بطول 400 متر وعرض 59 متراً وبحمولة تزيد عن 219 ألف طن، جنحت السفينة أيفر جيفن العملاقة في قناة السويس منذ الثلاثاء الماضي 23 مارس وأوقفت حركة الملاحة في أهم الممرات البحرية في العالم. هكذا فجأة وبسبب تدني الرؤية الناتجة عن سوء الأحوال الجوية (وفقاً للرواية الرسمية) أصبحت إمدادات الطاقة والسلع الإستراتيجية حول العالم تواجه مخاطر نقص الإمداد بطريقة غير محسوبة التكلفة علي الأقل حتى الآن.
وألقت أزمة سفينة الحاويات (إيفر جيفن) بظلالها علي الملاحة البحرية في المنطقة، حيث تسببت في أطول إغلاق عرضي علي الإطلاق لقناة السويس التي هي الرابط التجاري الحيوي بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. هذا الوضع أثر بشكل مباشر علي سوق الطاقة العالمي حيث شاهدنا تكدس سفن النفط والغاز الطبيعي المسال التي كان من المفترض أن تشق طريقها من الموردين إلي المستهلكين في الأسواق الأوروبية واسيا.
وحسب وكالة بلومبيرغ إرتفعت أسعار الغاز الطبيعي، وقد تتأثر سلاسل الإمداد الغذائي في حال إستمرار إنسداد القناة. وأدى احتمال استمرار اغلاق القناة لمدة أسبوع لإرتفاع في أسعار الغاز الطبيعي الاوروبي حيث تواجه الشحنات المحملة بالوقود تأخيرات في التسليم وقفز على إثرها مؤشر الغاز القياسي في هولندا والمملكة المتحدة للشهر المقبل.
وقال مارك ما، مالك شركة (سيبي) للشحن الدولية ومقرها الصين والذي لديها حوالي 30 حاوية تنتظر العبور في القناة: إذا لم تستأنف حركة المرور في غضون أسبوع فسيكون الأمر مروعاً .
وحسب اقتصاديين فإن إنسداد القناة يضيف ضغطاً إضافيا لسلاسل التوريد حول العالم والتي كلفت بالفعل أكثر من 200 مليار دولار منذ بداية العام، وفقاً لحسابات Allianz فإن كل أسبوع تظل فيه قناة السويس مغلقة تضيف ما يصل إلي 10 مليارات دولار لتكلفة التوريد العالمي مما يجعل الأسعار عرضة للإرتفاع نتيجة لذلك.
إنسداد قناة السويس يلقي بظلالة علي سلسلة إمدادات الغذاء العالمية، وحسب بلومبيرغ قد يؤدي ذلك لمحدودية توافر الغذاء وتأخير الإمدادات وارتفاع في الأسعار في وقت تكافح فيه اقتصادات العالم والأسر بالفعل جراء تضخم أسعار المواد الغذائية والإضطرابات الناتجة عن إنتشار فيروس كورونا.
ويرى مدير أبحاث المخاطر في معهد (تشاتام هاوس) البريطاني تيم بينتون، إذا التأخير لمدة شهر أو أكثر فإن ذلك سيضع ضغطاً كبيراً على الأسعار ويقلل من توافر الغذاء في بعض الأماكن وأضاف يتعرض نظام الغذاء العالمي بالفعل لضغوط جراء كوفيد-19
ورغم ذلك يرى محللون فإن النفط الخام العالي لن يتأثر كثيراً بهذا الإغلاق المؤقت وذلك بسبب الوفرة في مخزونات النفط العالمي التي تراكمت أثناء الوباء والتي ما زالت بالفعل أعلي بكثير من المستويات العادية. فعلى سبيل المثال فإن مستويات النفط الخام الأوروبي أعلي بحوالي 5% من مستويات العام السابق، فيما إرتفع إجمالي حجم المنتجات المكررة المخزنة بحوالي 37 مليون برميل أي بنسبة نمو 5.6 % وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
تشير صور الأقمار الصناعية أن السفينة جنحت بنحو 50 متراً في الأرض وحسب الخبراء فإن تعويم السفينة (وهو مصطلح بحري يعني جعل السفينة تسبح في الماء) قد يستغرق أيام أو أسابيع، ومن المتوقع أن ترتفع تكلفة تحويل مسار السفن عبر جنوب إفريقيا إلي 400 ألف دولار في اليوم.
وأظهرت مواقع رصد السفن تكدس السفن علي طرفي القناة في إنتظار الانتهاء من الأزمة، ومنذ توقف الملاحة بعد جنوح السفينة تكدست حوالي 238 سفينة عند طرفي القناة. من بينها 91 سفينة نقل متعددة الأغراض و84 سفينة حاويات و32 سفينة منتجات بترولية وكيماويات و22 ناقلة نفط وخام و7 سفن غاز مسال و 3 سفن نقل مواشي حية وغيرها من السفن التي تتكدس عند طرفي القناة في إنتظار تعويم السفينة.
