الدوحة - شوقي مهدي
لم تكن إطلالة 2016 جيدة لمنتجي النفط في العالم، ليس بهبوط أسعار النفط حتى 30 دولارا فحسب، بل أكثر من ذلك حيث كشفت دراسة حديثة نشرتها شركة ديلويت للتدقيق والاستشارات حصلت لوسيل على نسخة منها، شملت أكثر من 500 شركة متداولة عاملة في قطاع النفط والغاز الطبيعي حول العالم أن 175 شركة تقريبا تواجه خطر الإفلاس بنهاية العام الجاري . وذلك بسبب هبوط أسعار النفط ونقص السيولة الناتج عن انهيار أسعار النفط وأزمات الديون التي تحيق بهذه الشركات.
وأغلب هذه الشركات هي التي تعمل في مجال إنتاج النفط الصخري ذي الكلفة العالية مقارنة بإنتاج النفط من الآبار التقليدية. ويبدو أن صناعة النفط التي لطالما كانت مصدر نمو كثير من الاقتصاديات في العالم تواجه أزمة من نوع خاص، فالدراسة تشير إلى أن 35% من شركات الإنتاج والتنقيب، نحو 175 شركة تعاني من قروض تقدر بأكثر من 150 مليار دولار تثقل كاهل ميزانيتها العمومية، معرضة لخطر الانزلاق في الإفلاس بنهاية 2016.
وكانت أسعار النفط قد تهاوت من 115 دولارا في منتصف عام 2014 إلى حوالي 30 دولارًا للبرميل، بسبب تخمة المعروض وتباطؤ نمو الطلب على الخام.
والتحذيرات التي أطلقتها (ديلويت) شملت أيضاً 160 شركة أخرى تعاني من تدفقات نقدية مقيدة. ويقول جون انغلاند، نائب الرئيس بشركة (ديلويت) لقطاع شركات النفط والغاز الأمريكية إن 2016 سيكون عام القرارات الصعبة. سوف نرى إفلاس شركات الإنتاج والتنقيب بمعدلات تفوق مستويات الكساد الكبير في الوقت الذي تكافح الشركات للبقاء . إن الوصول إلى أسواق رأس المال ودعم المصرفيين، التي مهدت الطريق لصناعة النفط الصخري في 2015 هي أسرع طريقة للفوز. كما أن أزمة الرأسمالية التي تلوح في الأفق تشير إلى أن 2016 ستكون سنة بخيارات مالية صعبة لهذه الصناعة.
الأوبك، القوى الناعمة تكسب
الأزمة أظهرت القوة الناعمة المؤثرة لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بشكل عام، ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص. الأمر الذي جعل أنظار العالم تتوجه صوب الدوحة لمعرفة كيف ستكون مخرجات اجتماع الأربعة الكبار (السعودية وروسيا وقطر وفنزويلا) من منتجي النفط في العالم.
واختارت (أوبك) أن تقف في وجه شركات النفط الصخري التي ساهمت في إغراق العالم. هذه المواجهة ستكون لها خسائرها على المدى القصير إلا أنها ستعيد السيطرة لدول الخليج على سوق النفط العالمي على المدى الطويل.
كما أن الأوبك لا تستطيع أن تلعب دور المنتج المرن الذي مارسته في الثمانينات، ففي ذلك الوقت كانت حصتها بالسوق حوالي 60%، أما الآن تراجعت هذه النسبة، بالتالي لا تستطيع دول الأوبك خفض إنتاجها حالياً.
وسط هذه التقلبات فإن الوضع غير مستقر لحوالي 50 شركة من 175 من الشركات المهددة بالإفلاس في سوق النفط حيث انخفض سعر السهم في بعضها لأقل من 5 دولارات. مما يزيد احتمالية أن تنزلق هذه الشركات في الإفلاس في 2016 بنسبة عالية جداً.
التقرير وضع سيناريوهات لإفلات هذه الشركات من الإفلاس وهو أن تتعافى أسعار النفط بشكل حاد، وتقوم بتحويل جزء كبير من ديونها إلى أسهم. أو أن يضخم كبار المستثمرين السيولة في هذه الشركات.
