120 مليار دولار تحويلات مغتربي "الشرق الأوسط" 2015

اقتصاديون: انخفاض النفط أثر سلبا على العمالة الوافدة

لوسيل

زيد أبو خروب

  • يوسف داود: تخفيض الإنفاق على بعض المشاريع انعكس على العمالة
  • الجولو: هيكلة العمالة تؤثر سلبا على النمو الاقتصادي

فرض التراجع الحاد في أسعار النفط الخام منذ منتصف عام 2014، على الدول المنتجة، والتي تعتمد بشكل أساسي على إيرادات البترول كمصدر رئيس للموارد المالية لموازناتها، اتخاذ سلسلة من الإجراءات التقشفية في عدد من المجالات الحيوية، لا سيما إعادة هيكلة قطاع العمالة الوافدة، وتقليص بعض الوظائف في القطاعين الحكومي والخاص، ضمن إطار ترشيد النفقات.
مختصون يرون أن تراجع أسعار النفط تسبب في خفض الإنفاق في العديد من مشروعات البنية التحتية في كثير من الدول المنتجة للنفط، حيث وجدت بعض الدول نفسها مضطرة لوقف عدد من المشروعات القائمة لتقليل النفقات في محاولة للسيطرة على عجز موازناتها، ما يعني التخلص من العمالة غير الضرورية في الإدارات الحكومية، بالإضافة إلى تقليصها لدى القطاع الخاص، المرتبط بحجم الإنفاق الحكومي.

تراجع أسعار الخام
وقال الدكتور يوسف داود، رئيس قسم اقتصاديات التنمية في معهد الدوحة للدراسات العليا، إنه من الطبيعي أن تشهد حركة العمالة الأجنبية تأثرا سلبيا، لما تواجهه دول الخليج من أوضاع اقتصادية صعبة نوعا ما، مع استمرار انخفاض أسعار النفط.
وأضاف لـ لوسيل أن ما نسبته 60% إلى 90% من الإيرادات الحكومية يتأتى بشكل مباشر أو غير مباشر من الإيرادات الهيدروكربونية، وأن هذه الإيرادات تتأثر بسعر النفط والغاز الطبيعي، وعندما تهبط هذه الأسعار فمن المتوقع أن تؤثر على الموازنة بشكل سلبي، وهذا بدوره يؤدي الى تخفيض الانفاق الحكومي على المشاريع الجديدة والمستمرة.
وتوقعت وكالة موديز في تقرير لها أن يبلغ متوسط سعر مزيج برنت في العام الحالي 53 دولارًا للبرميل، قبل أن ينتعش تدريجيًا ويبلغ نحو 60 دولارًا للبرميل عام 2017.
وقال المهندس أحمد الجولو رئيس جمعية المهندسين القطرية إن العمالة الوافدة في الخليج قد تواجه ضغوطا متزايدة مع استمرار احتمال انخفاض أسعار النفط، على المديين القصير والمتوسط، الذي دفع بعض البلدان الخليجية، لترشيد النفقات، وخفض العمالة وتراجع المشاريع. وتراجعت أسعار النفط الخام بنسبة 70% منذ منتصف عام 2014، هبوطاً من 120 دولاراً للبرميل، إلى أقل من 30 دولاراً في شهر يناير، بسبب تخمة المعروض ومحدودية الطلب.
وتشير إحصاءات البنك الدولي، أن العمالة الأجنبية في قطر، تشكل 91٪ من إجمالي السكان، تلتها الإمارات، بنسبة أجانب بلغت 89% من إجمالي سكانها، والكويت 72.1 %، والبحرين 54%، وسجل الأجانب في السعودية، وفقاً لتقرير البنك الدولي، الذي جاء بعنوان حقائق الهجرة والتحويلات 2016 ، نسبة 48% من إجمالي السكان، ثم سلطنة عمان بنسبة 24.5%.