ووفقاً لبيانات بلومبيرغ بلغ عدد السفن المتكدسة في إنتظار فتح القناة حوالي 238 سفينة حتي يوم أمس الجمعة مقارنة بحوالي 186 سفينة يوم الأربعاء الماضي وحوالي 100 سفينة منذ بداية الإنسداد. وبالمقابل أخذت عدة سفن في المحيط الهندي منعطفاً بعد أن كانت متجهة في البداية نحو قناة السويس حيث قامت بتغيير مسارها.
وقفزت أسعار الشحن بنسبة 20% لناقلات المنتجات النفطية الكبيرة التي تسافر من البحر الأبيض المتوسط وتفاعل السوق مع حالة عدم اليقين بشأن الفترة الزمنية التي يمكن يستمر عليها الزحام في قناة السويس.
ورغم إنه من الصعب معرفة تكلفة الازدحام المروري للسفن في قناة السويس إلا أن أسعار الشحن إرتفعت بشكل صاروخي حيث وصلت تكلفة شحن حاوية 40 قدماً من الصين إلي أوروبا حوالي 8 الاف دولار، أي ما يقارب 4 أضعاف السعر قبل عام، وتحصل سفن (سويز ماكس) التي تحمل عادة مليون برميل من النفط الان علي حوالي 17 ألف دولار في اليوم وهو أكبر رقم منذ يونيو 2020 وفقاً لمعلومات بلومبيرغ .
مشهد طابور السفن المتكدسة عند طرفي القناة يعيد للأذهان مشهداً غير بعيد خلال الشهر الماضي عندما تكدست سفن الغاز الطبيعي المسال في طريقها للعبور من خلال قناة بنما جنوب الولايات المتحدة حيث اصفطت السفن في انتظار إذن العبور للقناة بسبب تغيير في سياسات العبور للقناة الأمر الذي ألقي بظلاله علي سوق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وبشكل خاص للسوق الفوري، بالتالي فإن هذه الحادثة تطرح السؤال الكبير حول أمن الممرات والمضايق البحرية العالمية، وإلي درجة يجب أن يقلق العالم من مثل الحوادث.
الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل مباشر علي هذه الممرات والمضايق البحرية في نقل التجارة العالمية والسلع الإستراتيجية بين دول العالم. فبالإضافة لهذا النوع من الحوادث مثل ما يحدث حالياً في قناة السويس أو تلك التي حدثت في مضيق بنما، نجد أن التهديدات والمخاطر التي تحيط بالمضايق والمررات المائية تتعدد وتنوع عبر العالم ما بين محاولات قوي إقليمية ودولية لفرض هيمنتها علي مناطق ونطاقات بحرية واسعة، والتهديدات من بعض الدول الشرق الأوسطية لتهديد الممرات الملاحية الحيوية علي مسرح عمليات الإقليم.
وفقاً لمعلومات الطاقة الأمريكية تسيطر الممرات المائية علي 61% من إنتاج العالم من البترول والسوائل النفطية الأخري بما يعادل حوالي 58.9 مليون برميل في اليوم تمر عبر 7 ممرات مائية حول العالم من بينها مضيق هرمز ومضيق مالاقا ومضيق باب المندب ومضيق البسفور والدرنيل وقناة بنما ومضيق جبل طارق إضافة إلى قناة السويس.
أجبر إغلاق قناة السويس بسبب جنوح السفينة خلال اليومين الماضيين موردي الغاز الطبيعي المسال على تغيير مسار رحلات ناقلات الغاز الطبيعي المسال إلى الممر المائي جنوب القارة الافريقية عبر رأس الرجاء الصالح وهي رحلة قد تستغرق وقتاً أطول ولكن رغم ذلك يضطر الموردون لأخذ مسارات بديلة نظراً أن الخيار الآخر هو الإنتظار الذي قد يستغرق وقتاً أطول نظراً لمعدلات إستئجار السفن الحالية.
ووفقاً لإحصاءات بلومبيرغ فإن ذهاب الشحنات إلي الهند ستضيف حوالي 10 أيام إضافية في رحلة الذهاب والإياب أي بحوالي 820 ألف دولار وهذا بدوره يقلل نسبة الأرباح بحوالي 5% وفقاً لحسابات بلومبيرغ القائمة علي أسعار الإيجار والوقود. ومع ذلك يمكن إلغاء جزء كبير من هذه التكاليف من خلال عدم اضطرار المورد لدفع رسوم عبور قناة السويس.
ووفقاً للبيانات حتي مساء أمس فان 7 ناقلات من الغاز الطبيعي المسال حولت مسارها بعيداً عن قناة السويس بعد تعليق حركة الملاحة إثر جنوح السفينة (إيفر جيفن)، وهناك حوالي 3 ناقلات يجري تحويلها حول رأس الرجاء الصالح عبر جنوب افريقيا متخذة مساراً طويلاً في الوصول إلي وجهاتها، منها حوالي 4 ناقلات غاز مسال تحمل شحنات من قطر والولايات المتحدة بينما لا تحمل البقية أي شحنات.
