يعتبر نشر الوعي بالمبادئ والمفاهيم الأساسية في المجال المالي والمصرفي، وتمكين المواطن من إدارة مدخراته وممتلكاته الشخصية واستثمارها بالشكل الأمثل، من أبرز السبل التي تمكِّن الإنسان من الاقتصاد في العيش.
وبات ضروريا نشر الثقافة المالية في المجتمع من خلال الدروس والمناهج التي تُدرس للطلاب، بهدف التعريف بالخدمات والأدوات المالية التي تقدمها البنوك والمؤسسات المالية، بما يسهم في زيادة فرص الأفراد والشركات في الوصول إلى الخدمات المالية واستعمالها بشكل أوسع وتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي والاجتماعي.
يرى خبراء أن نشر الثقافة المالية لدى طلاب المدارس يسهم في تعريفهم بكيفية إعداد ميزانية ذاتية واتخاذ قرارات مالية مناسبة على المستوى الشخصي، بالإضافة إلى إدراك دور الاقتصاد في المجتمع، واستخدام مهارات ريادة الأعمال لتعزيز الإنتاجية في مكان العمل والخيارات الوظيفية.
ترشيد الإنفاق
قال الخبير الاقتصادي، الدكتور يسري عبد الرحمن: إن تعاطي المناهج المدرسية مع قضية الثقافة المالية يجب أن تكون مبنيا على أسلوب محاكاة الحياة الطبيعية خارج أسوار المدرسة وعدم الاكتفاء بتعليم الطلاب عملية الحساب بالأسلوب التقليدي فقط، مشيرا إلى أن تدريس عملية الحاسب للطلبة بطريقة تحاكي الحياة العملية تكون راسخة في عقلية الطالب، ويمكن أن يستخدمها خلال حياته الطبيعية.
وأوضح عبد الرحمن أن كثيرا من الدول تعمل على زرع الثقافة المالية لدى طلاب المدارس، لتعليمهم كيفية ترشيد الإنفاق بوضع ميزانية مصغرة على الرغم من قلة الإيراد وهو المصروف، إلا أن تلك المبادئ الاقتصادية تبقى راسخة في ذهن الطالب لما بعد تخرجه من المدرسة والجامعة.
وأشار إلى أن نشر الوعي الاقتصادي لا يقتصر فقط على المدارس والجامعات، وإنما يتعدى ذلك إلى وسائل الإعلام بمختلف أشكالها والتي يجب أن تسلط الضوء بشكل مباشر على مبادئ الاقتصاد، ليتكون لدى أفراد المجتمع فكر اقتصادي ينعكس على طريقة عيشهم وحياتهم.
وقال إن الإسلام تطرق إلى الثقافة المالية في كثير من النصوص الدينية، إلا أن المساجد تتجاهل تلك المبادئ ولا تتحدث عنها، مبينا أن الإسلام بين أن الإنسان سيسأل عن الأموال كيف اكتسبها وفيم أنفقها في دليل واضح على ضرورة معرفة أساليب اقتصاد العيش.
السلوكيات الإيجابية في الثقافة المالية
بدورها أكدت ريما أبو خديجة، مديرة إدارة التوجيه التربوي في وزارة التعليم والتعليم العالي، أن الوزارة تعي أهمية نشر ثقافة التعاملات المالية السليمة لدى النشء باعتبارهم مستثمرين متوقعين في النشاط الاقتصادي عامة، مشيرة إلى أن المهمة الرئيسية ترتكز على تحويل قواعد التعاملات المالية الصحيحة والسلوكيات الإيجابية في الثقافة المالية إلى موادّ تفاعلية في الصف الدراسي، بهدف تأسيس جيل واعٍ مالياً وتهيئته للتفاعل الإيجابي مع المجتمع في شؤون التعاملات المالية.
وقالت إن توعية الطلاب بكلّ ما يتعلق بالتعاملات المالية في الحياة اليومية، وتعليمهم مبادئ إدارة الأموال واستثمارها وآليات الادخار، وتعريفهم بالجهات ذات العلاقة بالتعاملات المالية ودور كل جهة في ذلك يتمثل في دروس مُعدة في مناهج الرياضيات، إلى جانب بعض دروس اللغة العربية والدراسات الإسلامية والعلوم الاجتماعية، مشيرة إلى أن الوزارة تعتزم دمج بعض المهارات الحياتية والعقلية بشكل تكاملي في المناهج الدراسية، خاصة مناهج المرحلة الثانوية، في مراجعاتها للإطار العام للمنهج، لما لهذه المهارات من أهمية كبيرة في سد الفجوة بين مهارات الطلاب واحتياجات سوق العمل.
وبينت أن أهم المهارات التي سيتم دمجها في المناهج تتعلق بالوعي المالي والاقتصادي وريادة الأعمال، وخاصة ما يتعلق بالتعرف على كيفية إعداد ميزانية ذاتية وكيفية اتخاذ قرارات مالية مناسبة على المستوى الشخصي، وإدراك دور الاقتصاد في المجتمع، واستخدام مهارات ريادة الأعمال لتعزيز الإنتاجية في مكان العمل والخيارات الوظيفية، إلى جانب ذلك يتم تدريس مادة ريادة الأعمال كمادة اختيارية في بعض المدارس الثانوية.