تكلفة العمالة الوافدة
وقال المهندس أحمد الجولو، رئيس جمعية المهندسين القطرية، إن حجم التحويلات الكبيرة للعمالة الأجنبية، والمقدرة بأكثر من 100 مليار دولار سنويا، يعتبر أمرا مكلفا لاقتصادات الخليج، التي تعاني بسبب انخفاض اسعار النفط، وهو ما دفع بعض الدول إلى تقليص حجم العمالة الوافدة بما ينسجم مع حاجات تلك الدول.
وبحسب احصائيات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي يعيش أكثر من 17 مليون أجنبي في دول مجلس التعاون الخليجي، ويرتفع العدد الكلي إلى 23 مليوناً أو أكثر، بعد إضافة أفراد أسر العمالة الوافدة، أي قرابة نصف سكانها البالغ عددهم 48.8 مليون حيث تمثل العمالة الوافدة في دول الخليج النفطية، أكثر من 40% من الوظائف المتاحة في تلك الدول.

تأثيرات الأزمة
وأشار الجولو إلى مساهمة العمالة في تنفيذ الخطط التنموية في دول مجلس التعاون الخليجي، عبر العمل في مختلف الأنشطة؛ والقطاعات التي تلاقي عزوفا عند العمالة المحلية الخليجية كالبناء والتشييد، وبعض القطاعات الخدمية مثل العناية الشخصية، لافتا إلى استفادة شركات الطيران التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي من حركة المسافرين مع دول المصدر.
داود قال إن تخفيض عدد العاملين في الدول المنتجة للنفط كنتيجة لاعادة الهيكلة، له تأثيرات سلبية على النمو الاقتصادي، فتخفيض العمالة يعني تخفيض الانتاج ولا يكسر هذه الحلقة سوى انتعاش الاقتصاد إما بارتفاع اسعار النفط أو زيادة نفقات الحكومة وعجز الموازنة.
ولفت إلى أن صافي الهجرة لدولة قطر كان موجبا للعام 2015 وحتى اللحظة للعام 2016، بحسب إحصائيات مديرية الاقتصاد والشؤون الاجتماعيه للأمم المتحدة، وهذا يدل على أن هناك اعادة هيكلة في نوعية الوظائف واستمرار المشاريع الحكومية المزمع إنهاؤها قبل 2022، بالرغم من خسران عدد من الوظائف.
وقال سامر بسيسو، وهو أحد العاملين في القطاع الخاص، أن الثمن الذي سيدفعه المقيمون يحمل صورا كثيرة منها تحمل نفقات إضافية للارتفاع المتوقع في أسعار فواتير الكهرباء والمياه، وكذلك ارتفاع أسعار المنتجات البترولية، بالإضافة الى ارتفاع تكلفة الخدمات التي تقدمها الدولة، خاصة بعد إعلان مجلس الوزراء مؤخرا عن عزمه دراسة تكلفة هذه الخدمات.

تحويلات العاملين
تشير تقديرات البنك الدولي في تقريره الذي صدر مؤخرا، إلى أن قيمة التحويلات المالية إلى الدول النامية في العام الحالي 2016 ستصل إلى 516 مليار دولار، وهذا يعني بأن عدة دول في العالم كالهند والفلبين والصين وغيرها من الدول الآسيوية الأخرى تتسارع في عمليات تخطيط وبرمجة من أجل تدريب وتأهيل المزيد من أبنائها، ومن ثم إرسالهم إلى دول العالم للعمل في مواقع جديدة من أجل الحصول على المزيد من التحويلات المالية، الأمر الذي يمكّن تلك الدول من تشييد المزيد من المؤسسات وبناء وتنمية اقتصاداتها بصورة أفضل، مع توفير فرص العمل لأبنائها في كل التخصصات، بينما تعجز دول غنية في القيام بهذا العمل خاصة في منطقة الخليج التي تعتمد حتى اليوم على العمالة الأجنبية في تسيير وإدارة الكثير من الأعمال والتخصصات، وتواجه في نفس الوقت تحديات جديدة في إطار تراجع أسعار النفط العالمية.
وقال الجولو على الرغم مما تمثله العمالة الأجنبية من سلاح سياسي- اقتصادي في يد الخليج، إلا أنّ الحد الآخر لهذا السلاح هو التداعي السلبي له على الاحتياطي النقدي الخليجي الذي تستخدمه الآن دول الخليج لسد عجز موازناتها.

