تتسم صناعة الغاز الطبيعي المسال بكونها باهظة التكاليف، ويعتبر الغاز الطبيعي المسال الذي يوصف بكونه وقود شديد البرودة من مصادر الطاقة التي تحتاج لقرارات استثمارية ضخمة وبتكلفة عالية.
ويعتبر تنفيذ المشاريع الإستثمارية في هذا النوع من الإستثمارات يتطلب قراءة دقيقة للأسواق المستهدفة واحتياجاتها في ضوء توقعات نمو الطلب العالمي علي الغاز، وذلك لأن صناعة الغاز الطبيعي المسال عالية التكاليف بشكل عام، ولذلك نجد أن العديد من المشاريع المعلقة في هذه الصناعة حول العالم دون إتخاذ قرار حاسم بشأن تنفيذ الإستثمار أم لا، وهنا نجد أن المنتجين المرنين مثل قطر يلعبون دوراً مهماً في تحديد دخول لاعبين آخرين في هذه الساحة من رفع سقف التنافس عالياً.
واذا نظرنا لمشاريع الغاز الطبيعي المسال في 2020 و 2021، نجد أن فيروس كورونا كان له تأثير بالغ على ميزانيات شركات النفط والغاز العالمية حيث أعلنت العديد من الشركات تخفيض ميزانياتها الرأسمالية والتشغيلية في 2020، وأدى ذلك بطبيعية الحال لتوجيه ضربة قوية للاستثمار في مشاريع الغاز الطبيعي المسال، لتكون 2020 الأسوأ منذ 5 سنوات بسبب تأجيل الاستثمار في 20 مشروعاً مقترحاً من بينها 14 مشروعاً تم وضعها في قائمة انتظار قرار الاستثمار النهائي خلال 2021.
ويعتبر قرار الاستثمار النهائي لقطر للبترول في الربع الأول من 2021، هو الأول في هذا المجال والأكبر، حيث أعلنت قرار الاستثمار النهائي لزيادة الانتاج بالقطاع الشرقي لحقل الشمال بطاقة 33 مليون طن سنوياً.
ويأتي هذا القرار النهائي ضمن خطط قطر للبترول لرفع طاقة قطر الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنوياً اليوم إلى 110 ملايين طن سنوياً في العام 2025 وإلى 126 مليون طن سنوياً في العام 2027 وذلك لضمان إمداد موثوق به لطاقة نظيفة إضافية للعالم في الوقت الذي تكون فيه الاستثمارات مطلوبة لتلبية هذه المتطلبات.
وبذلك تكون قطر رفعت سقف التنافسية لمرحلة آخري وذلك لكونها تتميز بأنها المنتج المرن وصاحب التكلفة الإنتاجية المنخفضة مما يجعل التنافس معها مغامرة غير محسوبة المخاطر.
وبالطبع فإن زيادة إنتاج قطر من الغاز يساهم في زيادة عدد إسطولها الذي يعد الأكبر في العالم لنقل الغاز الطبيعي المسال. ووقعت قطر للبترول اتفاقيات لحجز سعة لبناء حوالي 100 سفينة جديدة مع شركات كورية في صفقة تقدر قيمتها بحوالي 70 مليار ريال وذلك لتلبية احتياجات خطط التوسع في انتاج الغاز المسال بحقل الشمال.
تعتبر مرحلة الإسالة (تحويل الغاز إلى سوائل) قلب صناعة الغاز الطبيعي المسال، والمرحلة الأعلى في التكلفة مقارنة بباقي المراحل الاخرى. وفيها يخضع الغاز الي مجموعة من العمليات بهدف تحويله الى غاز طبيعي. في الحالة السائلة عند 162 درجة مئوية، حيث يخضع أولاً لمعالجة أولية تشمل التخلص من الغازات الحامضية، كما تشمل محطة الإسالة وحدات لازالة الزئبق الذي يتسبب في تأكل الآلمونيوم الذي تصنع منه المبادلات الحرارية المستخدمة في تبريد وإسالة الغاز.
تعتبر مرحلة النقل حلقة الوصل بين البلد المصدرة والمستوردة للغاز الطبيعي المسال، وقد تطورت ناقلات الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير خاصة من حيث الحمولة وانظمة الدفع المستخدمة.
وفي هذا المجال نجد أن اسطول الناقلات القطرية هو الأحدث والأكبر عالمياً ويضم ناقلات من طراز كيو-فيلكس Q-flex التي تصل حمولتها إلي 217 الف متر مكعب، بينما تصل حمولة الناقلات من طراز كيوماكس إلي 266 الف متر مكعب.
