تقرير : الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار وسط تساؤلات متزايدة حول موعد السداد

لوسيل

قنا

مع تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي عتبة الـ40 تريليون دولار، يثور الجدل في الولايات المتحدة بشأن موعد سداد هذه الفاتورة الضخمة وماذا تعني بالنسبة لأسواق المال واقتصادات العالم.
وعلى الرغم من أن الخبراء يشيرون إلى أن بلوغ هذه العتبة غير المسبوقة، التي تمثل نحو مئة في المئة من الناتج الإجمالي الأمريكي، يمثل محطة بارزة أكثر من كونه أزمة مفاجئة ، إلا أن تعاظم الدين الأمريكي يفرض سؤالا اعتاد صناع السياسة في الولايات المتحدة على تأجيل الإجابة عليه على مدار عقدين: ماذا سيحدث عندما تنفد الحلول السهلة لدى أكبر مقرض في العالم؟.
وقبل عشرين عاما، كان الدين الفيدرالي يمثل خمسة وثلاثين بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يصفه ديفيد باين كبير الخبراء الاقتصاديين بمؤسسة كبلنجر بأنها نسبة مريحة ، لكن بعد ذلك تعرض الاقتصاد الأمريكي لصدمتين أولاهما الأزمة المالية التي وقعت في عامي 2008 و2009، وهي التي رفعت نسبة الدين إلى ما يقارب ثلاثة أرباع الناتج الإجمالي، ثم جائحة كورونا /كوفيد 19/ عام 2020 التي اضطرت الإدارة إلى توفير سيولة نقدية لدفع عجلة الاقتصاد، وهو ما أدى لزيادة نسبة الدين لتقترب من خمسة وتسعين بالمئة من الناتج القومي الأمريكي.
وديون واشنطن الآن تعاظمت إلى الحد الذي شارفت فيه على بلوغ المئة بالمئة من الناتج الإجمالي، فالعجز السنوي يبلغ نحو ستة بالمئة من الناتج القومي الإجمالي، وهي نسبة تفوق بكثير معدل النمو البالغ اثنين بالمئة.
ولا توجد مؤشرات في الأفق تبشر بتقلص هذه الفجوة، بل على العكس، فمع تقاعد جيل الستينات، وهو الجيل الذي شهد طفرة في المواليد بالولايات المتحدة، ستشهد النفقات ارتفاعا آخر بسبب أعباء الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، وهو ما قد يؤدي لارتفاع نسبة الدين للناتج القومي الأمريكي إلى 120 بالمئة في غضون عشر سنوات وإلى 175 في غضون ثلاثين عاما.
ويعد إصدار سندات الخزانة الأمريكية هي الطريقة المعتادة لتمويل عجز الميزانية الأمريكية، حيث تقترض الحكومة الأمريكية من الأفراد مقابل منحهم فائدة تحددها آليات السوق، وتحظى هذه السندات بقبول كبير لأن الولايات المتحدة تتمتع بتصنيف ائتماني عال.
لكن بيتر تانوس الرئيس الفخري لشركة لينكس للاستشارات الاستثمارية، يحذر من أن المشترين في مرحلة ما سيطالبون بأسعار فائدة أعلى، بسبب وضع الميزانية، وهذا يعني بالضرورة ارتفاع الفائدة على كافة أنواع القروض والرهون العقارية، حيث يضطر الأفراد لدفع فوائد أعلى بكثير على بطاقاتهم الائتمانية وأقساط سياراتهم وبيوتهم، وهذا ما يُحدث خللا جسيما للاقتصاد الأمريكي، ولا يمكن تصور التداعيات المترتبة على عجز الناس عن شراء المنازل أو سداد فواتيرهم.
وقد تنتقل هذه التأثيرات عبر أسواق المال عالميا، حيث يوجد ما لا يقل عن ثلث سندات الخزانة الأمريكية في حوزة مستثمرين خارج البلاد، إذ لا توجد عملة أخرى قادرة على الحلول مكان الدولار في التجارة العالمية، بحسب تانوس، الذي يحذر أيضا من أن هذا القبول العالمي لا يمكن أن يظل بلا حدود.
وتمتلك اليابان وحدها ديونا أمريكية تتجاوز قيمتها التريليون دولار. ويقول تانوس إذا قررت اليابان فجأة بيع ما بحوزتها من ديون أمريكية والبدء في الاستثمار محليا داخل اليابان، بسبب وجود أسعار فائدة أكثر جاذبية هناك، فإن هذا بدوره سيؤدي إلى انخفاض أسعار السندات الأمريكية وبالتالي رفع أسعار الفائدة على سندات الخزانة ، ومن شأن هذا أن يزاحم عمليات الاقتراض التي تقوم بها الحكومات الأوروبية والمقترضون في الأسواق الناشئة والعائلات الأمريكية بدرجات متفاوتة.
وما من حل سحري خال من الألم لأزمة الدين الأمريكي، بحسب الخبراء، ومتى ما اختارت الإدارة الأمريكية خفض الإنفاق، فإن هذه الإجراءات لا يمكن أن تطال إلا رُبع الميزانية الفيدرالية فقط، وهي البنود التي يطلق عليها مصطلح الإنفاق الاختياري ، أما باقي الميزانية فمقيّدة بالتزامات حتمية تشمل برامج الرعاية الاجتماعية ونفقات الدفاع وخدمة الدين.
وتعد الإصلاحات الضريبية هي الأداة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحقيق التأثير اللازم بالحجم المطلوب، لكن اتباع هذا النهج غير متوقع في الوقت الراهن بسبب التداعيات السياسية الباهظة.
ويقول ديفيد باين كبير الاقتصاديين بمؤسسة كبلنجر الأمريكية المتخصصة في التنبؤات الاقتصادية والتمويل الشخصي، من المستبعد أن يحدث هذا إلا إذا وقعت أزمة كبيرة.. وقد تكون هذه الأزمة في عام 2034 حيث يُتوقع ألا تقدر الحكومة الأمريكية على تمويل كامل مدفوعات الضمان الاجتماعي من خلال الإيرادات الحالية، وهذه القضية تعد من أهم مشاكل الرئيس الأمريكي القادم، الذي سيواجه خيارين أحلاهما مرّ، فهو يرث اقتصادا فيه أزمة الضمان الاجتماعي واضحة ضمن بنود الميزانية، وليست مجرد توقعات مستقبلية. وعليه أن يجد حلا، لن يخلو من الألم ربما عبر فرض أنواع جديدة من الضرائب لتمويل هذا العجز الكبير، أما الخيار الآخر فهو تقليص الإنفاق، وهو أمر مستبعد، بحسب باين، فلا يمكن لأي رئيس أن يواجه هذه الأزمة بتقليص مزايا كبار السن، لأن هذا بمثابة خطأ سياسي جسيم.