18 مليار ريال تكلفة الأمراض غير السارية في قطر..

الخيمة الخضراء تدعو لتحويل الإنفاق الصحي إلى استثمار منتج

لوسيل

استعرضت الجلسة الثانية لـ الخيمة الخضراء، في نسختها العشرين التي ينظمها برنامج لكل ربيع زهرة العلاقة التكاملية بين الاستثمار في الرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية المستدامة.
أكد ضيوف الجلسة من المحاضرين على أن الصحة الجيدة تمثل رأس مال بشري استراتيجيًا يرفع الإنتاجية، يقلل التكاليف العلاجية طويلة الأمد، يحمي الميزانيات الوطنية من عبء الأمراض المزمنة والأوبئة، ويعزز ثقة المستثمرين وتدفق رؤوس الأموال. وشددوا على أن التحول نحو استراتيجيات الوقاية ليس مجرد إجراء صحي، بل استثمار اقتصادي ذكي يوفر مليارات الريالات ويبني اقتصادًا أكثر مرونة واستدامة.
وقد افتتح الدكتور سيف الحجري - منسق الخيمة الخضراء ومقدم الندوة - الجلسة بتأكيد أن الصحة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وقال: العلاقة بين الصحة والرعاية الصحية وما يُقدَّم من برامج وخدمات، علاقتها بالتنمية الاقتصادية علاقة متبادلة عميقة. والدول التي تهتم بصحة مواطنيها تبني قوة عاملة منتجة ومستقرة، بينما الأمراض والأوبئة تُكبِّد الاقتصاد خسائر مباشرة وغير مباشرة.و لذلك نركز اليوم على محاور رئيسية: تأثير الصحة على الإنتاجية، تكلفة الأمراض المزمنة والأوبئة، وضرورة التحول نحو استراتيجيات الوقاية كأولوية اقتصادية وإنسانية.
وأشار الدكتور سيف إلى أن الوقاية ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي الأقل كلفة من الناحية المالية والنفسية والاجتماعية، مؤكدًا أن درهم وقاية خير من قنطار علاج مقولة تُترجم إلى واقع اقتصادي ملموس في دول الخليج والعالم.
وأضاف الدكتور محمد هاشم -خبير في التنمية المستدامة والصحة العامة - بعد ذلك رؤية استراتيجية أوسع، قائلًا: الاستثمار في الصحة العامة ليس إنفاقًا اجتماعيًا فحسب، بل هو استثمار في رأس المال البشري الذي يُعد أغلى موارد أي دولة. عندما نُقلل من عبء الأمراض غير السارية كالسكري وأمراض القلب والضغط فإننا نُطيل متوسط العمر الإنتاجي، ونُقلل الإعاقات المبكرة، ونُحرِّر موارد ضخمة كانت ستُصرف على العلاج والمضاعفات. كما أن الاستقرار الصحي يُعزز ثقة المستثمرين الأجانب ويُسرِّع تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة في ظل المنافسة العالمية على الموارد البشرية الماهرة.
وأكد الدكتور هاشم أن الدول التي نجحت في خفض معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة بنسب كبيرة (مثل بعض دول شرق آسيا) شهدت طفرة اقتصادية ملحوظة في العقود التالية، داعيًا إلى دمج مؤشرات الصحة العامة ضمن أهداف التنمية الوطنية كمؤشر أداء رئيسي.
وربطت الدكتورة أمل درويش - من مصر- بين الرعاية الصحية والإنتاجية التعليمية والاجتماعية، واشارت إلى أن الأوبئة سواء التاريخية كالطاعون أو الحديثة ككوفيد-19 تُسبب انهيارًا في سلاسل الإنتاج، ارتفاع البطالة، خللًا في التعليم، واضطرابات سياسية، ودعت إلى تأمين صحي شامل وفحوصات دورية في مواقع العمل.
وقدم الدكتور أحمد عبد الرحمن السيوطي - الجمعية القطرية للسكري- أرقامًا دقيقة عن قطر، موضحًا أن الأمراض غير السارية تستهلك نحو 18 مليار ريال سنويًا، وأن مرض السكري وحده قد يستنزف 30% من الميزانية الصحية مستقبلًا (حوالي 6 مليارات ريال)، بالإضافة إلى خسائر غير مرئية كالغياب عن العمل والعجز والوفيات المبكرة.
وشدد الدكتور محمد الأمين بن ناصر - من الجزائر- على ضرورة الفحص الدوري للعمال المعرضين للمواد الكيميائية الضارة، معتبرًا أن الكشف المبكر يُقلل الإعاقات ويُطيل عمر المشاركة الفعالة في سوق العمل.
وقال السيد إدريس بن بابا بحمد الكراري- من سلطنة عمان، طبيب شريعة إسلامية وإمام- فقد أضاف بعدًا قيميًا وأخلاقيًا، مؤكدًا أن حفظ النفس والصحة من مقاصد الشريعة، وأن الإسراف في الطعام والإهمال في الرياضة والوقاية يتعارض مع تعاليم الدين التي تحث على العدل في الجسد والمال.
الخلاصة التي خرجت بها الندوة ، هي أن التحول نحو نمط حياة وقائي (تطعيمات، فحص مبكر، تغذية متوازنة، رياضة، مكافحة التدخين) ليس رفاهية، بل استراتيجية اقتصادية ذكية تحمي الميزانيات الوطنية، تُعزز الإنتاجية، تُقلل الفقر الصحي، وتجذب الاستثمارات.
ودعا المشاركون إلى جعل الاستثمار في الصحة العامة أولوية وطنية طويلة الأمد، تُقاس نتائجها بمؤشرات الإنتاجية والرفاه وجودة الحياة وليس بالإنفاق العلاجي فقط.
وتستمر فعاليات الخيمة الخضراء طوال شهر رمضان المبارك لرفع الوعي المجتمعي بقضايا الصحة والبيئة والتنمية المستدامة.