في اليوم العالمي لصفر نفايات الذي يصادف 30 مارس من كل عام، جددت وزارة البلدية في دولة قطر التزامها الراسخ بتحويل النفايات إلى فرص اقتصادية وبيئية، وذلك من خلال تعزيز الفرز من المصدر ودعم الاقتصاد الدائري، بما يسهم في تحقيق هدف قطر صفر نفايات ، وفق بيان رسمي نشرته الوزارة على منصة إكس.
ويأتي هذا التجديد في سياق توترات إقليمية راهنة تشهدها منطقة الخليج، حيث يؤكد الخبراء أن هذا التوجه الاستراتيجي يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تُعد الاستدامة البيئية والاقتصاد الدائري أحد أبرز أدوات تعزيز الأمن القومي والمرونة الاقتصادية أمام التوترات الإقليمية الراهنة في منطقة الخليج. ففي ظل التحديات الجيوسياسية الحالية، يُنظر إلى تقليل الاعتماد على الموارد التقليدية وتحويل النفايات إلى موارد مستدامة كوسيلة فعالة لحماية الاقتصاد الوطني وضمان استمرارية التنمية.
مشاريع اقتصادية متقدمة
وفي معرض تقييمه لبرنامج نحو زيرو نفايات ، يقول المستشار الهندسي والخبير البيئي الأستاذ الدكتور محمد سيف الكواري في تصريح خاص ل موقع لوسيل : إن دولة قطر تواصل تسريع جهودها للتحول نحو الاقتصاد الدائري وتحقيق هدف صفر نفايات ، في إطار رؤية قطر الوطنية 2030، التي تركز على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية .
ويشير د. الكواري إلى أنه: في هذا السياق، عززت الدولة بنيتها التحتية لإدارة النفايات من خلال مشاريع متقدمة، أبرزها مركز معالجة النفايات الصلبة في مسيعيد، الذي يُعد من أكبر المرافق في المنطقة، حيث يسهم في تحويل النفايات إلى طاقة وأسمدة عضوية، وتقليل الاعتماد على المكبات التقليدية. حيث أطلقت الجهات المعنية برامج لفرز النفايات من المصدر، إلى جانب تطوير تشريعات تنظم إدارة النفايات وتحد من استخدام المواد البلاستيكية، ما يعزز معدلات إعادة التدوير ويحد من الأثر البيئي .
وأوضح : أن هذا التحول يُنظر إليه كفرصة اقتصادية واعدة، من خلال إنتاج الطاقة من النفايات، وتطوير صناعات إعادة التدوير، وخلق فرص استثمارية جديدة، بما يدعم توجه الدولة نحو اقتصاد مستدام منخفض الانبعاثات. وتؤكد هذه الجهود التزام قطر بتبني أفضل الممارسات البيئية عالميًا، وترسيخ مكانتها كنموذج إقليمي في إدارة الموارد وتحقيق الاستدامة .
وخلص أ.د. محمد سيف الكواري للقول: إن تسريع قطر للتحول نحو الاقتصاد الدائري وصفر نفايات يعكس رؤية مستقبلية طموحة تجمع بين التنمية والاستدامة. ومن خلال الاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير التشريعات، وتعزيز الوعي المجتمعي، تضع الدولة نفسها نموذجًا إقليميًا رائدًا في إدارة الموارد وتحقيق الاستدامة البيئية، بما ينسجم مع أهداف رؤية قطر الوطنية 2030 ويعزز مكانتها في الاقتصاد الأخضر العالمي .
خطوة إستراتيجية مهمة
وحول تقييمه لجهود دولة قطر في توظيف الاقتصاد الدائري في تحقيق غرض زيرو نفايات ، أكد الأستاذ الدكتور سيف بن علي الحجري، خبير التنمية المستدامة، ورئيس برنامج حماة الطبيعة، وبرنامج لكل ربيع زهرة ، أن الاقتصاد الدائري، يُعد نهجًا حديثُا، يهدف إلى تقليل الهدر، واستخدام الموارد بشكل كفء، مع التركيز على إعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، وضمان إطالة عمر المنتجات.
وقال الدكتور الحجري في تصريح خاص ل موقع لوسيل: إن الاقتصاد الدائري يركز على استخدام الموارد بكفاءة عالية، ويقلل الضغط على الموارد الطبيعية، كما يحد من النفايات ويضمن حلقة مغلقة من الاستخدام المتجدد للموارد، الأمر الذي يسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
وأوضح أن أبرز سمات الاقتصاد الدائري تتمثل في ضمان تحقيق التنمية المستدامة، واعتبار أن النفايات، هي موارد لدورات اقتصادية تالية، فضلُا عن ترشيد التعامل مع الموارد من جهتي الإنتاج والاستهلاك، بالإضافة إلى تشكيل وتصويب الأنشطة الاقتصادية لتصبح أكثر انسجامُا مع البيئة.
وأشار الدكتور الحجري إلى أهم خصائص الاقتصاد الدائري، موضحُا كونه وسيلة فعّالة لتحقيق التنمية المستدامة، الأمر الذي يعمق السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية، ويركز على كفاءة الموارد من جهتي الإنتاج والاستهلاك، ويعالج التشوهات التجارية دون فرض قيود تجارية، كما يعزز العلاقات بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والبيئية، فهو يمثل خيارُا عالميُا مرنُا، يتيح لكل دولة التكيف معه في مجالات التجارة، والعمل، والقضاء على الفقر.
