اعتبر د. عمر فاروق إبراهيم عضو المجلس التنفيذي بمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، وممثل نيجيريا ومستشار وزير الطاقة النيجيري، الاتفاق الذي توصلت له دول أوبك وخارج أوبك هو اتفاق تاريخي يصب في مصلحة استقرار أسعار النفط بعد أن بدأت في التراجع منذ عامين.
وتوصلت أوبك في اجتماعها أول أمس بفيينا إلى اتفاق مع 12 دولة منتجة للنفط من خارج المنظمة، ينص على خفض هذه الدول لإنتاجها بنحو 558 ألف برميل يوميا، على أن تتحمل روسيا الجزء الأكبر من الخفض بنحو 53.7% من الإجمالي وهو ما يعادل 300 ألف برميل يوميا.
وجاء هذا الاتفاق ليدعم الاتفاق السابق الذي توصل إليه أعضاء منظمة أوبك خلال شهر نوفمبر الماضي والقاضي بخفض إنتاج النفط إلى نحو 1.2 مليون برميل يوميا، ومن المتوقع أن يلتزم المنتجون بتقليص الإنتاج الى نحو 1.8 مليون برميل يوميا، وذلك بهدف إعادة التوازن إلى السوق وتعديل الأسعار.
حماية الصناعة
وأكد سعادة الدكتور محمد بن صالح السادة، وزير الطاقة والصناعة الرئيس الحالي لمؤتمر منظمة أوبك، أنها لحظة تاريخية، أن هذا القرار التاريخي يصب في مصلحة جميع الأطراف المعنية بصناعة النفط، بل وفي صالح الاقتصاد العالمي بأسره، حيث من المؤكد أنه سيعيد التوازن إلى سوق النفط التي عانت من عدم الاستقرار طوال أكثر من عامين.
وقال الدكتور عمر فاروق إبراهيم في تصريح خاص لـ لوسيل الذي يشغل منصب (محافظ نيجيريا) بالمنظمة: إن الاتفاق يعتبر محاولة لحماية صناعة النفط في الوقت الحالي والمستقبل بالسماح للمستثمرين بضمان استمرار تدفق الاستثمارات في هذه الصناعة مستقبلاً، وأشار إبراهيم إلى أنه إذا لم يحدث هذا الاتفاق فإن الأسعار ستواصل الانخفاض بالتالي لن تكون هناك استثمارات جديدة في هذه الصناعة، وعندما يأتي الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على النفط فلن يكون هناك إمداد كافٍ في سوق النفط.
وأوضح إبراهيم أن الاتفاق الجديد ما بين أوبك وخارجها يخفض نحو 1.7 مليون برميل في اليوم في الوقت الذي يحتاج فيه السوق لنحو 1.8 مليون برميل حتى يستقر السوق وما زال الجميع يعملون على ذلك لتحقيق الاستقرار لهذه الصناعة.
وقال عضو المجلس التنفيذي إن الاتفاق سيعود بالفائدة على الجميع، مشيراً إلى أن اتفاق أمس الأول سبقه الاتفاق الكبير والتاريخي أيضاً لأوبك بخفضها إنتاجها بنحو 1.2 مليون برميل في اليوم.
ونحن في أوبك نرى أنه لسنا المنتجين الوحيدين للنفط في العالم بل هناك منتجون آخرون بالتالي إذا لم ينضم إلينا الآخرون في هذا الاتفاق فمهما فعلنا لن نساعد استقرار الصناعة.
وتوقع دكتور إبراهيم أن تبقى أسعار النفط مستقرة في حدها المعقول بسبب هذا الاتفاق التاريخي وأن تكون الأسعار مناسبة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء.
وشدد إبراهيم على أن الاتفاق سيساهم في ضمان تدفق الاستثمارات في القطاع النفطي خاصة أن القطاع شهد خسائر بالمليارات في العام الماضي بالتالي كان لابد من إجراءات جادة لمعالجة هذه الأزمة.
