


عدد المقالات 121
شهر رمضان موسـم لتربية النفس عـلى الطاعات، والبعـد عـن المنكـرات، وتعلم أحـكام الـشرع الحنيف، وهو لذلك فرصـة أعظـم للدعـاة إلى الإسلام، فهو يعينهم على تربيـة النـاس، وتعليمهم أمـر دينهم للقيـام بأمر الله، لأن الناس أكثر ما تكون تديناً وتعبداً في رمضان، على غير عادتهم في بقية الشهور، وذلك لالتزام معظمهم بالصيام والقيام طوال الشهر، ولما يوفره هذه الشهر الكريم من الأجواء الروحانية والمظاهر التي تحبب بالعبادة والطاعة، ولذلـك فالدعاة يتحّينـون رمضان لزيادة الفاعلية والنشاط الدعوي في هذا الشهر الكريم، حيث يكون الناس أكثر ميلاً للاستجابة والالتزام. (1)
كما أن الصيام جاء بعد الصلاة ليثبت معالم الطريق للمؤمنين، ويرشدهم إلى النور المبين بعد أن يؤمنوا إيماناً حقيقياً بألوهية الله عز وجل وربوبيته، فإنه عز وجل إذا سأله عباده فهو قريب يجيب دعوة الداعي، والصيام رشد، من صامه إيماناً واحتساباً يرشده إلى الجنة وبرحمة الله يرشدهم إلى تطهير القلوب والأبدان، وهذا الشهر الفضيل يرشدهم إلى محبة الله ثم محبة المؤمنين، ويرشدهم إلى حماية أنفسهم من الزيغ والضلال إن هم صانوا صيامهم، ويرشدهم إلى ما فيه خير دنياهم ودينهم، فالصائمون ضيوف الله في هذا الموسم، ومن يطلب ضيافة الله وكرمه بإخلاص فلن يرجع خائباً والله لا يضيع أجر المحسنين. (2)
والدعوة إلى الله من أوجب الواجبات وأهم المهمات وأعظم القربات، وإن شهر رمضان لفرصة سانحة ومناسبة كريمة، وأرض خصبة لنشر الدعوةِ، ذلكم أن القلوب في رمضان تخشع لذكر الله، وتستعد لقبول المواعظ الحسنة، وتقوى بها إرادة التوبة. والدعوة إلى الله (عز وجل) تشمل كلَّ ما يُقصد به رفعةُ الإسلام، ونشره بين الناس، ونفيُ ما علق به من شوائب، وردُّ كلِّ ما يغضُّ من شأنه ويصرف الناس عنه.
ولا ريب أن العلم هو مرتكز الدعوة، وهو أساسها ودليلها وقائدها، والدعوة تحتاج مع العلم إلى كثير من الجهود التي مضى شيء منها، وقد أثنى الله عز وجل مثنياً على من قام بهذا العمل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. [فصلت:33] (3)
فإن مهمة الدعوة إلى الله مهمة كبرى ومسئولية عظيمة، رتب الله عليها من الأجر العظيم ما الله به عليم، ولذا اختار الله سبحانه وتعالى لها أفضل الخلق وأكرم البشر، اختار لها سادات القوم وصفوة الأمة وفضلاءها، فالدعوة عمل الأنبياء والمرسلين والمصلحين ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم.
ومن النماذج الدعوية ما قام به نبي الله نوح عليه السلام حيث دعا قومه سنوات طويلة دون كلل أو ملل، ودون أن يتسرب اليأس إليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:14]، فإن تنوع الأساليب وتعدد أوجه الدعوة من ضرورياتها ومتطلباتها، وهذا نوح عليه السلام ما ترك سبيلاً لدعوة قومه إلا سلكه، ولا باباً إلا طرقه، وإن أعظم دعوة يقوم بها المسلم هي دعوة نفسه، فيبدأ بها يلزمها الطاعة ويجنبها المعصية، ويجاهد نفسه في ذلك حتى تستقيم له، ثم يبدأ بمن هم تحت يده والأقرب له، وينبغي للداعي أن يكون كلامه هيناً ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وينبغي أن يكون الداعي حليماً صبوراً على الأذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح».
وأن يحذر من اليأس والقنوط في أمر الدعوة، فإن هذه أمراض مهلكة لدعوته، فعليه أن يتأمل في دعوة الرسول وهو يمضي في طريق دعوته سنوات طويلة، ولم ييأس ولم يتخاذل ويتكاسل حتى أشرقت الأرض بنور ربها، وعليه أن يعلم ويوقن أن الهداية من الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [سورة القصص:56]، فعلى المسلم القيام بالدعوة، وليس له تتبع النتائج وحصد الثمرة، فالدعوة جهاد وصبر واحتساب، ومعاودة وتكرار، واستغلال للفرص والأحداث، فعلى الداعي أن يتحلى بالصبر على الدعوة وعلى المدعوين، وعليه أن يضحي بوقته وماله وجهده. (4)
وأخيراً أيها الصائمون: هذه هي الدعوة إلى الله، وتلك فضائلها، وآداب أهلها؛ فحري بنا أن نكون دعاة إلى الله؛ كُل بحسبه، فهذا بعلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، وهذا بجهده، لنحقق الخيرية ولنسلم من الوعيد، فلنجعل من شهرنا هذا ميداناً لاستباق الخيرات في الدعوة إلى الله تعالى الذي يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:33] (5)
المراجع:
1. رمضان فرصة للتربية والتعليم، محمد صالح المنجد، (مجموعة زاد للنشر، الرياض)، الطبعة الأولى 2014، ص5.
2. من وحي رمضان، يوسف الدغفق، (مطابع الدرعية)، ص67.
3. رمضان دروس وعبر، محمد بن ابراهيم الحمد، (دار ابن خزيمة)، الطبعة الأولى: 2018، ص68ــ73.
4. أربعون درساً لمن أدرك رمضان، (دار القاسم للنشر 2008)، ص177ــ 183.
5. رمضان دروس وعبر، محمد بن ابراهيم الحمد، (دار ابن خزيمة)، الطبعة الأولى: 2018، ص73.
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...