وحول إمكانية ربط بعض الدروس في مناهج الأدب بقصص لها علاقة بالثقافة المالية، قالت أبو خديجة: بالطبع يمكن استخدام الأدب في تدريس قصص لها علاقة بالثقافة المالية مما يضفي عليها طابعا دراميا شيقا، وتحتوي مناهج اللغة العربية على بعض هذه الدروس مثل درس الادخار .
تعاون مع المركزي
وحول التعاون المشترك بين مصرف قطر المركزي ووزارة التعليم والتعليم العالي أشارت إلى افتتاح مدرسة قطر للعلوم المصرفية وإدارة الأعمال المستقلة للبنات رسميا هذا العام، دعما لمسيرة بدأت من قبل بافتتاح مدرسة قطر للعلوم المصرفية وإدارة الأعمال المستقلة للبنين.
وأضافت أن مدرسة قطر للعلوم المصرفية وإدارة الأعمال لها رسالة هادفة ودور أساسي، حيث تقوم بإعداد الكادر المؤهل للعمل في المؤسسات المالية في الدولة.
وحظيت المدرسة بكامل الدعم والمساندة من كافة القطاعات المالية في الدولة، سواء البنوك أو شركات الخدمات المالية والبورصة وغيرها من أجل توفير فرص التدريب والتأهيل على أعلى المستويات وفي مختلف المجالات الخاصة بالصيرفة والصيرفة الإسلامية والمحاسبة وكافة الأمور ذات الصلة بالعمل المصرفي.
وأوضحت أن مصرف قطر المركزي بوصفه الجهة العليا المختصة يعنى بوضع وتنفيذ السياسات المتعلقة بالتنظيم والرقابة والإشراف على جميع الخدمات المالية في الدولة، ويعمل على الارتقاء بهذه المدرسة وتقديم الرعاية الكاملة لها لكي تؤدي رسالتها وتقوم بدورها على أكمل وجه.
وأشارت إلى أن مدرسة قطر للعلوم المصرفية تعد ثمرة من ثمرات تعاون وزارة التعليم والتعليم العالي مع مؤسسات الدولة المختلفة، متوقعة أن يكون لتأسيس هذه المدرسة مردود طيب على الاقتصاد القطري عبر تخريج كوادر متخصصة في العمل المصرفي والقطاع المالي، مشيدة بالجهود التي بذلت من أجل تأسيس هذه المدرسة.
برامج خاصة بالثقافة المالية
مديرة إدارة التوجيه التربوي أوضحت أنه يتم حاليا الاعتماد على تنفيذ بعض البرامج الخاصة بالثقافة المالية في شكل مشاريع في عدة مدارس، بالتعاون مع بعض الجهات من القطاع الخاص مثل شركة شل قطر وشركة إنجاز ومركز بداية بالإضافة إلى المجلس الثقافي البريطاني، وتعتمد التربية بالمشاريع على اهتمامات الطلاب، وتأخذ بعداً حياتياً ووظيفياً، ويحفّزِ المشروع الطلاب بشكل دائم ومتواصل، ويقوم على التضامن داخل المجتمع المدرسي وبينه وبين مؤسسات المجتمع المحلي.
وتعلّمِ المشاريع الطلاب المفاوضة والمحاججة والتخطيط والتنفيذ وفقًا لمعايير جودة معينة، وهذا يستلزم تقويماً تكوينياً متواصلاً وتوظيفاً للعديد من المهارات المعرفية والانفعالية والاجتماعية وتطويرًا للحس بالمسؤولية تجاه الذات والآخرين.
رفع الوعي الاقتصادي للطلاب
وأكد سعادة الشيخ عبد الله بن سعود آل ثاني، محافظ مصرف قطر المركزي، خلال ندوة نظمتها وزارة التعليم والتعليم العالي بعنوان رفع الوعي الاقتصادي للطلاب ، الأسبوع الماضي، أن هناك صلة قوية بين الاقتصاد والتعليم اللذين يشكلان ركيزة أساسية في تقدم واستقرار الأمم، مشددا على أنه صار لزاماً على كل قطاعات المجتمع الإلمام بالمتغيرات الاقتصادية وانعكاساتها على الحياة الاجتماعية وتأثيرها على المستقبل.
وأوضح أن قطر كانت رائدة وسباقة في هذا المجال وقد تم التأكيد على تلك الشراكة بين وزارة التعليم والتعليم العالي ومصرف قطر المركزي بافتتاح مدرسة قطر للعلوم المصرفية وإدارة الأعمال للبنين في عام 2010، والتي تعتبر نموذجاً ناجحاً وواقعاً ملموساً للتكامل بين الاقتصاد والتعليم والتي خرجت كوادر مالية ومصرفية مؤهلة وشكلت إضافة حقيقية في سوق العمل المالي والمصرفي، مشيرا إلى أن ذلك كان حافزاً ودافعاً قوياً لنقل التجربة والاستفادة منها في مجال تعليم البنات.
وأكد أن التعليم المصرفي والمتمثل في مدرستي قطر للعلوم المصرفية وإدارة الأعمال للبنين والبنات، قد أصبح من القطاعات التعليمية الرائدة في الدولة من حيث جودة المناهج التجارية والأكاديمية ومستويات الأداء والأساليب التربوية الحديثة والإدارة.