اجتماع النوايا الحسنة
من جانبه قال الخبير في شؤون الطاقة الكويتي كامل الحرمي، لـ لوسيل : إن اتفاق الدول المصدرة للنفط أوبك والدول خارج أوبك يعد اتفاقاً تاريخياً فيما أسماه بـ(اجتماع التوافق والنية الحسنة) لأن الكل تضافر من أجل خفض الإنتاج والجميع يريد مرونة والاستفادة من الأسعار القادمة.
وبين الحرمي أن الجميع تضرر من انخفاض أسعار النفط والكل يريد أن يساهم في ارتفاع أسعار النفط من جديد، وأضاف أنه لولا اتفاق أوبك الأخير بخفض نحو 1.2 مليون برميل من إنتاج النفط لما توصل المنتجون من اوبك وخارجها أمس الأول لهذا الاتفاق.
كما اعتبر الخبير الكويتي أن الاتفاق الروسي السعودي ومن ثم اتفاق دول مجلس التعاون الخليجي التي رأت أن الأفضل للنفط إما تثبيت أو خفض الإنتاج هو ما أدى إلى الالتزام والتفاعل.
ويواصل الحرمي بأن كلا من السعودية وروسيا وجدتا أرضية مشتركة للتفاهم حول مستقبل سعر البرميل، وثم قامتا بالدعوة لاجتماع أوبك الذي تعثر في فبراير بسبب تعنت جميع الأطراف حتى اعتقدوا أنه من الصعب الوصول لاتفاق، ولكن هذا التفاهم كان بداية طريق لاجتماع الجزائر بالرغم من الخلافات السياسية والتعنت من بعض الأطراف.
وأوضح الحرمي أن الدول من خارج الأوبك تأثرت كثيراً من انخفاض الأسعار وفاض بهم وكما يقولون (أنا فاض بي ومليت) على حد قوله.
وقال إن هذا الاتفاق سيكون ساري المفعول من بداية العام المقبل ولمدة 6 أشهر، وتوقع أن يكون هناك استقرار في سعر البرميل لأن الكل تضرر والكل عرف قيمة نفسه، مبيناً أن الكل فائز من هذا الاتفاق. واستعادت السعودية دورها في أن تكون المنتج المرجح.
واستبعد الحرمي دخول النفط الصخري أو أي نفط غير تقليدي للمنافسة في السوق كنتيجة لهذا الاتفاق، وذلك بسبب الكلفة العالية للنفط الصخري والوقت غير مناسب لدخولها السوق مرة أخرى.
ورجح الحرمي أن تبقى الأسعار ما بين 55 إلى 60 دولاراً مشدداً على أن أوبك عليها تضمين إطار سعري تتعامل وفقه وهو ما بين 55 إلى 60 دولاراً لمؤشر برنت حتى تحافظ على تنافسية واستقرار السوق.
دفعة إيجابية
وفي تعليقه على هذا الاتفاق قال جاسم الشيراوي لـ لوسيل ، إن هذا الاتفاق يعطي دفعة إيجابية للأسعار، مشددا على أنه في حال تفعيله من جميع الأطراف فإنه ينعكس إيجابا على مستوى العرض والطلب واستقرار الأسواق، موضحا أن مسألة الالتزام من قبل جميع الأطراف بالاتفاق تبقى محل شك خاصة أن التوصل لهذا الاتفاق استغرق شهورا عديدة من المحادثات والمفاوضات .
وتابع قائلا: كما أننا تاريخيا لم نشهد إيفاء دول عظمى مثل روسيا بأي وعود تتعلق بخفض مستويات إنتاجها من النفط، ومنظمة أوبك لن تتمكن بوضعها الحالي الضعيف من ممارسة أي ضغوط على البلدان غير الأعضاء في المنظمه لإرغامها على الالتزام بحصص الإنتاج كونها لا تملك أي سلطة رقابية أو نفوذ عليها .
وأشار الشيراوي إلى أن العديد من الدول لديها التزامات مختلفة وتمر بأوضاع اقتصادية صعبة للغاية وهي في حاجة إلى إيراداتها النفطية لخدمة التزاماتها، مضيفا: كما أن الأشهر القادمة تعتبر فترة هامة بالنسبة لمنتجي الطاقة وذلك لارتفاع الطلب على منتجاتهم بها .
