تمثل مخلفات البناء والهدم الحصة الأكبر من إجمالي مصادر النفايات المنتجة لعام 2014 باستحواذها على نحو 71% منه، وفقاً لآخر الإحصاءات المعلنة من جانب وزارة التخطيط التنموي والإحصاء.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى ارتفاع تلك النسبة إلى 77% بنهاية العام الماضي، في ضوء تزايد أعداد المشروعات الإنشائية التي تشهدها الدولة. واستقبلت مرافق إدارة معالجة النفايات من مكبات ومطامر تابعة لوزارة البلدية والبيئة، نحو 33.4 مليون طن من المخلفات الإنشائية خلال الخمسة أعوام الماضية، بحسب تقارير رسمية حديثة صادرة عن الوزارة حصلت لوسيل على نسخة منها.
وتتولى شركات قطاع خاص لا تتوافر إحصاءات رسمية بشأنها، عملية تجميع مخلفات الهدم والبناء ونقلها إلى مكبي روضة راشد، وأم ثنيتين، التابعين للوزارة. وبحسب إدارة النفايات، بلغ إجمالي ما تم التخلص منه يومياً من نفايات إنشائية داخل مكب روضة راشد خلال الفترة من ديسمبر 2015 إلى سبتمبر 2016، 9047 طنا في اليوم.
فيما استقبل مكب أم ثنيتين منذ افتتاحه في يونيو 2016 إلى سبتمبر الماضي نحو 8452 طنا يومياً.
وخصصت البلدية والبيئة مكب أم ثنيتين الواقع شمالي قطر، لاستقبال مخلفات الهدم والبناء كبديل لنظيره في روضة راشد الذي تعمل الدولة على إخلائه بشكل تدريجي.
الخاص يعزُف.. والحكومة تتدخل
يرى خبراء أن الاستثمارات الحالية في هذا القطاع لا تزال ضعيفة مقارنة بحجم النفايات الموجودة والمنتجة في الدولة.
ويرجع مراقبون عزوف القطاع الخاص القطري عن دخول هذا القطاع إلى غياب الإجراءات التحفيزية من جانب الدولة، وتخوف رجال الأعمال من دخول هذا المجال إما لعدم امتلاكهم الخبرات اللازمة، أو لارتفاع الكلفة ونسبة المخاطرة.
يقول مختصون إن استمرار هذا العزوف مع تزايد حاجة الدولة إلى هذه المنتجات، يمنح الحكومة دافعاً قوياً لدخول هذا المجال عبر شركاتها الرسمية، لتحقيق أهدافها والتصدي للمشكلات البيئية الناجمة عن عدم التخلص أو معالجة تلك المخلفات.
المهندس جاسم عبد الله المالكي، عضو المجلس البلدي المركزي، يرى أن نجاح عملية تدوير المخلفات يعتمد على عنصر أساسي يتمثل في قيام الدولة بالاستثمار في هذا المجال أولاً على أن يأتي دور القطاع الخاص مسانداً ومكملاً لها. يضيف المالكي، الذي ترأس سابقاً لجنة الخدمات والمرافق العامة في المجلس البلدي: يجب أن تبدأ الحكومة في عملية تدوير تلك النفايات على أن تنقل هذه المسؤولية تدريجياً إلى القطاع الخاص وسط استمرار دعمها له، لأن الأخير لن يحقق النجاح المطلوب إذا لم تسانده الحكومة .
وفي منتصف أكتوبر الماضي وقعت شركة قطر للمواد الأوليّة (تأسست في 2006 بناء على تعليمات من الحكومة القطرية)، ومركز أبحاث النقل البريطاني تي آر إل ، اتفاقية تهدف لإقامة مشروع إعادة تدوير مخلفات الهدم والبناء لإنتاج مواد صالحة للاستعمال في مشاريع سكنية وطرق وبنية تحتية.
