أكد فضيلة الشيخ محمد المحمود أن العناية والاهتمام بالأبناء تربيةً ونصحاً وعناية وتقويماً وإرشاداً أمانة عظيمة، أوجب الله تبارك وتعالى على الآباء أن يعتنوا بأبنائهم والاهتمام بهم وإعطاءهم حقوقهم، فإن للأبناء حقوقا على الآباء، فإن الآباء يُسألون يوم القيامة عن أبنائهم قبل أن يُسأل الأبناء عن آبائهم، عن الحقوق وما الذي كان ينبغي أن يُفعل فإن العبد سيسأل أمام الله تبارك وتعالى عن هذه الأمانة العظيمة أمانة التربية الصالحة أمانة العناية بالأبناء أمانة حفظ هذه النفس التي أخرجها الله منك فإن الأبناء نتاج الآباء.
وقال الشيخ محمد المحمود في خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الشيوخ: الحمد لله رب العالمين حمداً طيباً مباركاً فيه والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيد ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبارك وسلم تسليماً كثيراً، عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى، يقول الله يقل رب العزة والجلال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .
وأضاف الخطيب: فإن من الأمور الجسيمة والأمانات العظيمة التي كلف الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين هي العناية والاهتمام بأبنائهم تربيةً ونصحاً وعناية وتقويماً وإرشاداً فإنها والله أمانة عظيمة، أوجب الله تبارك وتعالى على الآباء، والآباء هنا تشمل الأمهات أوجب الله على الآباء أن يعتنوا بأبنائهم وأن يعلموا أنها أمانة عظيمة.
وبين الخطيب أن أول هذه الركائز التي ينبغي أن يهتم بها الآباء ومن أهم هذه الركائز، هي أن يكون الوالد قدوة لأبنائه لأنك مأمور بأمرهم ونهيهم عن أمور ينبغي أن تكون متصفا بهذه الصفة قبل أن تأمر وأن تنهى، قال تبارك وتعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ، كيف تظنون أن نصحكم سيفيد وأن تعليمكم سيفيد وأن إرشادكم سيفيد إذا لم تكونوا قدوة لمن تأمرون، لم تكونوا قدوة لمن تنهون، والله لو أظهروا لكم الطاعة ظاهرة لو أظهروا الامتثال لأوامركم خوفا ولكنهم في نفوسهم يعلمون أنكم لستم أهلا للطاعة وللأمر، هكذا يشعر الطفل ويشعر المتعلم ويشعر كل شخص تحت يدي رجل أو امرأة تأمره بأمر وهي لا تفعله، فمن أمر بأمر وهو يفعل ضده فليعلم أن نتيجة أمره إن لم تكن هباء منثورا فهي ضعيفة الأثر، قدوة القدوة هي أساس التربية وأساس الإصلاح وأساس الإرشاد على الإنسان أن يكون قدوة. كان الصالحون قديما قبل أن يأمر الخطيب من يستمع خطبته بأمر يفعله قبل أن يرتقي المنبر، فمن وقف أمام الناس يأمرهم بالصدقة ينبغي أن يتصدق قبل أني يقوم أمامهم ليكون أثر الكلمة في محله وفي مكانه، فالقدوة القدوة أساس وركيزة عظيمة من ركائز الإصلاح والتربية.
وأوضح الشيخ أن الركيزة العظيمة الثانية هي أن يسوس هؤلاء الذين تحت يده باللطف والرفق والرحمة والحكمة فيضع اللين في موضعه ويغلبه فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما يكون الرفق في شيء إلا زانه وما ينزع من شيء إلا شانه ، وقال تبارك وتعالى لموسى وهارون وقد أرسلهما إلى الطاغية فرعون ليأمروه بالإسلام وترك الكفر، قال تبارك وتعالى لهما وهما يذهبان إلى طاغية جبار متكبر فقولا له قولا لينا ، فحري بالآباء حري بالمربين حري بالمصلحين أن يقولوا لمن تحت أيديهم قولا لينا، أن يرفقوا بهم وألا يستخدموا العنف إلا في محله وعلى نطاق ضيق بل تغليب اللين والرفق غرس المحبة في قلوب الأبناء من أعظم الركائز على صلاحهم وعلى تربيتهم تربية صالحة مستقيمة فإنها إرشاد النبي عليه الصلاة والسلام، كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه الحسن وهو يصلي فيقوم على كتفه وهو يصلي ولا ينزعه النبي عليه الصلاة والسلام إلا وقت سجوده من لينه ورفقه وتلطفه به، ولم يشد عليه النبي عليه الصلاة والسلام إلا لما أخذ ما لا يجوز له لما وضع في فمه طعاما من الصدقة. قال له النبي عليه الصلاة والسلام كخ كخ وهي عبارة تقال للصغير إذا أردت أن تنهاه عن شيء لأن الأنبياء وآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام لا تحل لهم الصدقة، حرام عليهم الصدقة لهذا نهاه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الأصل في تربيته له كانت قائمة على اللين والرفق والرحمة.
