الحضارة.. الفعل الإنساني المشترك
06 مايو 2013 , 12:00ص
تعبر الحضارات الإنسانية على مر العصور عن إسهام لأمة من الأمم أو لشعب من الشعوب في صنع ذلك التراكم الهائل من الأفكار والثقافات والعادات والتقاليد، وكذا الإنتاج المادي لتلك الأمم من صناعات ومخترعات واكتشافات أبدعتها يد الإنسان انطلاقاً من شعوره بدوره الإنساني تجاه العصر الذي يعيش فيه، وقد ارتبطت تلك الإسهامات بدوافع عدة كانت الحاجة مبتدأها وتطورت مع تطو الحياة الإنسانية وجاءت الأديان لتعطي ذلك بعداً نفسياً ومعنوياً ومشروعية لذلك الفعل التراكمي، إلا أن ذلك الفعل الحضاري لم يكن حكراً على الأديان السماوية وحدها بل شاركتها الأديان الوضعية على مختلف العصور فإسهام الصينيين والمصريين القدماء بل وإسهام الهنود والفرس مروراً بالإغريق كان للدين دور مؤثر فيه، إلا أنه لم يكن الدور الأساس في صنع تلك الحضارات بدليل أن تلك الحضارات كانت تقترب أو تبتعد عن الأديان في كثير من مراحلها التاريخية وفقاً لموقف الأديان من الفعل الحضاري لتلك المرحلة، ولم يكن الدين وحده المؤصل للحضارة بل شاركته أفكار وفلسفات إنسانية، ولعل هذا الأمر يفسر حالة الاندثار أو التراجع للحضارات الإنسانية السابقة التي لم يبق منها إلا آثارها أو أطلالها ولف النسيان ذلك الفعل الحضاري بمجرد زوال المرحلة التاريخية أو الدافعية، وأصبحت تلك الحضارات تاريخاً أو جزءا من التاريخ، فالحضارة كما يعرفها «ول ديورانت» بأنها «نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون» ويحدد لها عوامل عدة من أولها: العوامل الجيولوجية، وثانيها العوامل الجغرافية، وثالثها العوامل الاقتصادية، ورابعها العوامل الثقافية.. ومن خلال هذا التعريف يمكن أن نتصور الرؤية الأخرى «غير الإسلامية» للحضارة الإنسانية؛ إذ تغيب عنها الفكرة أو «الأيديولوجيا» أو بمعنى أدق الدين كمؤسس للحضارة أو حتى دافع لها أو مؤثر فيها، حتى حين يذكر «ديورانت» من العناصر المكونة للحضارة «التقاليد الخلقية» فهي ليست بالضرورة منطلقة من فكرة أو دين، بل قد يكون منشؤها الحاجة أو البيئة الاجتماعية، وهذه الرؤية للحضارة لا تختلف اليوم عما كانت عليه في العصور السالفة؛ إذ ما زال ينظر إليها بعيداً عن الدين بالمعايير الأربعة التي يمكن أن نطبقها على الحضارة المعاصرة، ونستطيع بهذه الرؤية المادية -بصفة عامة- أن نتعرف على أسباب سقوط الحضارات السابقة واندثارها؛ إذ إن تراجع عوامل الحضارة أدى إلى انهيارها وسقوطها، بل إن تلك الحضارات كانت تحمل أسباب سقوطها في داخلها، كما يبين ذلك ابن خلدون حين يرى أن «غاية العمران هي الحضارة والترقي وأنه إذا بلغ –الترف- غايته انقلب إلى الفساد وأخذ في الهرم كالأعمار الطبيعية للحيوانات، بل نقول: إن الأخلاق الحاصلة عن الحضارة والترف هي عين الفساد» وهذه الرؤية للحضارات القديمة لا تختلف عن الرؤية المعاصرة للحضارة المادية السائدة؛ إذ ما زالت معايير «ديورانت» هي التي تقوم عليها الحضارة المعاصرة -إن صحت التسمية-، لكن هذا التصور للحضارة يختلف عن التصور الإسلامي لها بل تختلف تلك المعايير عن التطبيق على الحضارة الإسلامية، ولعل ما يشير إليه الأستاذ مالك بن بني -رحمه الله- أكثر انطباقاً على التصور الإسلامي للحضارة؛ إذ يرى أن عواملها «أربعة هي: الأفكار خاصة منها الدينية والإنسان والتراب والزمن فالإنسان المقصود به: الفعالية الحضارية التي تتكون في الإنسان، والتراب: يمثل البيئة الجغرافية التي يعيش فيها، والزمن: هو الاستثمار الفاعل للوقت والفكرة الدينية هي: العامل الأساس في التفعيل لهذه العناصر الثلاثة، ولعل السؤال يطرح مرة أخرى، أن هذه العوامل الأربعة موجودة في الحضارات الإنسانية عامة فبماذا اختلفت الحضارة الإسلامية عنها؟ إن الواقع يشير إلى أن الحضارة الإسلامية تلتقي مع الحضارات الأخرى في ثلاثة من عواملها إلا أنها تختلف معها في عامل أساسي وهو الفكرة أو الدين الذي ترتبط به الحضارة، فإذا كان هذا الارتباط هشاً وضعيفاً عند الحضارات الأخرى فإنه في الحضارة الإسلامية يعد الرابط الأساس؛ إذ تقوم الحضارة الإسلامية على مفهوم الرسالة باعتبار أن البناء الحضاري قام على أسس رسالية؛ فالحضارة الإسلامية صورة للرسالة الإسلامية التي جاء بها نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام، فالرسالة بالنسبة للحضارة هي الدافع والمحرك والموجه والمقوم لها، ولا يعني ذلك أن الحضارة الإنسانية حضارة دينية «ثيوقراطية» بالمعنى المقدس، بل هي فعل إنساني محركه والدين هو معياره الذي يقاس عليه، وهذا الرابط هو الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية قديماً وهو الذي يحدد دورها في المستقبل.
ومن هنا يمكن تصور استمرار الفعل الحضاري الإسلامي خلال العصور السابقة وتصوره المستقبلي، ولذا تشترك الحضارة الإسلامية مع الحضارات الإنسانية السابقة واللاحقة في كثير من الدوائر وتختلف عنها في دوائر أخرى، بل إن الحضارة الإسلامية هي الجانب الأكبر من المشترك الإنساني للإسلام ذاته، فلم يأت الدين الإسلامي للمسلمين وحدهم بل جاء للبشرية كافة؛ ولذا نجد «مساحة» الناس أو الإنسان في الخطاب القرآني والنبوي واسعة ومتعددة، وغير المسلم هو شريك في الحضارة الإنسانية؛ حيث يلتقي فيها مع المسلم على الأرض أو المواطنة بحقوقها وواجباتها أو بالعلائق البشرية التعاهدية أو التعاقدية أو المصالح المشتركة أو غيرها، وهذه المساحة المشتركة هي التي يمكن تحقيقها من خلال الحضارة؛ ولذا فما أبدعه المسلمون في حضارتهم لم يكن خاصاً بهم بل امتد تأثيره إلى البشرية كافة، كما أنه لم يكن حكرا عليهم فقد أسهم معهم مواطنيهم من غير المسلمين، لكن هذه الحضارة تقف اليوم أمام تساؤل كبير وهو دورها في المستقبل، هل ستمضي في شراكتها الإنسانية وتسهم كما أسهمت في الماضي، أم سيتوقف عطاؤها الإنساني وتصبح حضارة تاريخية يدرسها الباحثون كما يدرسون أي حضارة إنسانية اندثرت؟