ضمن ندوات "موسم الندوات" وبحضور وزير الثقافة

د. عزمي بشارة يحدد مفهوم وملامح الهوية الوطنية

لوسيل

صلاح بديوي

تحت رعاية وحضور سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، عقدت امس الندوة قبل الاخيرة من ندوات موسم الندوات الذي تنظمه وزارة الثقافة، وتحدث خلالها المفكر الكبير الدكتور عزمى بشارة مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا تحت عنوان في مسألة الهوية، وحضر الندوة حشد من المثقفين والادباء واساتذة الجامعات ورجال الثقافة، الذين كان لهم حضور بارز خلال فعاليات الندوة من خلال الاستفسارات والاسئلة المطروحة والمتعلقة بعلاقات الهوية بالمواطنة والعروبة والاسلام والانسانية.

ولعل اهم الايضاحات على الاطلاق التي تم طرحها على الدكتور عزمى بشارة جاءت من سعادة وزير الثقافة، والذي تساءل حول المواطن والانتماء والهوية وهل يؤثر الشعور بالانتماء على المواطنة؟

كما تساءل سعادة الوزير عن مدى تأثيرات الانتماء للقبيلة او للجماعة او التنظيم على الهدف الكلي للدولة؟، ونوه سعادته بان بعض الازمات جعلت المواطن القطري يشعر بالانتماء للهوية القطرية .

وعقب الدكتور بشارة على الايضاحات، قائلاً ان الوطنية هي انتماء المواطن وقد تنتج هوية ونسميها الهوية الوطنية، وبالتالي فإن مفهوم الدولة ان تكون الهوية الوطنية قائمة على المواطن، وبالنسبة للدولة الاهم هو الهوية الوطنية، ولابد ان تحدث علاقات الحقوق والواجبات مباشرة بين الدولة والمواطن دون وجود وسيط قبلي او اي وسيط، لان ذلك يضعف الدولة لكون ان تسييس القبيلة والطائفة يحدث مشكلة ويهدد الدولة بالتفكك .

مقاربة تحليلية

وبدأ د. عزمي محاضرته قائلا: تهدف هذه المداخلةُ إلى تقديم مقاربة تحليلية لمسألة الهوية التي يشوبُ بحثَها بعضُ الارتباك بسبب رواج المصطلح في الحياة اليومية والإعلام والأدب والعلوم الاجتماعية إلى درجةٍ تصعب تحديدَ هويةِ مصطلح الهوية. والخوض العلمي في الموضوع محفوفٌ بمنزلقاتٍ عديدة، أذكر هنا ثلاثةً منها لأهميتها: الأول، هو توسيعُ نطاقِ مسألة الهوية والإفراط في إدراج قضايا كثيرةٍ تحت عنوانها، والتعتيمِ بذلك على مصادر اقتصادية واجتماعية وسياسية مُعقّدة للقضايا لا تقود معالجتُها بالأدوات التي تُقارَب فيها مسألةُ الهوية، إلا إلى غموضٍ أكثر .

واستطرد: مثلًا هشاشةَ الدولةِ وعدم تماسك المجتمعات الوطنية أمام التغييرات التي تحصل للأنظمة السياسية في المنطقة العربية، والتي يَميل البعض إلى اعتبارها أزمةَ هويةٍ وطنيةٍ للمجتمعات، أو أزمة هويةِ الدولة. وهذا استخدامٌ ممكنٌ، ولكنه أيضًا تمويهٌ يَعوق فَهمَ القضية المُركَّبة المُتعَلِّقة بتاريخ نشوء الدولة وترسيمِ حدودها الإقليمية، والتحديثِ من أعلى، وإخفاقِ النُّخَب الحاكمة في عَملية دَمج المجتمع اقتصاديًّا وحقوقيًّا وبناءِ الأمة بوصفها أمةَ الدولة، وغيرها من القضايا. خُذ مثالًا آخر أيضًا؛ وهو تصوير الصراعات في منطقتنا في العقدين الأخيرين على أنها صراعات طائفيّة. هل هذه مسألة هوية؟ لا شك في أن الطائفيةَ السياسية تستثمر في الهوية الطائفية .

