فالأزمات لا تختبر القدرات العسكرية والاقتصادية فحسب، وإنما تختبر أيضا تماسك المجتمع، ووضوح الرؤية السياسية، وكفاءة المؤسسات. وفي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية...

الدولة التي تعرف وزنها: قطر في مواجهة التصعيد

دخلت قطر الأيام الماضية على إيقاع تصعيد إقليمي واسع، تمددت ارتداداته إلى أجوائها ومحيط منشآتها الحيوية. ومع أولى المقذوفات التي استهدفت المجال الجوي للدولة، صدر بيان وزارة الدفاع مؤكدا نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض...