alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 24

رأي العرب 03 أغسطس 2026
قطر والكويت.. موقف واحد
سحر ناصر 03 أغسطس 2026
لبنان.. «خلّوا الحساب علينا»
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 03 أغسطس 2026
بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

الكوميديا الإلهية: العرب بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا

09 يونيو 2026 , 11:10م

ما الذي يجمع بين ضرب مطار ومنشآت مدنية في الكويت والبحرين، واستهداف حقل غاز في قطر، ومرافق وفنادق في الإمارات، وتهديد منشآت حيوية في السعودية؟ ثمة خيط ناظم يجمع بينها جميعاً، تقنيات حديثة تُسخّرها مشاريع أيديولوجية لا لبناء المدن، بل لتهديدها؛ لا لحماية الاستقرار، بل لزعزعته. وهنا لا تكمن خطورة السلاح في دقته فحسب، بل في العقلية التي قررت أن تجعل من المنجزات الحضارية أدوات لإنتاج الفوضى.
وهنا تحديداً تبرز الإشكالية التي تشكل جوهر الأزمة في الشرق الأوسط، هل تكمن في التكنولوجيا نفسها أم في العقيدة السياسية التي توظفها؟ مما يعيدنا إلى ملحمة دانتي أليغييري «الكوميديا الإلهية». ففي عالم دانتي لم يكن الجحيم مجرد مكان للعقاب، بل نتيجة طبيعية لانتصار الأهواء والأفكار المنحرفة على العقل والحكمة. وكان الجحيم في جوهره انعكاساً أخلاقياً لأفعال البشر واختياراتهم.

مفهوم أدوات الصراع 
بعد أكثر من سبعة قرون من ملحمة دانتي، يبدو أن المنطقة تواجه نسخة حديثة من ذلك الجحيم؛ جحيماً لا تُشعل نيرانه الأساطير، بل تغذيه مشاريع سياسية ترى في التكنولوجيا وسيلة للنفوذ والتوسع أكثر مما تراها أداة للبناء والتنمية. ثمة مفارقة تكاد تختصر قصة الشرق الأوسط المعاصر. ففي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تستثمر مئات المليارات في بناء المدن الحديثة، وتطوير البنية التحتية، وإطلاق مشاريع الذكاء الاصطناعي، وتنويع الاقتصاد، وتأسيس شراكات عالمية واسعة، كانت قوى أخرى في المنطقة تستثمر في شيء مختلف تماماً: تطوير أدوات الصراع. المدن الذكية في مقابل الطائرات المسيّرة. المناطق الاقتصادية في مقابل الصواريخ الباليستية. الجامعات ومراكز البحث في مقابل الميليشيات العابرة للحدود. إنها ليست مجرد مقارنة بين سياسات مختلفة، بل بين رؤيتين متناقضتين للحضارة نفسها.
الرؤية الأولى تنطلق من فكرة أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى حياة مواطنيها. أما الرؤية الثانية فتنطلق من فكرة أن النفوذ يُصنع عبر تصدير الأزمات، وإدارة الصراعات، وتوظيف الأيديولوجيا في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. ومن هنا يصبح الجدل أكثر وضوحاً: هل المنطقة بحاجة إلى مزيد من الشعارات أم إلى مزيد من التنمية؟
طبيعة المواجهة الكبرى
أنصار المشاريع الأيديولوجية يصرون على تصوير المشهد باعتباره مواجهة كبرى بين إيران والممانعة من جهة وأمريكا أو إسرائيل من جهة أخرى. غير أن هذه الرواية، على الرغم من انتشارها الإعلامي، تتجاهل سؤالاً أساسياً: من الذي يدفع الثمن الحقيقي؟ هل هي واشنطن؟ هل هي تل أبيب؟ أم هي المدن العربية التي تواجه بشكل مباشر تداعيات عدم الاستقرار، واستهداف المنشآت الحيوية، وتهديد الممرات الاقتصادية، وتعطيل مشاريع التنمية؟
الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها أن الإشكالية الكبرى التي يعاني منها العرب اليوم ليست في الصراع الإيراني ـ الأميركي أو الإيراني ـ الإسرائيلي بحد ذاته، بل في انعكاسات هذا الصراع على الأمن العربي واستقرار الدول العربية ومشاريعها التنموية. فالعرب لا يخسرون فقط الأمن عندما تتعرض منشأة أو مدينة للاستهداف، بل يخسرون أيضاً الثقة الاستثمارية وفرص النمو والاستقرار طويل الأمد.
إن الاقتصاد الحديث لا يعيش في بيئة الصواريخ، ورأس المال لا يهاجر نحو مناطق التوتر، والتنمية لا تزدهر في ظل الفوضى. لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من يطلق الصاروخ، بل لماذا يتم توظيف التكنولوجيا أصلاً في خدمة مشروع يقوم على إنتاج الأزمات بدلاً من حلها؟
لقد كانت التكنولوجيا في الأصل وعداً بتحرير الإنسان من قيود الجهل والفقر والمرض، لكن بعض الأيديولوجيات نجحت في تحويلها إلى وسيلة جديدة لإدامة الصراعات القديمة. فالطائرة المسيّرة التي كان يمكن أن تُستخدم في الزراعة والإنقاذ والاستكشاف، أصبحت أداة في معارك النفوذ. والتقنيات الرقمية التي كان يفترض أن توسع المعرفة أصبحت أحياناً منصات للتعبئة والتحريض والاستقطاب. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: ليست التكنولوجيا هي التي تنتج الجحيم، بل العقلية التي تستخدمها. إن أخطر ما تفعله الأيديولوجيات المغلقة أنها تُخضع العلم لأهدافها السياسية، فتحول المعرفة إلى أداة للهيمنة، والتقنية إلى وسيلة للضغط، والتقدم إلى غطاء للصراع.
وفي هذا السياق تبدو بعض الخطابات الشعبوية العربية جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل. فبدلاً من مساءلة النتائج الكارثية للصراعات المستمرة، تكتفي هذه الخطابات بترديد الشعارات الكبرى وتبرير كل شيء باسم العقيدة أو المقاومة أو الصراع مع الخارج. لكن الدول لا تُبنى بالشعارات. والاقتصادات لا تنمو بالخطب، والمجتمعات لا تزدهر تحت ظلال الأزمات الدائمة.