وأضاف: لكن قضية الطائفية السياسية ليست مسألة هوية طائفية أساسًا، فهذه، إن وجدت، بوصفها انتماءً إلى جماعةٍ من البشر يجمعهم اعتناقُ دينٍ أو مذهبٍ، يمكن أن تدومَ وتعمّر قرونًا من الزمن بوصفها هويةً جماعية محلية من دون تسييس. لا الطائفةُ المذهبية ولا الدينية هويةٌ ثابتة عبر الزمن، ولا هي مصدرُ الطائفية السياسية، بل إنّ مصدر الأخيرة في صراعاتٍ اجتماعية وسياسية يجري عبرها تطييفُ ما لم يكن طائفيًا، وتسييس الطوائف ليُصبح انتماءَ الناس الطائفي انتماءً سياسيًّا في الوقت ذاته. يضاف إلى ذلك، أنه يمكن أن يكون الإيمان الديني والذي يشكل أحدَ مكونات الهوية الذاتية للمؤمن محفزًا لرفض تحويله إلى عصبية طائفية.

كائناتٌ تاريخيةٌ

وأضاف دكتور عزمي بشارة: هنا يَبرُز المنزلقُ الثاني الذي يَحُفُّ بمعالجة مسألة الهويّة؛ وهو اعتقادُ البعض أنه بما أن الهوياتِ كائناتٌ تاريخيةٌ وليست طبيعيةً، أي بما أنها مصنوعةٌ ومركبةٌ، فهي مجردُ أوهام لا تستحق كل هذا الاهتمام. والحقيقةُ أن غالبية المؤسسات والكيانات الاجتماعية المهمة في حياتنا مصنوعةٌ ومُركَّبة. وكون الهويات ناشئةً، خلال الصراع ضد المستعمِر مثلًا، أو متشكّلةً بفعل النخب السياسية والثقافية وبواسطة إبراز انتماءاتٍ مُعيّنة للناس في الخطاب السياسي وبرامج التدريس وبرامج الترفيه، والتشديد المبرمج على التميّز عن الجماعة الأشمل التي تتفرع منها الهويةُ المتميّزةُ، وعن جماعات تُعَدُّ مختلفة، وأخرى تعدُّ خصمًا، فهذا كله لا يعني أن مسألةَ الهويةِ غيرُ مهمةٍ ونافلة .

ومضى قائلاً: قد يتولد الوهم، خصوصًا لدى المتخصصين الباحثين في العلوم الاجتماعية، أنه ما دامت الهوية قد فُكِّكَت نظريًا بتبيين ظروف نشوئها، ومصادر تَشَكُّلِها والقوى التي أسهمت في صناعتها، فإن هذا يعني أن المسألة منتهية. بيد أن حَلّ القضايا نظريًّا لا يعني تلاشيها في الواقع، كما أن الانتماءَ إلى جماعات لا يكون غالبًا نتاجَ استنتاجاتٍ عقليّةٍ يمكن دحضها بالحقائق التاريخية. فمثلًا، تختلف متطلبات حل إشكالات ما يسمى سياساتِ الهوية؛ أي التعبئةَ السياسية بناءً على استثارة هوية المخاطبين وليس على البرنامج السياسي، وادعاء النخب السياسية تمثيلَ جماعاتِ هويةٍ وليس مواقفَ سياسية، والصراعاتُ بين جماعات الهوية.

