

خلف مصطلح صندوق القتل، بصيغته التقنية المتداولة في أدبيات العمليات العسكرية، تبرز مسألة سياسية تتجاوز حدود الإجراء الميداني إلى سؤال أعمق يتعلق بسلطة تعريف المكان وحدود استخدام القوة، من يملك حق رسم نطاق جغرافي يتحول، بمجرد تحديده، إلى معيار يقرر من يبقى داخل دائرة الحماية ومن يصبح عرضة للاستهداف؟ فعندما يصنف حيز جغرافي بوصفه نطاقًا للقتال، ويصبح مجرد الوجود داخله كافيًا للتعامل مع الأفراد باعتبارهم أهدافًا محتملة، بصرف النظر عن هويتهم أو نواياهم، فإننا لا نكون أمام ترتيب عملياتي فحسب، بل أمام تحول في منطق ممارسة القوة، إذ ينتقل معيار الاستهداف من تقييم الفعل الفردي إلى الموقع الجغرافي، بما يعيد تعريف نطاق الحماية ويوسع دائرة الاستثناء. ومع تكرار هذا المنطق، لا يعود المكان مجرد مسرح للعمليات العسكرية، بل يتحول إلى أداة لممارسة السلطة وإدارة المجال ومن يوجد داخله، وقد يكتسب ما يقدم بوصفه تدبيرًا استثنائيًا تفرضه ظروف النزاع صفة أكثر استدامة، يصعب فصلها عن الحسابات السياسية اللاحقة. عند هذه النقطة، لا تبقى السيطرة على المكان مسألة عسكرية خالصة، لأن القدرة على رسم النطاق وفرض قواعد الحركة داخله، تمنح صاحبها موقعًا متقدمًا في تشكيل الواقع، الذي ستتعامل معه السياسة لاحقًا، فتغدو الأفضلية الميدانية موردًا سياسيًا يمكن استثماره عند الانتقال من المواجهة إلى المساومة.
وعندما يبدأ المسار السياسي، لا تدخل الأطراف المفاوضات من نقطة محايدة، بل تحمل معها ما راكمته المواجهة من مكاسب وخسائر ووقائع جديدة، وما تحقق بالقوة لا يختفي بمجرد فتح قنوات الحوار، وإنما يصبح جزءًا من البيئة التي تتحرك داخلها المساومات، وتسعى الأطراف إلى تثبيته أو تعديله أو مقايضته. وفي هذا السياق، يتمتع الطرف الأقوى بهامش أوسع في تحديد ما يمكن الاحتفاظ به، وما يمكن التراجع عنه، وما يمكن تحويله إلى مقابل للحصول على مكاسب أخرى. وهكذا، لا تقاس فاعلية القوة بما تحققه أثناء المواجهة وحدها، بل كذلك بقدرتها على تحسين الموقع السياسي عند بدء المساومة. ومن هذه الزاوية، قد تجد العملية التفاوضية نفسها منشغلة بإعادة توزيع ما أفرزه الصراع، بدل أن تكون بالضرورة مساحة مفتوحة لإعادة النظر في الأسس التي أنتجت تلك الوقائع.
ومع ذلك، لا يعني حضور أثر القوة في المفاوضات أن الحسابات العسكرية تنفرد بتحديد مآلات التسوية، فإلى جانب الوقائع التي أفرزتها المواجهة، يتشكل لدى الأطراف المتضررة رصيد سياسي وقانوني يستند إلى توثيق الخسائر والانتهاكات وبلورة المطالب، ويمكن البناء عليه للدفاع عن مصالحها في أي ترتيب لاحق. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الرصيد تتوقف على إمكانية ترجمته إلى قدرة على التأثير، إذ تفصل مسافة واضحة بين إثبات الضرر وامتلاك الأدوات اللازمة، لإدخاله في حسابات الأطراف وصياغة الاتفاق. وهنا يكتسب الإسناد السياسي والدبلوماسي أهميته، ليس بوصفه بديلًا عن صوت المتضرر، وإنما كوسيلة لتعزيز حضوره، ومنع اختزال تجربته في مجرد سجل للخسائر، فتوثيق ما جرى يحفظ رواية الصراع وحقوق أطرافه، لكنه لا يكفي وحده لضمان حضور تلك الحقوق عند تقرير شكل النهاية، إذ قد يمتلك المتضرر القدرة على تفسير ما حدث، من دون أن يمتلك القدر ذاته من النفوذ في تقرير ما سيأتي بعده.