تجارب الأمم في التنمية 
لقد علمتنا تجارب الأمم أن التنمية ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي مشروع حضاري كامل. وعندما تختار دولة أن تستثمر في التعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية، فإنها تختار المستقبل، أما عندما تستثمر في الميليشيات وأدوات الصراع، فإنها تختار البقاء أسيرة الماضي.
ولعل المأساة الأكبر أن بعض الجماهير ما زالت تنظر إلى المشهد من خلال عدسات أيديولوجية ضيقة، فتتعاطف مع الشعارات وتتجاهل النتائج. ولهذا نرى من يهتف باسم المشاريع السياسية الكبرى بينما يتحمل المواطن العربي البسيط كلفة الفوضى والدمار وتعطيل التنمية، إن المفارقة التي تختصر هذه الحالة يمكن التعبير عنها بعبارة موجعة: يرضى القتيل ولا يرضى القاتل. فبينما يدفع الأبرياء ثمن الصراعات، يستمر بعض المروجين لها في تبريرها وتمجيدها، وكأن الخراب إنجاز، وكأن تعطيل التنمية انتصار.
في «الكوميديا الإلهية» كان الجحيم عقوبة أخلاقية على انحراف الإنسان عن القيم العليا. أما في عالمنا المعاصر، فإن الجحيم يُصنع عندما تنتصر الأيديولوجيا على العقل، وعندما يُقدَّم الولاء العقائدي على مصلحة الشعوب، وعندما تتحول التكنولوجيا من أداة للبناء إلى وسيلة للهدم.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست معركة صواريخ وطائرات مسيّرة فحسب، بل معركة بين نموذجين للحضارة: نموذج يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالعلم والمعرفة والانفتاح والتنمية، ونموذج آخر يرى أن النفوذ يتحقق عبر الصراع الدائم وتصدير الأزمات. وبين هذين النموذجين يقف العرب أمام سؤال مصيري: هل يريدون أن يكونوا جزءاً من عالم يصنع المستقبل، أم أسرى لمشاريع لا تجيد سوى إعادة إنتاج الجحيم على الأرض؟.

أفول عصر المعونات الأمريكية

بينما هيمنت الحرب ضد إيران، ومستقبل برنامجها النووي، وآفاق الصراع في الشرق الأوسط على معظم النقاشات التي شاركت فيها خلال الأيام الماضية مع باحثين وخبراء في عدد من مراكز الدراسات الأمريكية في واشنطن، برز ملف...

بين المغرب وإسبانيا حكاية مدينتين

قبل أكثر من قرن ونصف، افتتح تشارلز ديكنز روايته الأجمل (حكاية مدينتين) بجملته الشهيرة التي أصبحت واحدة من أشهر افتتاحيات الأدب العالمي (كان أفضل الأزمنة، وكان أسوأ الأزمنة)، لم تكن الرواية مجرد قصة تدور بين...

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...