والواقع يقول إن كلا المقترحين يواجه صعوبات عدة. هذه الشركات التي تعاني ضغطاً مالياً هي أكثر قابلية للدين من أي وقت مضي، وعودة للربعين الأخيرين من 2014، فمن المتوقع أن تشهد هذه الشركات ضعفا في تدفقاتها النقدية. والبنك الفدرالي الأمريكي أيضاً قام بالضغط على القروض البنكية لشركات النفط والغاز، وذلك بعد الزيادة في الاحتياطات غير المستغلة لكثير من شركات النفط والغاز الأمريكية. كما أن الأصول ضعفت لأكثر من 135 مليار دولار.
مؤسسة (ستاندرد أن بورز) أيضاً أشارت إلى أن 16 شركة عجزت عن سداد ديونها فيما تعاني 8 شركات من تراجع كبير في تصنيفها الائتماني (بعبارة أخرى أيضأ أوشكت على الإفلاس في أقل من عام).
مهددات صمود صناعة النفط الصخري
الأرقام تشير إلى أن تكلفة استخراج النفط الصخري تتراوح ما بين 60 إلى 70 دولارا للبرميل، وهنالك بعض الحقول تنخفض فيها التكلفة حتى 40 دولارا للبرميل. وبالمقابل فإن تكلفة استخراج برميل النفط من الآبار التقليدية تصل في أعلى تقديراتها إلى 25 دولاراً. وبالتالي فإن هذه الصناعة (النفط الصخري) هي الحلقة الأضعف في هذه الأزمة.
والتشاؤم لم يصل مداه بعد، فحتى بعد 18 شهراً من انخفاض أسعار النفط، فإن أكثر المتفائلين لا يتوقع أن يحدث انتعاشاً في الأسعار أو حدوث تغييرات كبيرة في معنويات السوق قبل نهاية 2016. إن أكثر من عامين من الأسعار المنخفضة يطرح تساؤلات مثل بأن هنالك أزمة رأسمالية تلوح في الأفق، وتقلب في التدفقات النقدية يوحي بأن 2016 ستكون فترة صعبة بخيارات مالية محدودة لهذه الصناعة، ومن المحتمل أن يكون له تأثير كبير على الإمدادات في المستقبل.
ويتوقع الخبراء أن تشهد نشاطات حفر آبار النفط الصخري في أمريكا انخفاضاً كبيراً. لأن الشركات تعتمد فى نشاطها بشكل أساسي على التمويل الذي يكون عبر الاستدانة أو الاقتراض المباشر من البنوك أو إصدار السندات. وقد بدأت حرب على صغار المنتجين من قبل الشركات الكبرى، حيث تتنافس على الاستحواذ على أكبر حصة من السوق في هذا القطاع وبالفعل قامت شركات كبيرة بشراء شركات صغيرة بعد إفلاسها بسبب هبوط الأسعار.
إن آبار النفط الصخري في أمريكا وكندا بدأت تفقد جدواها الاقتصادية ولم يبق أمامها إلا التوفق أو التشغيل بالخسارة هذا ما يقوله الخبراء.
كيف تضبط هذه الشركات ميزانياتها؟
خيارات الإفلات من الإفلاس تبدو ضئيلة خاصة وأن الضغط كبير من قبل منتجي النفط من الآبار التقليدية. ولكن تبقى الفرصة في النجاة في المدى المتوسط هي توقعات نمو احتياج العالم للبترول عام 2020 بحوالي 100 مليون برميل في اليوم بزيادة 15 مليون برميل عن الإنتاج الحالي (85 مليون برميل في اليوم) الأمر الذي قد ينعش سوق النفط من جديد.
ووفقاً لدراسة (ديلويت) فإن إجراءات الإنفاق غير الرأسمالي ساعدت شركات التنقيب والإنتاج المتوسطة بدعم إنفاقها الرأسمالي. وخفض اللاعبون في قطاع التنقيب والإنتاج الأمريكيين كلفة الإنتاج (نفقات تشغيل قليلة وضرائب إنتاج) تحديداً في بداية 2015. كما تدخل شركات التنقيب والإنتاج في جميع أنحاء العالم عام 2016 بخيار واحد لتخفيض أرباحهم المنخفضة بالفعل. إضافة إلى ذلك قامت العديد من الشركات بتسريح أعداد كبيرة من العمالة وطرحت بعض أسهمها للاكتتاب العام من أجل توفير السيولة، وتدرس إمكانية بيع أصولها بأقل الأسعار. وإزالة الأرباح وإعادة شراء الأسهم، ومع ذلك توفير غطاء للنفقات الرأسمالية بأقل من 20% من الربع الثالث من 2015.