أما من حيث الأسعار ومستوياتها خلال الفترة القادمة قال الشيراوي إن ذلك سيعتمد كليا على مدى التزام الأطراف بالاتفاقية والتي في حال ما تم تطبيقها فعليا قد تحدث تراجعا فعليا بمستويات المعروض بالأسواق ليضعها في نطاق سعري يدور حول مستوى 60 دولارا للبرميل وهو ما سيعيد نشاط اللاعبين الصغار بالأسواق النفطية من جديد، وخلص الشيراوي الى وجود تحديين هما الالتزام بالسقف الانتاجي وسلوكيات منتجي الزيت الصخري بأمريكا من حيث التكلفة والأسعار.
ومن جهته قال د. محمد العسومي لـ لوسيل إن هذا الاتفاق هو الأول بعد خمسة عشر عاما، حيث تمكنت منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك من تحقيق اتفاق تاريخي لمحاولاتها المستمرة لإعادة الاستقرار لأسعار النفط وتثبيتها عند معدلات مقبولة للمنتجين والمستهلكين، فبعد اتفاق أعضائها باجتماعهم الدوري بتاريخ 30 نوفمبر الماضي والقاضي بتخفيض الإنتاج بمقدار 1.2 مليون برميل يوميا، تمكنت الأوبك يوم السبت المنصرم باجتماع فيينا من إقناع المنتجين من خارج المنظمة بتخفيض الإنتاج بمقدار 558 ألف برميل يوميا.
وأوضح د. العسومي: إذا كان اتفاق أعضاء الأوبك قد ساهم في قفزة كبيرة لأسعار النفط ليصل سعر البرميل إلى 55 دولارا في غضون جلستي تداول فقط، فإن انضمام المنتجين من خارج المنظمة، وبالأخص روسيا التي ستخفض إنتاجها بمقدار 300 ألف برميل يوميا سيشكل دعما كبيرا للأسعار والتي قد تصل بها الى 60 دولارا للبرميل، وهو سعر سيخفف من الأعباء والضغوط المالية على موازنات الدول المصدرة للنفط، وتابع قائلا: ومع أن هذا السعر سيؤدي الى زيادة المعروض من النفط الصخري على المدى المتوسط، إلا أنه سيساهم في كل الأحوال في امتصاص جزء من الفائض في السوق وسيعزز من قدرة الأوبك على استقرار ومراقبة السوق لاتخاذ إجراءات إضافية لدعم الأسعار والحد من المضاربات التي ستزداد وستؤدي إلى تقلبات ستشهدها أسواق النفط في الفترة القادمة .
دعم الموازنات المالية
وقال د. العسومي إن الأوضاع المالية والموازنات السنوية في البلدان النفطية ستتلقى دعما إضافيا من خلال زيادة العائدات، وبالتالي تنشيط الأوضاع الاقتصادية وتقليص العجز بالموازنات وإعادة العمل ببعض المشاريع التي أجِّلَت بعد تدهور الأسعار، مما سيترك آثارا إيجابية على الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، وذلك بشرط التزام البلدان المنتجة من داخل وخارج الأوبك بحصص الانتاج والعمل بالتخفيضات التي التزمت بها، وهو ما سيشكل ضمانة للوصول إلى أسعار عادلة لبرميل النفط.
أما الخبير الاقتصادي الإماراتي نائل الجوابرة فقال لـ لوسيل إن هذا الاتفاق يدعم الاتفاق الحاصل في آخر شهر نوفمبر الماضي، واصفا إياه بالاتفاق المعجزة، مشددا على أن خفض الإنتاج سيعيد الاستقرار إلى الأسواق العالمية، مضيفا: سيدعم الاتفاق العوائد المالية للدول المنتجة للنفط وخاصة دول الخليج التي تأقلمت في الفترة الماضية مع تراجع الأسعار من خلال جملة من القرارات.