وحالياً من المتوقع أن تتأثر حوالي 16 سفينة غاز طبيعي مسال بإغلاق قناة السويس مما يلقي بظلاله علي المستوردين في القارة الأوروبية وذلك في حال إستمرار الازدحام بقناة السويس خلال اليومين المقبلين.
وبالمقابل يري محللون بأنه في حال استمر التوقف لمدة أسبوعين مقبلين فقد يتأجل تسليم نحو 1 مليون طن من الغاز المسال إلي أوروبا.
ووفقاً لشبكة بلومبيرغ فإن تكلفة رسوم مرور سفينة الغاز الطبيعي المسال متوسطة الحجم حوالي مليون دولار لرحلة الذهاب والإياب.
ويرى الخبراء إنه علي مصدري الغاز الطبيعي المسال إيجاد طرق بديلة لتوصيل الشحنات للعملاء والوفاء بالإلتزامات التعاقدية في ظل إستمرار الجهود المبذولة لتعويم السفينة.
ومن المتوقع أن يؤدي تحويل مسارات السفن عبر رأس الرجاء الصالح إلى تأخير في تسليم الشحنات بحوالي 20 يوماً إضافية في رحلة الذهاب والإياب للناقلة. ويضع الموردون في حسبانهم عوامل مهمة مثل وهو معدل التبخر في ناقلات الغاز المسال حيت يتبخر ما يصل إلي حوالي 0.15% في المتوسط من ناقلات الغاز الطبيعي المسال يومياً لغالبية الأسطول العالمي. وهذا يعني أنه بالنسبة لرحلة مدتها 60 يوماً يمكن أن يتبحر حوالي 9% من الشحنة الأصلية.
أزمة جنوح السفينة عند قناة السويس لا تتوقف فقط عند تجارة النفط والغاز العالمية، بل سيكون لها أثر مباشر علي حركة التجارة العالمية، علماً بأن حوالي 30% من سعة سفن الحاويات العالمية عبر قناة السويس، بالتالي فإن كل ساعة تتأخر فيها عمليات إنقاذ أهم الممرات البحرية في العالم سيؤثر ذلك بالطبع علي التجارة العالمية.
وبالأرقام وحسب إحصاءات هيئة قناة السويس للعام الماضي 2020 عبرت حوالي 19 ألف سفينة بحمولة صافية تبلغ 1.17 مليار طن قناة السويس بمتوسط 51.5 سفينة في اليوم. أي بما يعادل 4710 سفن حاويات مرت خلال 2020 غم انخفاض الطلب على البضائع، نتيجة لإجراءات الإغلاق والحظر الذي فرضته معظم دول العالم في مواجهة تداعيات فيروس كورونا.
إقتصادياً سيؤثر ذلك علي عائدات مصر من قناة السويس والتي تدر علي الاقتصاد المصري حوالي 5.61 مليار دولار في العام الماضي 2020 علي خزينة الدولة مقارنة بحوالي 5.8 مليارات في 2019.
تظهر بيانات تتبع السفن التي رصدتها وكالة بلومبيرغ ونقلتها لوسيل ان التدفقات المباشرة لخام الخليج في الغالب من المملكة العربية السعودية والعراق والكويت إلي كل من أوروبا وكندا قد بلغ متوسط أعلي بقليل عن 460 ألف برميل يومياً منذ تنفيذ خض الإنتاج في مايو الماضي.
هذه الدول لديها بدائل لقناة السويس أيضاً اذا رغبت في إستخدامها حيث تملك كل من قطر ومصر والإمارات خط أنابيب مشترك (خط أنابيب سوميد) والذي يمكنه ضخ حوالي 2.5 مليون برميل من النفط يومياً من البحر الأحمر إلي البحر الأبيض المتوسط عبر مصر. ولكن التدفقات عبر هذا الخط تباطأت إلي حد كبير منذ أن دخل إتفاق (أوبك+) حيز التنفيذ وحالياً الفرصة متاحة الآن لعمل الخط بطاقته القصوي بما يساهم في تخفيف الإختناق الذي يمكن أن يحدث في قناة السويس حتي بعد تعويم السفينة.
22 فبراير ميناء كاوهسيونج تايوان
1 مارس وصلت ميناء شنغهاي الصيني
7 مارس وصلت ميناء يانتيان الصيني
12 مارس وصلت ميناء الحاويات العالمي تاتجونج بيليباس الماليزي
23 مارس وصلت قناة السويس ومازالت جانحة منذ 3 أيام
قالت شركة ايفرغرين مارين كورب لوكالة فرانس برس إن سفينة الحاويات جنحت بالخطأ بعدما ضربتها رياح على الأرجح . وأضافت أن الشركة تجري مباحثات مع الاطراف المعنية ومن بينها السلطة التي تدير القناة لمساعدة السفينة في أسرع وقت ممكن . وبالمقابل فسر أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس جنوح الناقلة بأنه نتيجة لإنعدام الرؤية الناتجة عن سوء الأحوال الجوية، ونظراً لمرور البلاد بعاصفة ترابية، حيث بلغت سرعة الرياح 40 عقدة مما أدى لفقدان القدرة علي توجيه السفينة.