وفي الوقت الذي وصل فيه الاسطول العالمي لأكثر من 642 سفينة وفقاً لاحصاءات 2020 تملك قطر حوالي 74 سفينة إجمالي اسطولها الحالي قبل التوسعة خلال السنوات المقبلة.
وساهمت هذه الناقلات في نمو السوق الفوري للغاز الطبيعي المسال خلال السنوات الماضية في ظل زيادة الطلب العالمي للغاز الطبيعي المسال وفي ظل تشجيع الدول لاستخدام طاقة نظيفة وأقل انبعاثا.
ويتوقع خبراء في صناعة الغاز الطبيعي المسال إستمرار نمو السوق الفوري للغاز الطبيعي المسال خلال السنوات القليلة المقبلة. ووفقاً لتقارير دولية في صناعة الغاز فإن السوق الفوري للغاز الطبيعي المسال أو ما يعرف Spot Market سجل نمواً واضحاً منذ 2016 بسبب الحاجة للقدرة الانتاجية المرنة عالمياً.
وأصبحت عملية إعادة التبخير التي تحدث للغاز الطبيعي المسال مؤخراً تتم داخل وحدات التخزين العائمة أو ما يعرف FSRU، وتبدأ عملية إعادة التبخير عند وصول ناقلة الغاز الطبيعي إلي مرفأ الاستقبال في البلد المستورد وتقوم أذرع التفريغ بتفريغ الحمولة لتخزينها بمستودعات التخزين داخل المرفأ. ومن ثم يتم ضخه بعد ذلك لأجهزة التبخير التي تقوم بتحويله إلي غاز طبيعي عبر التسخين باستخدام طرق مختلفة وبعدها يتم ضخه للشبكة المحلية حتي يصل بدوره للمستهلك النهائي.
وخلال السنوات الاخيرة وبفضل استخدام التكنولوجيا الحديثة، اصبحت وحدات التخزين العائمة تستخدم هذه التكنولوجيا لتصبح هي أيضاً وحدات إعادة تسييل بإضافة منظومة تبخير علي ظهر الناقلة ومنها يتم ضخ الغاز الطبيعي مباشرة إلي المستهلكين في السوق المستوردة للغاز، وعالمياً يوجد حوالي 43 مرفأ عائما تنتشر في عدد كبير من الأسواق الصغيرة والمتوسطة خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
بقراءة بسيطة فإن التكاليف الأولية للاستثمار في سلسلة القيمة المضافة للغاز الطبيعي المسال في مراحلها الأربعة وهي الاستخراج، والإسالة، والنقل إعادة تبخير الغاز لمشروع بطاقة 5 ملايين طن سنوياً يمكن أن تصل فيه هذه الإستثمارات الإجمالية المطلوبة لحوالي 7.5 مليار دولار، وفقا لتقديرات منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوبك) في تقريرها حول دور الغاز الطبيعي في مواجهة الطلب العالمي للطاقة.
ووفقا لهذه التقديرات يبلغ متوسط التكلفة نحو 400 دولار للطن بما يعادل 2 مليار دولار وتمثل تكلفة الاستثمارات حوالي 27٪ من إجمالي الاستثمارات اللازمة. بينما تبلغ التكلفة الاستثمارية لإنشاء محطة لإسالة الغاز لحوالي 3.75 مليار دولار لتشكل بذلك القسم الأعظم من إجمالي الاستثمارات بحوالي أكثر من 50٪.
أما الاستثمار في عملية نقل الغاز الطبيعي المسال من خلال الناقلات يحتاج إلي حوالي 15٪ من التكلفة الإستثمارية للمشروع بحوالي 1.1 مليار دولار ويبلغ متوسط تكلفة الناقلة الواحدة حوالي 220 مليون دولار، أما محطة الاستقبال فتصل تكلفتها الاستثمارية حوالي 600 مليون دولار بما يعادل 8٪ من إجمالي التكلفة الإستثمارية وتعد المرحلة الأقل في هذه الصناعة.
ويقدر الخبراء في هذه الصناعة أن متوسط العائد من الاستثمار في صناعة الغاز الطبيعي المسال بحوالي 15 - 20٪ بمرحلة الاستخراج و8 -12٪ في مرحلة الإسالة و8-10٪ في مرحلتي النقل والإستقبال.