


عدد المقالات 101
«في حياة الأمم، كما في حياة الأفراد، فترات خاصة ترتفع فيها على نفسها، وتسمو فيها على مألوفها، فتأتي بالخوارق والمعجزات.. هذه الفترات الخاصة هي التي ترتفع فيها الجماعات، كما يرتفع فيها الأفراد، إلى ما هو أعلى من الحياة اليومية ومن المطالب العادية، وتتطلع إلى غايات عليا لا تتعلق بحياة فرد أو جيل.. ولا تقف عند رغبة شخص ولا أنانية فرد. وفي هذه الفترة بالذات يجد الفرد لذته الكبرى في أن يضحي بلذائذه، وغايته الأولى في أن ينسى غاياته.. وتنبثق من الجماعة -حينئذ- إشعاعات وطاقات عجيبة تتخطى اللذائذ والغايات المنظورة إلى لذائذ وغايات أخرى غير منظورة، قد لا تستطيع تحديدها تماما، ولا فهمها نصا، ولكنها تساق إليها سوقا بدوافع خفية كامنة، فيبدو كأنما الكل أبطال في وقت من الأوقات». الكلمات السابقة هي للمفكر المصري الراحل سيد قطب، الذي ينظر إليه البعض نظرة تقارب التقديس، ويرى فيه البعض الآخر سببا من أسباب أزمة العرب المعاصرة! ورغم أننا نعتقد أن الرجل ظلم شخصيا وثقافيا، وأن عطاءه بحاجة لإعادة قراءة شاملة، فإننا لسنا هنا في مقام القيام بهذه المهمة. لكن المعاني الكامنة وراء هذه العبارات أبت إلا أن تقفز إلى حاضرة الذهن، في معرض التفكير في ثقافة الإصلاح المطلوبة في سوريا الثورة وسوريا المستقبل. فنحن نسمع عن الأزمات المتتالية التي اشتعلت وتشتعل على الأرض السورية، وكان آخرها الفتنة التي حصلت في السويداء منذ أيام. والسوريون بحاجة اليوم إلى مثل هذه المعاني أكثر من أي شيء آخر. المفارقة في الموضوع أن الفقرة بمجملها تكاد تكون وصفا دقيقا لحال السوريين منذ بداية الثورة إلى ما قبل أشهر قليلة، حين نجح النظام في افتعال أزمات بين بعض شرائح الشعب السوري عبر ممارسات التخويف والتدليس وشراء الولاءات والذمم. وسواء تعلق الأمر بالمبادئ والمُثل أو بحسابات المصالح، يبدو الحفاظ على ثقافة الإصلاح والمصالحة والتعايش ملحا وضروريا، بل وأولوية استراتيجية للسوريين مهما كانت خلفياتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية أو المناطقية. قد يستغرب البعض الاستشهاد بمثل هذا النص، ويرى فيه هؤلاء درجة من (المثالية) المفرطة التي تتناقض مع (الواقعية) المطلوبة. إذ يبدو أن (ضغط) الواقعية عند البعض قد (ارتفع) في هذا الزمن إلى درجة تجعلهم يغضون الطرف عن كل ما له علاقة بالمثل والمبادئ، على اعتبار أنها صارت تقليدا رجعيا بات في ذمة التاريخ. لكن هؤلاء يغفلون أن في الواقع السوري التاريخي والراهن شواهد وقصصا وأحداثا ووقائع باتت معروفة لأهل كل محافظة ومدينة ومنطقة وقرية. وهي تؤكد أن هناك دوما، حتى في هذا الزمن، من يرتفع على ذاته إلى ما هو أعلى من مطالب الحياة اليومية، وأن هناك باستمرار من يسمو على مألوفه وعلى غاياته العادية، وأن عطاء أمثال هؤلاء يمكن أن يكون حاسما ومصيريا، خاصة في الفترات ذات الخصوصية وفي أيام الأزمات العصيبة. بل إن هذا يبدو جوهر قصة الملحمة السورية الكبرى في نهاية المطاف. وحتى بحسابات المصالح، يبدو التمسك بوجود ثقافة الإصلاح والتصالح والتعايش ضروريا للجميع. وإذا كان هذا جليا بالنسبة لمن يعتبرون أنفسهم بالتصنيفات السائدة في موقع الأقلية، فإن على من يدخلون في تصنيف الأكثرية أن يدركوا أهميته بنفس الدرجة. فالتنوع يمثل قدر سوريا الاستراتيجي، وهو قدر يجب أن يكون كما كان دائما، مصدر استقرار ونمو وتكامل كبير في الخبرات والتجارب لا بد منه لبناء المستقبل. وهكذا تشيع ثقافة الإصلاح من هذا المدخل أو ذاك، ويصبح ممكنا معها ومن خلالها التأكيد على ضبط كثير من الأنانيات الخاصة ومن الجموح الشخصي، وعلى النظر إلى المصلحة الفردية من خلال المصلحة العامة، وعلى نقد الذات قبل نقد الآخر، وعلى بناء حد أدنى من الثقة بين مختلف الشرائح، وعلى رفع مستوى الشعور بالمسؤولية العامة، وعلى إدراك حقيقة المصير المشترك.. وغير هذا من عناصر تلك الثقافة. ومن نافلة القول إن تحقيق هذه العناصر لا يتم من خلال رفع الشعارات أو مجرد الكلام فيها وحولها، وإنما يحتاج الأمر إلى مواقف وسياسات وقرارات ومبادرات تكون في النهاية عملية محسوسة على أرض الواقع. والأهم من ذلك أن تكون صادرة عن جميع الأطراف، وملموسة الأثر من قبلهم جميعا؛ لأن إلقاء تبعة تشكيل وتجذير ثقافة الإصلاح على