المهندس عيسى الحمادي، الرئيس التنفيذي للشركة التي تهدف لضمان توفير إمدادات مواد البناء في السوق المحلية، قال لـ لوسيل : إن المشروع سيسهم في تقليل الاعتماد على استيراد بعض أنواع مواد البناء الأولية عن طريق توفير مواد جديدة معادة التدوير، تؤثر إيجاباً على أسعار المواد في السوق. وتستثمر المواد الأولية من 40 إلى 50 مليون ريال في هذا المشروع الذي سيتم تنفيذه في الربع الأول من 2017، وفقاً لـ الحمادي .
وبدأت مشاورات تلك الاتفاقية قبل عام من الآن، فيما يعكف كل من الطرفين في الوقت الحالي على اختيار مقاول محلي أو أجنبي يمتلك القدرات الكفيلة بتحقيق أهداف المشروع، الذي ستحتضنه منطقة روضة راشد، وفقاً لمصادر مطلعة في وزارة البلدية والبيئة.
السوق يستوعب المزيد
يستهدف المشروع إنتاج 5 ملايين طن من الأحجار والمواد التي تستخدم في مشروعات الطرق والخرسانة وأعمال الدفان، بحسب الدكتور خالد حسن، المدير الإقليمي لـ تي آر إل في قطر.
يقول حسن، لـ لوسيل إن دولة قطر تواجه تحديات كبيرة في توفير المواد المستخدمة في المشروعات التي تنفذها نتيجة عدم احتوائها على مصادر طبيعية للأحجار، لذا تلجأ إلى استيرادها من الخارج بمتوسط سنوي يبلغ 20 مليون طن، على حد زعمه. وتنفذ قطر مشاريع للبنية التحتية تقدر تكلفتها بما يصل إلى 200 مليار دولار، في إطار استعدادها لاستضافة بطولة كأس العالم 2022. واستوردت الدولة خلال النصف الأول من عام 2016، نحو 16 مليون طن من الحصى والحجارة المجروشة التي تستخدم في الخرسانة ورصف الطرق، تناهز قيمتها الـ 800 مليون ريال، وفقاً لوزارة التخطيط التنموي والإحصاء.
وبحسب الدراسات التي أجراها تي أر إل بالتعاون مع عدة جهات في الدولة أبرزها وزارة البلدية والبيئة وهيئة الأشغال العامة وجامعة قطر، تنتج قطر سنوياً من 10 إلى 12 مليون طن من النفايات الصلبة 80% منها مخلفات إنشائية، فيما تستحوذ المنزلية على النسبة المتبقية، كما يوضح حسن. الدكتور محمد سيف الكواري، مدير إدارة الدراسات البيئية والبلدية في وزارة البلدية والبيئة، يقول لـ لوسيل : إن تلك الأبحاث شهدت إجراء اختبارات على أرض الواقع خلال الفترة من 2011 إلى 2015، قبل الانتهاء منها وصدور معايير ومواصفات قياسية وطنية تم اعتمادها خليجياً بشأن استخدام المواد المعاد تدويرها في أعمال الإنشاء.
الكواري الذي شارك في إعداد كتاب الأحجار المعاد تدويرها في إنشاءات قطر ، والذي دشنه وزير البلدية والبيئة أواخر مارس الماضي، يرى أن الدولة في حاجة إلى ضخ المزيد من الاستثمارات في مجال إعادة تدوير المخلفات الإنشائية لتخفيف الأعباء البيئية والاقتصادية الملقاة على عاتق الدولة. وهو الأمر الذي يؤيده حسن بقوله: كمية النفايات الموجودة في روضة راشد تكفي لسد حاجة قطر من الأحجار والمواد التي تحتاجها المشروعات لسنوات طويلة، وأعتقد أن السوق قادر على استيعاب أي استثمار يتم ضخه في هذا القطاع، وكلما كان العقد طويل المدة كلما زاد حجم الاستثمار .