وذكر الخطيب بأن الركيزة الثالثة وهي من الركائز العظيمة التي يغفل عنها كثير من الناس، بل هي أساس الإصلاح ألا وهي اللجوء إلى الله دائما بالدعاء أن يصلح الله ابنك أن يصلح الله من تحت يدك فإن القلوب بيد الله تبارك وتعالى. قال تبارك وتعالى لنبيه وحبيبه وخليله عليه الصلاة والسلام: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . ونحن نقول كذلك: إنك يا أيها المربي لا تربي من تشاء باختيارك إنما التربية أساسها من الله، الصلاح من االله الاستقامة من الله فالدعاء دائما، لهذا كان من دعاء المؤمنين: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ، نسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح أبناءنا جميعا وأن يصلح أزواجنا وأن يرزقنا ذرية صالحة بمنه وكرمه.
من جانبه، أكد فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة أن صلاح الذرية واستقامة حالها وسعادتها في الدنيا ونجاتها في الآخرة مطلب أسمى وغاية عظمى من أعظم غايات بني البشر وأسمى مقاصدهم على اختلاف أجناسهم وتعدد مللهم وتنوع أحوالهم، إنها أمنية الآباء وطلبة الأمهات وأمل الصالحين وغاية المصلحين إنها دعوة الأنبياء والمرسلين، وقال الشيخ عبدالله النعمة في خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وأضاف الخطيب: الأولاد هبة الله تعالى للآباء يسر الفؤاد بمشاهدتهم وتقر العيون برؤيتهم وتبتهج النفوس بمحاذاتهم، هم ريحانة الألباب وزهرة الحياة وثمرة الفؤاد وزينة العمر المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا . روى ابن ماجة وأحد عن يعلى العامري رضي الله عنه أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضمهما إليه وقال إن الولد مبخلة مجبنة أي من أجلهم يبخل الإنسان بالمال ويجبن عن الجهاد في سبيل الله ويرغب في البقاء معهم محبة لهم وحرصا عليهم.
وبين الشيخ عبدالله النعمة أن صلاح الذرية واستقامة حالها مطلب أسمى، فهذا الخليل إبراهيم عليه السلام يقول رب هب لي من الصالحين ، وهذا نبي الله زكريا عليه السلام يدعو ربه بقوله: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ، وما زالت تلك دعوة عباد الرحمن المأثورة في القرآن والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ، قال ابن كثير رحمه الله يعني الذين يسألون الله تبارك وتعالى أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم ما يطيعه ويعبده وحده لا شريك له، قال ابن عباس يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة، ولأجل هذا اهتم الإسلام بتربيتهم وإصلاحهم وأرشد إرشادا منقطع النظير إلى سبل ذلك، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على حث الآباء والأمهات في غير ما حديث ومناسبة على تربية الأبناء، وتعاهدهم بالتنشئة الصالحة، ففي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.. إلى أن قال والرجل راع على بيت أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم . ولقد كانت تربية الأبناء المسلمين هماً من أعظم هموم المصطفى صلى الله عليه وسلم التي استغرقت جانبا عظيما من وقته ومهمته؛ فكان عليه الصلاة والسلام يعلمهم العقيدة والتقوى والإيمان يقوي صلتهم بالله تعالى ويحذرهم من الغفلة والعصيان والنشأة على غير طاعة الله، قال لابن عمه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وهو غلام صغير يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله حديث رواه أحمد والترمذي.
وأردف: وكان عليه الصلاة والسلام حريصا على تربيتهم على مكارم الآداب وحميد الخلال ففي الحديث المتفق عليه قال: قال عمر ابن أبي سلمة رضي الله عنه كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصفحة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ، هكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لهذا النشء على التربية الصالحة، والقدوة الحسنة.
وأوضح الشيخ عبدالله النعمة إن تربية الأبناء ليست مقصورة على التربية الجسمية المادية من توفير الطعام والكسوة والمسكن، إن التريبة الحقيقية الضرورية هي تربية الدين وتربية الأخلاق الفاضلة، وتنميتها في نفوس الأجيال. لقد أضاع كثير من الآباء والأمهات مع شديد الأسف مسؤولية تربية الأبناء بسبب اهتماماتهم الأخرى، فكانت الضحية هم الأبناء والبنات الذين فقدوا أبوة التوجيه والتربية والعطاء، وسلبوا أمومة الرعاية والحنان والعطف، قال ابن القيم رحمه الله: وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبت إنك عققتني صغيرا فعققتك كبيرا، وأضعتني وليدا فأضعتك شيخا.