أصدرت شركة بيت المشورة للاستشارات المالية عددًا خاصًا من مجلتها العلمية المحكمة يسلط الضوء على تأثير جائحة كورونا على قطاع التمويل الإسلامي حيث تشير دراسة للبروفيسور أحمد مهدي بلوافي أستاذ الاقتصاد والتمويل الإسلامي إلى أن قطاع التمويل الاسلامي قادر على مواجهة تحديات كورونا نتيجة تمتع البنوك الاسلامية برسملة صلبة مسجلة متوسط معدل كفاية رأسمال يبلغ 18.2% وهو مستوى أعلى بكثير من متطلبات معيار بازل 3 الأمر الذي يوفر أريحية وقوة في مواجهة تداعيات فيروس كورونا المستجد علما بأن معايير بازل 3 تمثل مجموعةٌ من الأنظمة المصرفية العالمية استحدثها بنك التسويات الدولية بهدف دعم الاستقرار في النظام المالي العالمي.
ولفتت الدراسة إلى أن تطبيق التباعد الاجتماعي بعد ظهور فيروس كورونا سيحفز التحول المصرفي الرقمي لدى البنوك والمؤسسات المالية الاسلامية لتبني تقنيات التكنولوجيا المالية متوقعة ارتفاع حجم الاستثمارات بالتكنولوجيا المالية الفينتك بنسبة 25% إلى مستوى 310 مليار دولار بحلول العام 2022 علما بأن إجمالي الاستثمارات بالقطاع بلغ 128 مليار دولار في العام 2018 .
وأضافت أن التجارة الالكترونية سجلت نمواً قياسيا حول العالم عقب ظهور أزمة كورونا حيث حققت شركة أمازون الأميركية طفرة هائلة في قيمة أسهمها وفي زيادة الطلب على خدماتها الأمر الذي أدى في بعض الفترات إلى نفاد مخزون بعض المواد الأساسية والمستلزمات الطبية وهو ما يعكس في الوقت نفسه تطور موازي على مستوى الخدمات المالية التي تسهل مهمة الوصول إلى الخدمات والمنتجات المعروضة الأمر الذي يعزز التوقعات بحدوث طفرة كبرى في معدلات الطلب على التجارة الالكترونية ووسائل الدفع والائتمان والتسوية .
وقالت الدراسة أن توقعات شركة تكنافيو للأبحاث تشير إلى أن سوق البرمجيات المصرفية الإسلامية العالمية سيحقق نموا سنويا مركبا بنسبة 13% خلال الفترة من عام 2020 وحتى عام 2024 على أن تصل عوائدها إلى مستوى 461.83 مليون دولار بنهاية عام 2024 وتشمل الخدمات التكنولوجية التي ستتبناها البنوك الاسلامية إلى جانب القنوات المصرفية الالكترونية كلا من تقنيات الذكاء الإصطناعي لتطوير البطاقات المصرفية وتعزيز مستويات الاستفادة من البيانات الضخمة التي توفرها شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة.
وأوضحت الدراسة أن تحول البنوك الاسلامية نحو إطلاق البطاقات الذكية كبديل عن البطاقات الممغنطة سيحقق حزمة من المميزات أهمها : تقليص عمليات القرصنة والاحتيال المصرفي المحتملة مع زيادة معدلات الأمان والقدرة على تتبع العمليات المصرفية التي يقوم بها العملاء بشكل مستمر الأمر الذي يسهل من إكتشاف وإحباط أية عمليات مصرفية مشبوهة محتملة فور حدوثها فيما تشير تقديرات مؤسسة ماكينزي العالمية إلى أن نحو 80% من عملاء البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي متعطشون لتطوير الخدمات المصرفية الالكترونية المقدمة إليهم خصوصا في ظل الانتشار الهائل لأجهزة الهواتف الذكية في دول مجلس التعاون الخليجي.
وبحسب الدراسة فإن وكالة موديز للتصنيف الائتماني العالمية تشير إلى أن إصدارات الصكوك الإسلامية (السندات المتوافقة مع الشريعة) حول العالم ستحقق نموا بواقع مليار دولار رغم تداعيات جائحة كورونا لتصل إلى مستوى 180 مليار دولار في عام 2020 قياسا على مستوى بلغ 179 مليار دولار في عام 2019 في حين تبدو سوق التأمين التكافلي (الإسلامي) على أعتاب نمو كذلك خلال العام الجاري نتيجة تطوير التشريعات واللوائح والاجراءات المنظمة لقطاع التأمين التكافلي.