وتطرق إلى ما يمكن أن يحققه الاقتصاد الدائري، مبينُا أنه يطور معايير قياس الاستدامة، وسد ثغرات التنفيذ، كما يضع ميثاقُا اقتصاديًا يعزز المسؤولية المجتمعية، ويساهم في الإصلاح المالي، ما يضمن إصلاح نظام التجارة الدولي، ويضمن الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ويعتمد على التدريب لصقل المهارات والاستفادة من تجارب الآخرين، كما يضمن الاستخدام الكفء للموارد والممارسات المستدامة في الإنتاج والاستهلاك.
وخلص الدكتور سيف بن علي الحجري أن تبني نموذج الاقتصاد الدائري، يمثل خطوة استراتيجية مهمة لدولة قطر، خاصة في إطار رؤية قطر الوطنية 2030، وجهود وزارة البلدية ووزارة البيئة والتغير المناخي، الرامية إلى تحقيق هدف صفر نفايات وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية.
سوق ادارة النفايات
ويكشف تقرير يحمل عنوان سوق إدارة النفايات في قطر صادر عن مؤشر موردور إنتليجنس العالمي: أن معدل نموه يبلغ 7.31% سنويًا، مع حجم متوقع يصل إلى حوالي 780 مليون دولار بحلول 2030، مدفوعًا جزئيًا بحملة صفر نفايات ، بينما يبلغ حجمه الحالي حوالي 548.47 مليون دولار أمريكي .
ويقيم موردور إنتليجنس برنامج زيرو نفايات بأنه : جيد جدًا في الجانب الاستراتيجي والتخطيطي، ويُظهر التزامًا حقيقيًا من وزارة البلدية، خاصة مع الاستثمار في البنية التحتية الذكية والشراكات، لكنه لا يزال في مرحلة البناء أكثر من مرحلة النتائج الكاملة ، والبرنامج يمثل خطوة مهمة نحو مستقبل أكثر استدامة، خاصة في دولة سريعة النمو مثل قطر .
بينما يشير تقرير آخر للمؤشر ذاته إلى : أن سوق إدارة النفايات الصلبة في قطر يبلغ حجمه المتوقع نهاية 2026 حوالي 2.9 مليار دولار، والمتوقع بحلول 2031 حوالي 3.91 مليار دولار، بمعدل نمو 6.20%. وبالتالي فإن سوق النفايات الصلبة على الرغم من أنه جزئي أكبر بـ5 أضعاف تقريبًا لأنه يغطي الجزء الأضخم من النفايات المتولدة في قطر (الصلبة)، بينما سوق النفايات العام قد يكون أكثر تركيزًا على قطاعات متخصصة أو على جانب الخدمات فقط .
وتكشف المعلومات الرسمية من بوابة البيانات المفتوحة للمجلس الوطني للتخطيط : أن إجمالي النفايات المتولدة حسب النوع والمعاد تدويرها كالتالي: النفايات المعاد تدويرها: 4217.74 طن، والنفايات غير الخطرة المتولدة: 4161.25 طن، والنفايات الخطرة المتولدة: 56.49 طن .
دعم مشروعات الاستثمار
ويشير تقرير الاستدامة الصادر عن وزارة البلدية مؤخرًا إلى أنه: تم تخصيص 51 قطعة أرض صناعية في منطقة العفجة بمسيعيد لمشاريع إعادة التدوير، وطرح 30 فرصة استثمارية لتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتزويد القطاع الخاص بآلاف الأطنان من المواد المفروزة مجانًا لدعم الاقتصاد الدائري، واستمرار برنامج صفر نفايات مع حملات توعية مستمرة وحاويات مخصصة، وتنظيم مؤتمر ومعرض إعادة التدوير والاستدامة سنويًا كمنصة لتعزيز الممارسات الدائرية .
ويبرز تقرير حالة البيئة في دولة قطر: أن نفايات البناء والهدم تشكل أكبر مصدر للنفايات الصلبة، إذ بلغت 13.2 مليون طن، ثم انخفضت إلى 8.7 مليون طن، وتم إعادة تدوير 3.6 مليون طن منها. وارتفع عدد الشركات العاملة في إدارة النفايات الصناعية من 50 شركة عام 2019 إلى 75 شركة بالوقت الراهن، وزادت قدرة التخلص من النفايات الخطرة من 210 آلاف طن إلى 610 آلاف طن سنوياً .
معدلات التدوير
وتوقع تقرير بنك قطر للتنمية حول قطاع إعادة التدوير: أن يصل توليد نفايات الورق إلى 308,790 طن بحلول 2028، وأن تصل نسبة إعادة التدوير من البلاستيك البولي إيثيلين إلى 50%، والبولي بروبيلين بنسبة 20% تقريباً، في ظل نمو متوقع بنسبة مركبة 4.24%. وبالنسبة للمعادن خردة الحديد 65%، والخردة غير الحديدية 35%. ومن المتوقع أن يصل إجمالي الخردة المعدنية إلى حوالي مليون طن بحلول 2028 .
وتشير الأرقام أيضًا إلى: أن الزجاج الذي يتم تدويره من المتوقع يبلغ 75,396 طن بحلول 2028 بنسبة نمو مركب 4.574%، والمطاط يبلغ 5,939.5 طن بحلول 2028 بنسبة نمو مركب 4.3%، مع دعم حكومي قوي لإعادة تدويره .