وفي المحصلة، صندوق القتل يكشف عن إشكالية سياسية أوسع من مدلولها العسكري المباشر، تتعلق بمصير الإجراءات الاستثنائية بعد زوال الظروف التي أنتجتها. فالسؤال لم يعد مقتصرًا على كيفية إدارة المجال أثناء المواجهة، وإنما يمتد إلى ما إذا كانت الترتيبات التي نشأت تحت ضغط الضرورة العسكرية ستنتهي بانتهائها، أم ستترسخ تدريجيًا بوصفها أمرًا واقعًا وتصبح جزءًا من بنية ما بعد النزاع. فالاختبار الأكثر تعقيدًا لأي تسوية يكمن في قدرتها على التمييز بين ما فرضته ضرورات الحرب وما يمكن أن يشكل أساسًا لسلام، بما يحول دون انتقال الاستثناء المؤقت من ظرف تفرضه المواجهة إلى قاعدة دائمة تكتسب، مع مرور الوقت، شرعية سياسية أو سندًا قانونيًا.
لم تعد السيطرة على المواقع الإستراتيجية تعني بالضرورة القدرة على تأمينها أو ضمان حرية استخدامها، كما أن التأثير فيها لم يعد يتطلب إخضاعها المباشر، ويعكس هذا التحول بروز ثنائية السيطرة والإنكار بوصفها مدخلاً لفهم العلاقة...
تطرح المواجهة الأمريكية الإيرانية مفارقة سياسية واستراتيجية، فعلى الرغم من تصاعد تكاليفها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وعجز الطرفين عن تحقيق حسم يترجم إلى مكاسب استراتيجية واضحة، فإن فرص التوصل إلى تسوية لا تزال محدودة. فالنزاعات لا...
تختزل مقولة شهيرة في الأدبيات العسكرية، مفادها أن الشيء الوحيد الأسوأ من القتال مع الحلفاء هو القتال من دونهم، إحدى المفارقات الأساسية في الاستراتيجية العسكرية، فالتفوق العسكري مهما بلغ حجمه لا يعفي الدول من أعباء...
يمثل خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أمام مجلس الشورى محطة سياسية ومؤسسية مهمة في مسار صنع القرار في دولة قطر، إذ لا تقتصر أهميته على تحديد الأولويات...
يجسد المأزق الإستراتيجي إحدى المفارقات الجوهرية في العلاقات بين الدول، إذ قد تقود السياسات التي تتبناها دولة لتعزيز أمنها إلى ردود فعل مضادة تفضي إلى بيئة أكثر توترًا وأقل استقرارًا، ولا تكمن المعضلة في محدودية...
في لحظات التحول والاضطراب، تزداد حاجة الدول إلى إعادة تحديد موقعها وأدوارها في نظام دولي تتغير فيه موازين القوة وتتسع فيه دوائر عدم اليقين، وتصبح المحافل الدولية إحدى المساحات التي تعبّر من خلالها عن رؤيتها،...
بين تراجع الاستقرار واحتمال المواجهة، تتشكل مرحلة هي الأكثر حساسية في مسار الأزمات الدولية، لحظة تتصاعد فيها حدة التوتر، وتترقب العواصم التحركات، فيما يظل قرار المواجهة مؤجلًا. تمثل هذه المساحة الفاصلة المرحلة الواقعة بين الاستقرار...
ليست كل المفاوضات بحاجة إلى طاولة تجمع أطرافها، كما أن غياب الإعلان الرسمي عنها لا يعني بالضرورة توقف قنوات التفاهم والتفاوض، ففي بعض الأزمات، قد تصل الدول إلى مرحلة تصبح فيها حاجتها إلى الحوار أكبر...
يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة...
نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...
تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...
الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...