


عدد المقالات 7
بدأت قبل نحو شهر القراءة في كتاب: التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة، للدكتور عبد الرحمن علي الحجي، وامتدت الرحلة نحو ثمانية قرون، من الفتح ونشأة الأندلس وازدهار حضارتها، وصولًا إلى الضعف والانحدار والسقوط. ومضى الوقت، وتعاقب الزمان بين الصفحات، ووجدتني أقف أمام المحن والعذابات التي ما زالت آثارها حاضرة في وجداننا نحن العرب المسلمين الذين جئنا بعد ذلك بدهر طويل.
خلال القراءة عشتُ مع الدول والشخصيات، رافقت التحولات والانتصارات والانكسارات. استوقفتني بعض الأسماء، فغادرت للبحث عنها والتعرف إليها عن قرب، مثل ابن بشكوال، وابن حيّان، وابن رشد الجدّ. القراءة فتحت لي أبوابًا أخرى وقادتني من سيرة لسيرة ومن معرفة لمعرفة، شعرتُ بالألفة تجاه أسماء لم أكن أعرف عنها إلا القليل قبل هذه الرحلة القرائية.
ناهيك عن التعرف على العلماء الربانيين، مثل أبي علي الصدفي، وما تركته مواقفهم في نفسي من تقدير للعلم اقترن بالعمل، وما قرأته عن الأمراء والملوك الذين اشتهروا بالتقوى والعدل، والحرص على مصالح الناس وحماية الديار. توقفت عند اختياراتهم، تأملت مسؤولياتهم والظروف المحيطة بهم، وما استطاعوا إنجازه، وما عجزوا عن تداركه.
كنت فخورة بما صنعوا من حضارة ومجد، وما وصلوا إليه من مكانة علمية وما أنجزوا في العلوم والآداب والفنون والعمران. تتبّعت جهادهم وصبرهم، فرحت بانتصاراتهم وتألمت لخلافاتهم، وشعرت بالحسرة لتبدد الفرص أمامهم. مع كل صفحة ازدادت صلتي بهم وكان الوصول لزمن الضعف والانحدار موجعًا، رغم معرفتي المسبقة به، فمعرفة ما سيحدث لم تجعل القراءة أهون.
ووجدتني أتساءل: هل كنت محظوظة لأني لم أعش زمن الضعف والانحدار والسقوط؟ ولم أشهد المحن واختبار قسوة الاقتلاع من الأرض، والخوف على الدين والأهل والحياة في بيئة مسلمة؟ ولكن ماذا عن العيش في الزمن الحاضر والابتلاءات المصاحبة له؟.
في المقابل، لا أستطيع إخفاء أمنيتي في العيش في العصر الذهبي لمسلمي الأندلس، والمشي في مدنها وحواضرها والاطلاع على مكتباتها وحضور مجالس علمائها وأدباءها، بل والمشاركة في إعداد طعامهم وتناوله معهم. بصراحة، وددت لو رأيت تلك الحياة التي قرأت عنها وعايشتها. واستحضرت ما مان من المفكر والكاتب محمد أسد، وشعوره بالانتماء للأندلس، ووجدتني أقدّر ذاك الشعور فيه وأفهمه وأتأمل اختياره في أن يمضي سنواته الأخيرة هناك، ووصيته بأن تكون غرناطة موضع دفنه.
رحلتي القرائية التي امتدت لثلاثة أسابيع، جعلتني أشعر بأن المسافة بيننا وبين الأندلس أقصر مما نظن. وتذكرت يوم القيامة؛ يومًا لم نعشه بعد. وكيف سننظر يومها إلى الدنيا بدهرها، كأننا لم نعش فيها إلا ليلة وضحاها.
وأدركت حينها أن كل شيء أقصر مما نعتقد ونتوقع. مع ذلك، يحتم علينا الدين والمنطق والتاريخ أن نعيش كل لحظة كأنها الأطول والأعمق تاريخيا، وأن ندرك قيمتها ونحسن استثمارها، وأن نبقى أوفياء للجد والاجتهاد ونطلب العلم النافع والعمل الصالح.
الأعمار تمضي، ويبقى مما نصنعه فيها من أثر ينفع الناس ممن نعرف ولا نعرف، كما صنع من سبقونا قبل ذلك بقرون.
يشارك كثير من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تفاصيل من حياتهم اليومية؛ فهذا يصوّر ساعة فاخرة اشتراها، وذاك يلتقط صورة ورقة سقطت عن شجرة، أو خاتم يتلألأ في إصبع فتاة، أو عصفور يحلّق في السماء. ومن...
لطالما كانت علاقة الإنسان الخليجي بالبحر والأرض علاقة حياة ومصير. لم يكن البحر مجرد مصدر للرزق، بل هو المدرسة الكبرى التي تعلّم فيها الإنسان الخليجي الصبر والجلد والشجاعة والانضباط وتحمّل المشاق، وتعلم وتربّى في أرضه...
منذ أُقحمت المنطقة الخليجية في مرحلة الاعتداءات الغاشمة في خضم حرب لا دخل لها فيها، وحالة عدم الاستقرار والقلق تحيط بالمشهد الإقليمي. وفي مثل هذا الوقت الحرج تجلّت عندنا حقيقة راسخة لا تقبل الشك: أن...
خلال الرحلة يواجه البطل سلسلة من المحن؛ العملاق الذي يسدّ الصخرة في الكهف، والساحرة التي تعيش وحيدة في جزيرة وتحول الرجال إلى حيوانات مبررة ذلك بأنها إنما ترجعهم إلى طبيعتهم الداخلية وحوريات البحر اللاتي يقود...
تحكي الأوديسة واحدة من أقدم القصص البشرية عن واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية ولا أخالها الأقدم على الاطلاق. ووحده الله الذي خلق البشرية، يعرفها حق المعرفة وقادر على أن يقدر عمرها؛ ويعلم متى بدأت ومتى...
ليس من السهل أن ترثي رجلًا بحجم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فهناك رجال يرحلون فتغيب أجسادهم، لكن آثارهم تبقى نابضة في حياة أوطانهم، وهناك رجال يصبحون جزءًا من ذاكرة...