ومن جانبه تناول الدكتور مراد بوضاية عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة قطر دراسة أثر ازمة كورونا على العقود المالية من الناحية الشرعية مشيرا إلى أن جائحة كورونا تجسد فيها مكونات الأزمة بالمفهوم الاقتصادي وتتحقق فيها شروط الأعذار الشرعية التي تترتب عليها التخفيفات الشرعية ايضا وكذلك فإن الأصول والقواعد الحاكمة في ظل أزمة كورونا يجمعها مبدأ العدل بقواعده ومداركه فيما تتركز آليات معالجة اختلال الالتزامات التعاقدية بالحالات الاستثنائية في : الإجراء أو التعديل أو التأجيل أو الإلغاء.
ودعت الدراسة إلى وضع معايير لفقه الجوائح وتحديد مدى انطباقها على النوازل مع رصد الفتاوي الصادرة في القضايا المالية الخاصة بجائحة كورونا ومن ثم تصنيفها وتقييمها لبيان مدى تجانسها مع قواعد الاستباط وأصول الاستدلال.
واستعرض أستاذ الاقتصاد بجامعة بوشام الألمانية البروفيسور فولكر نينهاوس في دراسة مطولة مستقبل التمويل الاسلامي بعد أزمة كورونا، وتحدثت الدراسة عن تغيرات وتطورات واقع التمويل والاقتصاد في ظل أزمة كورنا، وتوصلت إلى أن تلك التغيرات والتطورات ستؤثر على التمويل الإسلامي بشكل مختلف عن تأثيرها على التمويل التقليدي، وبشكل خاص على قطاع العقارات، والأسهم المتوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وتمويل الأفراد في المصارف الإسلامية. ولفتت الدراسة إلى أن أزمة كورونا أبرزت أهمية مبدأ المشاركة في المخاطر، وعززت الدعوات للتوسع في التمويل الإسلامي مع تبني نموذج تقييم المخاطر، بالإضافة إلى التوسع في استخدام أدوات التمويل الاجتماعي الإسلامي مثل الزكاة والقرض الحسن والوقف النقدي والصدقات، للتخفيف من الفقر ودعم التماسك الاجتماعي، مرجحًا أن يهتم التمويل الاسلامي في مرحلة ما بعد كورونا بتعزيز الابتكارات في التمويل بأسلوب مماثل للتمويل الرأسمالي، مع تطوير قطاعات: الصكوك الخضراء والمسؤولة اجتماعًيا، والتمويل الإسلامي الأصغر، والتكنولوجيا المالية.
ومن جهته سلط الدكتور إبراهيم حسن جمّال مدير الدراسات والبحوث في بيت المشورة للاستشارات الضوء من خلال دراسة علمية ضمن العدد الخاص بأزمة كورونا على الاجراءات التي اتخذتها دولة قطر لمواجهة تداعيات الجائحة وقد خلصت الدراسة إلى أن قطر قدمت نموذجًا ناجحًا في احتواء تداعيات فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد من خلال حزمة تحفيز اقتصادية كبرى وتدابير واجراءات ناجحة أثبتت كفاءتها وفعاليتها حيث لم تقتصر تلك التدابير على التسيير الكمي فقط بل امتدت لتشمل السياسات المالية بدعم شركات القطاع الخاص المتضررة من الأزمة.
ورصدت الدراسة حزمة الإجراءات والمحفزات الاقتصادية التي قامت بها دولة قطر لتفادي تبعات أزمة كورونا المستجد، ودراسة آثارها على بعض مؤشرات الاقتصاد القطري، مع الإشارة إلى المؤسسات المالية الإسلامية في قطر وتعاملها مع تلك الإجراءات، وقد توصلت الدراسة إلى فعالية المحفزات والقرارات الاقتصادية التي اتخذتها دولة قطر في الحد من تداعيات أزمة كورونا المستجد، وتمكُّن مؤسسات التمويل الإسلامي من الاستفادة من برامج التحفيز مع مراعاة خصوصيتها وطبيعتها التمويلية.
يذكر أن مجلة بيت المشورة هي أول مجلة علمية دولية محكمة ومرخصة من وزارة الثقافة والفنون والتراث في دولة قطر، وحاصلة على التصنيف الدولي الخاص بالمجلات العلمية، ومفهرسة ضمن أهم قواعد البيانات العالمية وهي تعنى بنشر البحوث في مجالات الاقتصاد والصيرفة الإسلامية، وتهدف إلى إتاحة الفرصة للباحثين والمتخصصين لتحكيم ونشر نتاجهم العلمي من بحوث ودراسات في مجال الاقتصاد والصيرفة الإسلامية باللغتين العربية والإنجليزية كما تهدف إلى نشر الوعي المعرفي من خلال إتاحة هذه البحوث والدراسات للمستفيدين من خلال وسائط النشر الورقية والإلكترونية، وتضم الهيئة الاستشارية للمجلة كوكبة من الأكاديميين المختصين والبارزين من مختلف الدول العربية والإسلامية.