


عدد المقالات 26
تشعر أحيانا بحنين يعود بك إلى إعادة قراءة كتاب قرأته قبل زمن، هذا ما كان معي مع كتاب الروائية البريطانية فيرجينيا وولف التي ماتت منتحرة «غرفة تخص المرء وحده»، حيث أعادت دار العين المصرية طباعته، فصار أمامي من جديد لأجد فيه – كما في السابق - مانيفستو الحركة النقدية النسوية في القرن العشرين، كتاب على صغر حجمه، وبساطة الرسالة التي يحملها، والتي كثيرا ما اختزلت في جملة واحدة تقول: إذا أرادت امرأة الكتابة فيجب أن تكون لها غرفة ودخل منتظم مهما كان ضئيلاً.
إلا أن تلك النتيجة البسيطة والتي تنطبق على كل مبدع أيا كان جنسه، تؤصلها فرجينيا وولف في حالة النساء تأصيلاً مرهفا إلى أبعد حد، وبنفاذ بصيرة فائق عبر صفحات كتابها، متملية متفحصة، وفي الأساس متسائلة عن المعوقات، والتوقعات والظروف الاجتماعية والتاريخية التي أجهضت جهود النساء في إثبات ذواتهن والإفصاح عن رؤيتهن للعالم.
من خلال هذا الجهد المتأني في طرح المسألة، لا يتكشف لنا فقط كم التعسف والظلم الذي وقع على النساء، وإنما أسباب المعاناة مما كرس فكرة دونية المرأة وعدم صلاحيتها للأعمال التي تتطلب الهمة والدأب الفكري أو»العبقرية»، هل هناك أسلوب في الكتابة تختص به المرأة؟ ما معيار الكتابة الجيدة في حالة المرأة التي تستخدم الكتابة للتعبير عن الظلم الذي تشعر انه واقع عليها؟ ما العلاقة بين الكتابة والجنون؟ aترتفع نبرة هذا السؤال بعد انتحار فرجينيا وولف عام 1941، فهل هناك قيم أنثوية وأخرى رجولية.؟ لقد طرحت فرجينيا في كتابها مجمل الأسئلة التي قامت عليها حركة لا تنتهي من البحث في تاريخ النساء، وخصوصا كتاباتهن، ومظاهر مقاومتهن، ماهية الضغوط الواقعة عليهن، ولا تزال توصيفاتها لمعوقات البحث في تلك المجالات تلهم الكثيرين والكثيرات بالكشف المتأني والجهد الموضوعي، لا في مجال النقد الأدبي فقط كما قد يتراءى للبعض، ولكن في التاريخ الثقافي والعلوم الاجتماعية وحتى الطب.
والكتاب رغم صغر حجمه ورغم أن البعض يصفه بالرواية، إلا انه يتميز بثراء ملحوظ في التكثيف والعمق والنظرات النقدية الخلابة والذكية، وهو يكشف عن جدية متناهية في تناول ودراسة أعمال أدبية من وجهة نظر مبدعة حقيقية تعرف معنى المكابدة وقيمة ومعمار البناء الدرامي والاستخدام الفني للغة بكل إيحاءاتها ورموزها، وهي ترى أن بنية أية رواية شهيرة هي بنية غاية في التعقيد لأنها مركبة من كم كبير من الأحكام المختلفة، ومن كم اكبر من العواطف المختلفة.
أما ما يدعو للدهشة والعجب أن كتابا يؤلف على هذا النحو، يتماسك ويصمد عشرات السنوات ويصبح من الممكن أن يعني للقارئ الانجليزي ما يعنيه للقارئ الروسي أو الصيني وما يجعله متماسكاً من وجهة نظره، وهي ترى في موضع آخر أن غالبية الروائيات يفكرن، وهن يكتبن في شيء خارج إطار العمل نفسه وتسقط كتاباتهن وبها عيب في نقطة المنتصف أو المركز وذلك لأنهن حوُلن من قيمهن نزولا على رأي الآخرين، ولكن ألم يكن من المستحيل بالنسبة لهن ألا يجدن يمينا أو يسارا، أي قدر من العبقرية وتمام الخلق كان يتطلبه مواجهة ما يصطدمن به من نقد، وسط ذلك المجتمع الأبوي الخالص، والتمسك بما يرينه حقا، دون أن ينكمشن ويتراجعن، لم تتمسك بذلك سوى جين اوستين واميلي برونتي، ولذا فهن يحملن نيشانا آخر ربما كان أرقى ما يحملن من نياشين الا وهو أنهن كتبن كما تكتب النساء، لا كما يكتب الرجال.