الناتج المحلي
الجولو أشار إلى أن العمالة الأجنبية تساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي من خلال دورها في عملية الإنتاج، فضلا عن زيادة الإنفاق على استهلاك السلع والخدمات علاوة على مساهمتها في زيادة نشاط الخدمات المصرفية من خلال عمليات التحويل، لافتا الى أن ارتفاع التحويلات له انعكاس واضح على الاقتصاد المحلي لتقليل معدلات الادخار وفرص الاستثمار والتأثير على ميزان المدفوعات وأرصدة الدولة من العملات الأجنبية.
وطبقا لبيانات البنك الدولي لعام 2013 فإن الهند تعد أكثر الدول عالميا باستقبال تلك التحويلات، نظرا إلى كثرة العمالة الهندية في معظم دول العالم إذ قدرت تلك المبالغ بحوالي 96.97 مليار دولار تليها الصين بحوالي 59.49 مليار دولار ثم الفلبين بحوالي 26.70 مليار دولار، وإن الدول المستقبلة للتحويلات تضيفها في رصيد مدخراتها ما يساهم في زيادة فرص تمويل الاستثمار الخاص بها على النقيض من الدول المرسلة لهذه التحويلات، إن تلك التحويلات ارتفعت خلال الأعوام الماضية جراء زيادة الحركة التجارية بين الدول.

أهمية التحويلات
وذهب الدكتور داود في ذات السياق قائلاً إن حجم التحويلات المالية من شأنها تعزيز التنمية الاقتصادية في الدول المستقبلة لها، فضلا عن مساهمتها في تقليص حدة الفقر وتقليل الفوارق في توزيع الدخل هناك بينما لها انعكاسات سلبية على اقتصادات الدول المرسلة للتحويلات إذ تؤثر على ميزان المدفوعات وأرصدة الدولة من العملات الأجنبية ما يعكس عجز الأسواق المصرفية والمالية المحلية عن استقطاب هذه الأموال واستثمارها.
ويرى خبراء الاقتصاد في البنك الدولي أن التحويلات المالية أصبحت مكونا رئيسيا من مكونات ميزان المدفوعات للكثير من البلدان النامية، وأن هذه التدفقات تساهم في تقليص معدلات الفقر وتعزز الرخاء والرفاهية في الكثير من دول العالم، إلا أن التقرير يوضح في الوقت ذاته بأن هناك مخاطر في تراجع تلك التحويلات في الأعوام المقبلة نتيجة لعودة المهاجرين إلى بلدانهم بسبب الصراع أو الترحيل من البلدان المضيفة. وربما هذا الأمر سوف يزيد من مشاكل تلك الدول فيما يتعلق بموضوع البطالة وزيادة الفقر.
ولفتوا أن هذه التحويلات تساهم في المقابل بانتعاش البلدان الأخرى ورفع مستوى معيشة مواطنيها، رغم أن تدويرها في الاقتصاد المحلي من خلال إيجاد فرص استثمارية جديدة يساهم في توسيع حجم الاستثمارات التي من شأنها خلق فرص عمل للعمالة الوطنية.
ورجح صندوق النقد الدولي أن يكون تأثير انخفاض أسعار النفط، محدودًا على تحويلات العاملين بدول مجلس التعاون الخليجي، نظرًا لتوقعه عدم تراجع نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي غير النفطي، إلا بصورة طفيفة ليبلغ نحو 3.8 % خلال السنة المالية 2015-2016، مقابل 5.9 % في السنة المالية 2013- 2014.

تحويلات 2015
وكشفت دراسة اقتصادية حديثة أن قيمة تحويلات المغتربين إلى الخارج في الشرق الأوسط بلغت أكثر من 120 مليار دولار في 2015.
وأشارت بحوث شركة (إكسبرس موني)، إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعتبر من أكبر مراكز تحويل الأموال إلى الخارج في العالم، وتنمو التحويلات فيها بسرعة، لاسيما تحويلات المواطنين العرب من دول مجلس التعاون الخليجي إلى دول عربية أخرى.
وعلى الرغم من أن العرب أصحاب الحصة الأكبر في قيمة التحويلات للخارج إلا أن بقية الجنسيات تميل إلى إرسال الأموال إلى موطنهم الأصلي أيضاً.