


عدد المقالات 5
ليست كل الأسئلة تُولد على ألسنتنا، بعضها يولد في اللحظة التي يغلق فيها بابٌ للمرة الأخيرة، أو حين يختفي صوتٌ اعتدنا حضوره، أو عندما تمر بنا الحياة دون أن تمنحنا فرصةً لنقول: «انتظر... لم أفهم بعد.» ومنذ تلك اللحظة، لا يعود السؤال جملةً تنتهي بعلامة استفهام، بل يصبح عمرًا كاملًا يبحث عن معنى.
ثمة أسئلة لا تؤلم لأنها بلا جواب، بل لأنها جاءت متأخرة. تأتي بعد أن يرحل أصحابها، أو بعد أن يتغير كل شيء، أو بعد أن تصبح العودة مستحيلة. عندها يكتشف الإنسان أن الزمن لا يغلق الأبواب فحسب، بل يأخذ معه المفاتيح أيضًا، ويتركنا واقفين أمام ذكرياتنا، نحمل في أيدينا أسئلةً لا تعرف إلى أين تذهب.
كم مرةٍ وقف الإنسان أمام صورته القديمة وسأل نفسه: متى تغيرت؟ لا لأنه يبحث عن تاريخ، بل لأنه لا يذكر اللحظة التي غادرته فيها النسخة التي كانها. لا أحد يتذكر اليوم الذي فقد فيه شيئًا من براءته، أو الليلة التي أصبح بعدها أقل اندهاشًا، أو الصباح الذي استيقظ فيه وقد كبر قلبه عشر سنوات دفعةً واحدة. الأشياء الكبيرة لا تحدث بضجيج؛ إنها تتسلل إلينا كما يتسلل الغبار إلى بيتٍ مغلق، حتى إذا نظرنا حولنا بعد أعوام، وجدنا أن كل شيء قد تبدل، دون أن نسمع صوت التغيير.
وهناك أسئلة أكثر قسوة، لا لأنها تتعلق بالآخرين، بل لأنها تتعلق بما لم يحدث أصلًا. ماذا لو لم نتأخر في ذلك اليوم؟ ماذا لو جلسنا دقائق إضافية؟ ماذا لو قلنا الكلمة التي ابتلعناها؟ ماذا لو طرقنا الباب مرةً أخرى قبل أن نقرر الانصراف؟ أسئلة لا تغيّر الماضي، لكنها تعيد بناءه كل ليلة، بصورة مختلفة، كأن العقل يرفض أن يعترف بأن ما حدث... قد حدث بالفعل.
ولعل الإنسان لا يعذب نفسه بشيء كما يعذبها بالاحتمالات. فالواقع، مهما كان مؤلمًا، يملك شكلًا واحدًا. أما الاحتمالات، فلها ألف وجه، وكل وجه منها يقنع القلب بأنه كان يمكن للحياة أن تكون أقل قسوة، لو انحرفت خطوةً واحدة عن الطريق الذي سلكته.
ومن أغرب ما يفعله الزمن، أنه لا يجيب عن الأسئلة، بل يجعلنا نعتاد وجودها. في البداية نطاردها، ثم ننتظرها، ثم نتعب منها، حتى يأتي يوم نجلس فيه إلى جوارها كما يجلس إنسانٌ إلى صديقٍ قديم، لا يحاول أن يغيره، ولا أن يفهمه، بل يكتفي بمعرفة أنه سيبقى.
ولعل الأعمار لا تمنح الإنسان أجوبةً أكثر، بقدر ما تعلّمه كيف يعيش إلى جوار الأسئلة التي لم تُخلق لتُجاب ، فيقل عدد الأسئلة التي يطرحها على الآخرين، ويزداد عدد الأسئلة التي يخفيها عنهم. لأنه يدرك أن بعض الاستفهامات لا تحتاج إلى جواب، وإنما تحتاج إلى قلبٍ يتسع لها، وأن هناك أوجاعًا لا يشفيها التفسير، بل يخففها القبول.
وليس أصعب ما في الحياة أن نجهل الحقيقة، بل أن ندرك أنها غادرت مع من كانوا يعرفونها. أن يبقى السؤال حيًا، بينما يمضي كل من كان يستطيع الإجابة عنه. عندها يصبح الصمت، على قسوته، آخر ما يملكه الإنسان.
وربما كانت الحكمة التي لا نتعلمها إلا متأخرين، أن الحياة لا تدين لنا بالإجابات. إنها تمنحنا لقاءاتٍ بلا مقدمات، وفراقًا بلا إنذار، وطرقاتٍ لا تخبرنا إلى أين تنتهي. وما نظنه نقصًا في الفهم، قد يكون جزءًا من طبيعة الرحلة نفسها؛ فليست كل الحكايات كُتبت لتُفسَّر، وبعضها خُلق ليبقى غامضًا، لأن الغموض هو آخر ما يحفظ له قدسيته.
وفي نهاية المطاف، لا تبقى في الذاكرة الأحداث كما وقعت، بل الأسئلة التي تركتها وراءها. فالإجابات تُغلق الحكايات، أما الأسئلة... فهي التي تجعلها تعيش معنا طويلًا، كندبةٍ لا تؤلم كل يوم، لكنها تذكرنا، كلما لامسناها، بأن شيئًا في داخلنا ما زال ينتظر جوابًا... يعرف، في أعماقه، أنه لن يأتي أبدًا.
ليس كل رحيل يُقاس بغياب شخص، فهناك رجالٌ يصبح حضورهم جزءًا من ذاكرة وطن، حتى إذا غابوا، بقي أثرهم حاضرًا في كل ما تركوه خلفهم. إنهم لا يغادرون الحياة كما يغادرها الآخرون؛ لأن ما صنعوه...
هناك رسائل لا تُطوى داخل ظرف، ولا تحمل عنوانًا بريديًا، ولا تنتظر ساعي البريد ليطرق بابًا. رسائل تُكتب في القلب قبل أن تُكتب على الورق، وتظل معلّقة بين الرغبة في البوح والخوف من العواقب، حتى...
في زمنٍ تتداخل فيه القيم وتتشابك فيه المعايير، يُطرح سؤالٌ يضرب في عمق الضمير الإنساني: هل أصبح الحق ثقيلاً لأن الباطل يبدو مريحاً؟ إنّ هذا التساؤل لا ينبع من فراغ، بل من واقعٍ باتت فيه...
في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أعظم منجزات العصر الحديث، إذ أضحى جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، بدءًا من الهواتف الذكية، ومرورًا بالتشخيص الطبي، ووصولًا إلى المركبات ذاتية القيادة...