وتحلل فرجينيا وولف رواية «مغامرة الحياة» لكاتبة تكتب أولى رواياتها هي داري كارمايكل في دأب وعمق يعدان نموذجا لما أرى وجوب أن يتحلى به الناقد من دراية ورهافة وفهم متكامل لطبيعة العملية الابداعية، وفي سرد يأخذ بلباب العقول يجعلنا نقارن بينه وبين ما يكتب من ألغاز نقدية قد تنأى بنا بعيدا عن تذوق الإبداع، واكتشاف مواطن جماله، أو كشف سر تداعيه وانتعاشاته.
ويضيق المقام عن عرض الكثير مما يحفل به هذا الكتاب الصغير الحجم نسبيا والذي يستعصي على التلخيص، ولا يسعني سوى تقديم التهنئة للمترجمة سمية رمضان، و لدار العين على قرارها الحكيم بإعادة طباعة الكتاب الهام في هذا التوقيت الذي يتزايد فيه اهتمام مجتمعاتنا بالكتابة النسوية.
كثيراً ما استمتعنا بترجمات لروايات عالمية من ثقافات أخرى، وصلت إلى العربية عن طريق مترجمين لهم الفضل الكبير على الثقافة العربية، من أمثال سامي الدروبي وصالح علماني ومنير البعلبكي وغيرهم، حتى صار اختيار ما يُقرأ...
الكثير من الكُتاب كتب السيرة الذاتية، وكثيرون كتبوا حول سيرة شخصية أخرى أعجبتهم، أو وجدوا فيها ما يستحق تسليط الضوء لكن الروائي والطبيب سامح الجباس جاء في أصداره الأخير (داروين طنطا) بشيء من هذا وشيء...
«من يرث عمامة المحارب لا يسأل عن الحق الذي يقاتل باسمه» حديث صادق في الصفحات الأولى من رواية «حواليس» للروائي والإعلامي العُماني محمد اليحيائي الصادرة 2026 عن دار عرب، كلمات تنبئ بحديث القتال والحرب، وقد...
في طبعة جديدة يخرج لنا كتاب الروائية التونسية حياة الرايس، هذه المرة عن دار قنطرة من الدوحة، فتصير الفرصة أقرب لتناول هذا الإصدار الجميل. تعود الكاتبة والصحفية حياة الرايس من خلال صفحات إصدارها الجديد إلى...
نوع من الكتابة السريالية استخدمه الروائي المصري هشام شعبان، في روايته الأخيرة (مجلس إدارة العبث) الصادرة عن دار العين 2026، وقد لا يوحي الغلاف للقارئ بالكثير حول الرواية إلا انك إن أعدت النظر في الغلاف...
قصة حقيقية، هكذا كُتب على غلاف رواية عبدالله مكسور الأخيرة (عبور مؤجل)، الصادرة هذا العام عن الدار المصرية اللبنانية، قصة عاشها الكاتب، قصة اليوم الواحد أو نصف اليوم، هذا لو حسبنا زمن القصة بالساعات، وبالتأكيد...
حصلت رواية (مواليد حديقة الحيوان) على جائزة الشيخ زايد مؤخرا، والرواية للكاتب المصري أشرف العشماوي، وقد صدرت عن الدار المصرية اللبنانية في طبعتها الأولى حتى الطبعة الخامسة عام 2024 ثم قيض لها أن تحصل على...
نصحتني صديقة أثق في نوعية قراءاتها وأثق في رأيها الأدبي والثقافي، نصحتني بقراءة رواية (باب الزوار) للكاتب المصري محمد إسماعيل، الصادرة عن دار العين للنشر عام 2022 وهي ثاني أعماله الروائية بعد رواية (ما حدث...
شيماء غنيم، كاتبة مصرية شابة تُصدر روايتها الثالثة العام الماضي، لم أقرأ روايتها الأولى «أبواب النخبة» التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة خيري شلبي عام 2022 ولا الرواية الثانية «رَبع الرز» عام 2024 وقد وصلت للقائمة...
لم تُطلق حنين الصايغ، على روايتها الثانية «ثمرة النار» عبارة جزء ثان للرواية الأولى ميثاق النساء، حتى يكتشف القارئ بنفسه انه يعيش في نفس القرية اللبنانية، القرية المحافظة الدرزية، بعاداتها القاسية على أبنائها. تواصل حنين...
طالما أسمعنا المتحذلقون من المثقفين العرب أسماء فلاسفة الغرب وقاموا بالنقل عن ألسنتهم أمثلة وأقوالا دون أن يتبرع أحدهم بالحديث المختصر عن هؤلاء، فكم من المرات تتوقف عند اسم أرسطوا وتقرأ عنه لأحدهم، وكم من...
لازمني كثيراً، وانا اشاهد الأفلام المدبلجة، تساؤل مفاده كيف يستطيع هؤلاء – المدبلجون – ان يصنعوا كلمات عربية تُشبه الكلمات في اللغة الأصلية للفيلم.؟ وظل هذا تساؤلاً منزوياً في الذاكرة حتى صعد على السطح مرة...