طرف دون آخر يعني دق المسمار الأول في نعشها منذ لحظة الولادة. حتى إذا ما شاعت ثقافة الإصلاح، أمكن عندها أن تبدأ رحلة يصفها الدكتور عماد الدين خليل -وبالإذن من المصابين بالحساسية الزائدة من المثل والمبادئ- بأنها رحلة «يرنو فيها الإنسان إلى مصيره عبر مصير أمته بشوق عظيم، ثم إذا بشوقه هذا ينصب كالمطر السخي على رمال الصحراء المحترقة، فيحيي الموات وينشر الخضرة في كل مكان، وينبت أشجارا ظليلة ممتدة الجذور إلى أعماق الأرض، ومرفوعة الأغصان في أعالي السماوات». وفي زمن الأزمات بالذات، يدرك كل عاقل أنه من خلال رحلة كهذه «يصنع تاريخ الأمم والأجيال، تقام الدول وتشمخ الحضارات، وتذوب كل الآلام القديمة في وجدان الأمة، وتندمل كل الجراحات المتقرحة في أجساد أبنائها، ويزول كل عذاب مضن عن أرواحها. وفي رحلة كهذه ينصب العدل والحب على الجميع، فيشدهم قلبا إلى قلب، ووجدانا إلى وجدان، فتسقط من أيديهم السكاكين، ويتلاشى من قلوبهم الحقد». نعم. يمكن لهذا أن يحدث في سوريا الثورة وأن يستمر مع ظهور سوريا المستقبل. ويمكن أن تتفجر في مجتمعنا من خلاله طاقات لا تزال كامنة، وإمكانات ما زالت محبوسة، هو في أمسّ الحاجة إليها. ويمكن أن يصبح الكل أبطالا بمعنى من المعاني، دون أن تكون هناك حاجة لاجتراح الخوارق والمعجزات، اللهم سوى وجود شيء من المثل، وشيء من المبادئ، وشيء إضافي من الحسابات..
بعد بضعة أيام من نشر هـذا المقال، يعقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً سيكون من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخه وتاريخ الثورة السورية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. وتنبع خطورة الاجتماع بالدرجة...
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون}. بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله...
لم يعد ثمة مجالٌ على الإطلاق، وبأي حسبةٍ من الحسابات، أن يسمح عربُ المشرق، ومعهم تركيا، لهذا الطوفان الإيراني أن يجتاح المنطقة بهذا الشكل الصارخ، ليس فقط في قباحته وابتذاله، بل وفي دلالات الموقف الدولي...
منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها...
قلائلُ هم الرؤساء الأميركان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض, وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد. هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا، رغم أن عدد ساسة هذا البلد الذين يحلمون بالوصول إلى أهم موقعٍ...
ما من شكٍ أن ثوار سوريا على الأرض كانوا ولا يزالون وسيبقون أصحاب القرار الحقيقي، لا نقول فيما يتعلق بمصير الثورة السورية، وإنما في تحقيق نصرها المؤزر في نهاية المطاف. لكن هذا لا يتناقض مع...
من الممكن جداً أن يكون تشكيل الحكومة السورية المؤقتة نقلةً هامة على طريق تحقيق أهداف الثورة السورية. ثمة مؤشرات عديدة على أن هذا الأمر في وارد الحصول، رغم الشكوك التي يطرحها البعض هنا وهناك. يبدأ...
منذ أكثر من خمسة شهور، وفي لحظة تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، كان أعضاؤه يعرفون، ومعهم العالم أجمع، أن الائتلاف هو المؤسسة الأم التي ستتولد عنها ثلاث مؤسسات أخرى أحدُها الحكومة المؤقتة. لم...
كثيرةٌ هي التحديات التي تواجه الثورة السورية، لكن تحدي الحفاظ على (الاستقلالية) بحساباتها وموازناتها الشاملة قد يكون أكثرهاً خطورةً وأهمية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجي لسوريا فإن التعامل مع هذا التحدي كان وسيبقى مهمةً...
كلما قلتُ متى موعدُنا ضحكت هندٌ وقالت بعد غد. قد يعبّر هذا البيت من الشعر العربي عن حال الثورة السورية مع معارضتها السياسية. فرغم المحاولات المختلفة للقيام بالدور المطلوب من قِبلها، لا تبدو هذه المعارضة...
يمكن وصف الثورة السورية بألف طريقة وطريقة، فهي تحمل في طياتها بحراً من المعاني سيأتي قريباً اليومُ الذي تظهر دلالاتهُ الحقيقية للناس. لكن وصف (الهجرة) قد يبدو في هذه المرحلة مُعبّراً عن واقع السوريين أكثر...
في عددها مطلع الأسبوع الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان «سوريا، موت وطن». وعلى غلاف العدد، وضعت المجلة رسماً من ثلاثة أسطر يُعبّر عن دمار سوريا بشكلٍ تدريجي وصولاً نحو الخراب الكامل. بعدها بأيام،...