وحول المنزلق الثالث قال دكتور عزمي بشارة: هو الخلط بين مسألة الهوية وما يسمى الشخصية الحضارية لشعب أو أمة أو حتى قارة كما يدّعي عند الحديث عن شخصية حضارية أوروبية، أو يهودية-مسيحية، أو إسلامية، أو عربية-إسلامية، أو بوذية أو غيرها. فأيديولوجياتٌ مختلفة وقوىً سياسيةٌ ونظرياتٌ أنثروبولوجية تدّعي تشخيص سمات حضارية مشتركة لجماعات كبرى من البشر وتقوم بإسقاطها على التاريخ أيضًا، بوصفه تاريخَهم المشترك. وثمة نقاشٌ طويلٌ عريضٌ حول وجود شخصية حضارية أوروبية، وحول مزاياها. ولكن ماذا يمكن أن تعني الهوية الأوروبية في قارة شهدت حربين عالميتين بين الأوروبيين، وتشهد الآن حربًا ضاريةً لا يتسع المجال للخوض فيها؟ وماذا يمكن أن تعني الهوية اليهودية-المسيحية بعد المحرقة؟ ماذا تعني الهوية الأوروبية المشتركة عدا إبرازَها على نحو سالب في مقابل غير الأوروبيين .

ثقافات وحضارات

واسهب دكتور عزمى بشارة في تقديم بحث قيم حول مسألة الهوية مقرونا بالادلة والوثائق وفي ختام محاضرته قال: طُلب مني التطرق إلى بعض الأسئلة التي أثيرت في إطار هذه السلسلة من الندوات التي بادرت إليها وزارة الثقافة.

وأضاف: أصحاب الشخصية الحضارية ذاتُ المكونات الغنية المنفتحة على التطور والتغيير والواثقةُ من نفسها بتأصلها في هوية الأفراد الجماعية لا يفزعون من التفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى. أما الشخصيةُ الحضارية الفقيرةُ والهزيلة يصعب أن تضرب جذورًا في هوية الأفراد الجماعية من دون استخدام متواصل لنفي الآخر وسيلةً لترسيم حدود الهوية.

ويمتلك العربي هوية ذاتية عربية عبر اللغة والثقافة، وهي أساسُ انتمائه إلى الهوية الجماعية العربية وتصورات تاريخها المشترك وحتى المصير المشترك والتأثر بكل ما يجري في البلدان العربية. واللغة الجامعة بين الفصحى والمحكية وآدابهما ليست أداةَ تواصل فحسب، بل هي أيضًا من أهم مكونات الثقافة والشخصية والوجدان. وثمن إنكار هذه الهوية هو تشويه ثقافي، فليست للعرب ثقافة بديلة، قد يجد الأفراد لأنفسهم بدائلَ، ولكن لا يوجد بديلٌ جماعي من الثقافة العربية.

من ناحية أخرى، يبرز تطرفان آخران، عدا التطرفَ المتمثلَ بالإنكار والتنكر للهوية العربية: يتمثل الأول باعتبار العروبة عرقًا متحدرًا من أصل مشترك، أو رابطة دم متخيلة كالقبيلة. والثاني اعتبار العروبة أيديولوجية شاملة وحزبًا سياسيًا. وكلا التطرفين يخلق صراعًا حول الهوية العربية

الهوية العربية من أنجع المضادات للطائفيات على أنواعها، لأنها تنافسها بقوة على حلبة الهوية والانتماء وليس على مستوى التنظير والنقاش العقلاني، وتملك المقومات لمنافستها.

الهوية العربية

ومثلما أن الطائفية وإضعاف الهوية العربية سياسيًا شكلا مدخلًا لتدّخل قوى خارجية في البلدان العربية، فإن الهوية العربية تشكّل أحد الدفاعات الرئيسة ضد مثل هذا التدّخل.

مثلما لا يوجد تناقضٌ، بل تكامل بين المكون العربي والإسلامي في الحضارة العربية الإسلامية، فإنه لا يوجد تناقضٌ أيضًا بين العروبة والمواطنة. فالهوية العربية هي هوية الأكثرية في البلدان العربية، وهذا لا يمنع أن تجمع المواطنين العرب بغير العرب الهويةُ الوطنيةُ والمواطنة المتساوية في دولة، مع احترام هويات غير العرب القومية والثقافية.

المواطنة أساس الانتماء إلى الدولة، وهي تصنع المشتركات الثقافية التي تميز مواطني دولة ما بالتدريج. وفي حالة ضعف المواطنة، تجري محاولة افتعال الهوية الوطنية غالبًا بالتنكّر للهوية العربية المشتركة مع بقية الدول العربية.