alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر

عدد المقالات 23

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 01 نوفمبر 2026
الجزيرة بعد ثلاثين عاماً: صعود الوعي في زمن الانكسار العربي
رأي العرب 01 نوفمبر 2026
الجزيرة.. 30 عاماً من بناء الوعي
رأي العرب 30 أكتوبر 2026
الدوحة.. منصة حوار عالمية

جغرافية السيطرة وحدود القوة

02 نوفمبر 2026 , 10:56م

لم تعد السيطرة على المواقع الإستراتيجية تعني بالضرورة القدرة على تأمينها أو ضمان حرية استخدامها، كما أن التأثير فيها لم يعد يتطلب إخضاعها المباشر، ويعكس هذا التحول بروز ثنائية السيطرة والإنكار بوصفها مدخلاً لفهم العلاقة بين الجغرافيا والقوة في الصراعات المعاصرة. وتتجسد هذه المفارقة في المواجهة الأمريكية الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير 2026، حيث أصبح مضيق هرمز ساحةً لاختبار حدود التفوق العسكري في مواجهة أدوات الإنكار الجغرافي، والكشف عن الكيفية التي يستطيع بها الطرف الأضعف عسكرياً توظيف موقعه الاستراتيجي لتقييد حركة الطرف الأقوى، وفرض تكاليف قد تحد من قدرته على تحويل تفوقه العسكري إلى نتائج حاسمة.
ولفهم هذه العلاقة، من المهم العودة إلى الأسس النظرية للجغرافيا السياسية، التي ارتبطت تاريخياً بثلاث مقاربات رئيسية، ركزت الأولى على السيطرة البحرية باعتبارها أساس القوة العالمية، وربطت الثانية النفوذ الدولي بالتحكم في قلب الكتلة الأوراسية، بينما منحت الثالثة المناطق الساحلية المحيطة بها أهمية استراتيجية، ومن بينها منطقة الخليج. ورغم اختلاف هذه المقاربات، فإنها اشتركت في اعتبار السيطرة المكانية محدداً رئيسياً لموازين القوة. غير أن تطور الفكر الاستراتيجي، ولا سيما مفاهيم نقاط الاختناق ومنع الوصول وحرمان المنطقة، أتاح فهماً أوسع لهذه العلاقة، يقوم على التمييز بين السيطرة، باعتبارها القدرة على استخدام المجال وتأمينه، والإنكار الذي يستهدف تقييد استخدام الخصم له أو رفع تكلفته. وبذلك، لم تعد الجغرافيا تعكس توزيعاً ثابتاً للنفوذ، بل أصبحت مجالاً للتنافس بين قدرات غير متكافئة.
وتتجلى هذه الثنائية في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، نظراً لدوره المحوري في تجارة الطاقة الدولية. وتمنح الخصائص الجغرافية للمضيق إيران ميزة استراتيجية ناتجة عن امتداد سواحلها وموقع جزرها القريبة من الممرات البحرية، بما يتيح لها التأثير في أمن الملاحة رغم اختلال موازين القوة العسكرية. ومع تطور المواجهة، امتد الصراع من استهداف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية إلى التنافس على حركة الملاحة، حيث لجأت طهران إلى أدوات الإنكار البحري، بما فيها التهديد بالألغام واستهداف السفن وتعطيل العبور، بينما اعتمدت واشنطن على تقييد هذه القدرات لتأمين الممرات الإستراتيجية.
ويعكس سلوك الطرفين اختلافاً في المنطق الإستراتيجي، فالولايات المتحدة تسعى إلى توظيف تفوقها العسكري وشبكة قواعدها وشراكاتها الإقليمية لضمان حرية الملاحة، بينما تعتمد إيران على الحرب غير المتماثلة لتقويض قدرة واشنطن على تأمين المضيق. وتكمن فاعلية الإنكار في أن تعطيل التجارة لا يتطلب إغلاق الممر بالكامل، إذ يكفي ارتفاع المخاطر الأمنية وتكاليف التأمين والشحن لدفع الشركات إلى تقليص عملياتها. وهنا يصبح التأثير في تصورات الفاعلين الاقتصاديين جزءاً من الصراع، وتتجاوز المنافسة السيطرة المادية إلى القدرة على تحديد شروط الاستخدام ومستوى المخاطرة. كما تتيح علاقات إيران مع فاعلين إقليميين من غير الدول توسيع نطاق الضغط إلى ساحات أخرى.
غير أن هذه المواجهة تكشف أيضاً حدود الاستراتيجيتين، إذ تتجلى فيها معضلة الأمن، حيث قد تتحول الإجراءات التي يتخذها كل طرف لتعزيز موقعه إلى مصدر تهديد للطرف الآخر، بما يزيد احتمالات التصعيد ويعقد فرص التسوية. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً في ظل تشابك المصالح الاقتصادية الدولية، إذ تتجاوز تداعيات اضطراب الملاحة حدود المواجهة العسكرية، لتنعكس على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، وتفرض أعباءً اقتصادية على أطراف الصراع نفسها. فالولايات المتحدة تواجه تحدي تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار، بينما تتحمل إيران تداعيات عسكرية واقتصادية لاستراتيجية الإنكار. وبذلك، فإن قدرة أي من الطرفين على فرض تكاليف على خصمه لا تعني بالضرورة قدرته على تحقيق مكاسب إستراتيجية تتناسب مع حجم هذه التكاليف.
وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل الصراع على مضيق هرمز لن يتحدد بحجم القوة العسكرية التي يمتلكها كل طرف، بقدر ما سيتوقف على قدرته على تحمل التكاليف الاستراتيجية والاقتصادية المترتبة على السيطرة أو الإنكار. فامتلاك القدرة على تأمين المضيق لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، كما أن تعطيل الملاحة ورفع تكلفتها لا يمثل في حد ذاته مكسباً إستراتيجياً، وإن المعيار الحاسم لا يكمن في قدرة أي من الطرفين على فرض إرادته عسكرياً، بل في مدى نجاحه في تحويل ما يمتلكه من أدوات قوة إلى نتائج سياسية تتجاوز حدود المواجهة وتكاليف استمرارها.

المأزق المؤلم المتبادل بين استحالة الحسم وتعثر التسوية

تطرح المواجهة الأمريكية الإيرانية مفارقة سياسية واستراتيجية، فعلى الرغم من تصاعد تكاليفها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وعجز الطرفين عن تحقيق حسم يترجم إلى مكاسب استراتيجية واضحة، فإن فرص التوصل إلى تسوية لا تزال محدودة. فالنزاعات لا...

إدارة التحالف جزء من المعركة

تختزل مقولة شهيرة في الأدبيات العسكرية، مفادها أن الشيء الوحيد الأسوأ من القتال مع الحلفاء هو القتال من دونهم، إحدى المفارقات الأساسية في الاستراتيجية العسكرية، فالتفوق العسكري مهما بلغ حجمه لا يعفي الدول من أعباء...

بين الخطاب والقرار تتجلى أولويات الوطن

يمثل خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أمام مجلس الشورى محطة سياسية ومؤسسية مهمة في مسار صنع القرار في دولة قطر، إذ لا تقتصر أهميته على تحديد الأولويات...

المأزق الإستراتيجي يبدأ حين يصبح الأمن مصدراً للخطر

يجسد المأزق الإستراتيجي إحدى المفارقات الجوهرية في العلاقات بين الدول، إذ قد تقود السياسات التي تتبناها دولة لتعزيز أمنها إلى ردود فعل مضادة تفضي إلى بيئة أكثر توترًا وأقل استقرارًا، ولا تكمن المعضلة في محدودية...

المقاربة القطرية لصناعة الحضور الدولي

في لحظات التحول والاضطراب، تزداد حاجة الدول إلى إعادة تحديد موقعها وأدوارها في نظام دولي تتغير فيه موازين القوة وتتسع فيه دوائر عدم اليقين، وتصبح المحافل الدولية إحدى المساحات التي تعبّر من خلالها عن رؤيتها،...

بين صندوق القتل وطاولة التفاوض

خلف مصطلح صندوق القتل، بصيغته التقنية المتداولة في أدبيات العمليات العسكرية، تبرز مسألة سياسية تتجاوز حدود الإجراء الميداني إلى سؤال أعمق يتعلق بسلطة تعريف المكان وحدود استخدام القوة، من يملك حق رسم نطاق جغرافي يتحول،...

حين تتصارع الأجندات: من يدفع بالأزمة نحو نقطة اللاعودة

بين تراجع الاستقرار واحتمال المواجهة، تتشكل مرحلة هي الأكثر حساسية في مسار الأزمات الدولية، لحظة تتصاعد فيها حدة التوتر، وتترقب العواصم التحركات، فيما يظل قرار المواجهة مؤجلًا. تمثل هذه المساحة الفاصلة المرحلة الواقعة بين الاستقرار...

التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

ليست كل المفاوضات بحاجة إلى طاولة تجمع أطرافها، كما أن غياب الإعلان الرسمي عنها لا يعني بالضرورة توقف قنوات التفاهم والتفاوض، ففي بعض الأزمات، قد تصل الدول إلى مرحلة تصبح فيها حاجتها إلى الحوار أكبر...

الردع المفقود: مأزق القوة في مواجهة الوكلاء

يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة...

الانتصار الذي لا يصنع نصراً.. فخ النجاح التكتيكي

نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...

الحرب التي لا يريدها أحد: مفارقة الحسابات الخاطئة

تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...

الوساطة الشبكية وإدارة الأزمات: لماذا لم يعد نموذج الوسيط الواحد كافياً؟

الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...