يدفع نحو انفجار اقتصادي

الرابحون والخاسرون من كارثة فيروس كورونا

لوسيل

أحمد فضلي

هل يحول فيروس كورونا المستجد العالم إلى مدن أشباح؟ ، حقيقة هذا هو السؤال الذي يراود الغالبية العظمى من الخبراء والمحللين السياسيين، وعلى وجه الخصوص الاقتصاديون، خاصة في ظل تواتر الأنباء غير الجيدة عن اتساع رقعة انتشار الفيروس في أكثر من 50 دولة على مستوى العالم، حيث بلغ إجمالي الإصابات المسجلة والمعلنة بشكل رسمي إلى غاية الساعة السادسة من مساء أمس 82548 حالة مصابة بالفيروس، منهم 78497 حالة في الصين و1766 حالة في كوريا الجنوبية، تليها إيطاليا التي سجلت 528 حالة، ومن ثم إيران التي أعلن فيها عن تسجيل 245 حالة واليابان بتسجيل 198 حالة.

وفي ظل تلك الإحصائيات المفزعة، أطلقت بعض التصريحات الصادرة من مسؤولين في منظمة الصحة تفيد بأنه في حالة عدم احتواء الفيروس خلال الأسابيع القليلة المقبلة فإن المنظمة ستلجأ إلى إعلان حالة الطوارئ العالمية، والإقرار بتحول الفيروس إلى وباء رغم أن هناك جانبا مشرقا وبارقة أمل، خاصة بعد تعافي نحو 33252 حالة من إجمالي الحالات المعلنة نتيجة قوة مناعتهم أو التفطن إلى الحالات المصابة بصفة مبكرة، مع العلم أن العمل جارٍ الآن لإيجاد الأدوية المناسبة.

وقد ألقت التصريحات المعلنة والإحصائيات المقدمة من الجهات الرسمية بظلالها على العالم وأدخلته في حالة تخبط وعدم يقين، بل إن التأثيرات شملت الاقتصاد العالمي الذي بات يواجه خطر الانفجار في حال إعلان كورونا وباء يهدد البشرية، حيث تشير القراءات الأولية إلى فرضيات فقدان الناتج المحلي لما لا يقل عن 10% من الإجمالي المسجل في العام الماضي، أي فقدان ما لا يقل عن 8.1 تريليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى فقدان العديد من الوظائف في مختلف الاقتصادات وخاصة في اقتصاد الدول الأكثر تضررا من الفيروس، بالإضافة إلى شلل العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى كالتنقل في ظل إغلاق الحدود بين الدول وتعليق الرحلات الجوية بين مختلف العواصم وبالتالي تضرر السياحة العالمية بشكل كبير والتي تقدر إيراداتها سنويا بما لا يقل عن 2 تريليون دولار أمريكي بما يمثل سنويا نحو 2.46%.

تأثر الفنادق والمطاعم والمقاهي

ولن تقف الخسائر العالمية عند هذا الحد، بل من المتوقع أن تشمل قطاعات أخرى، في مقدمتها سلاسل المطاعم والمتاجر الكبرى والمجمعات، بالإضافة للقطاعات الحيوية والأساسية على مستوى السلع من خلال تأثر أسعار النفط التي قد تتراجع بشكل قوي إلى مستويات دون 45 دولارا، الأمر الذي سيكون له تأثير شديد على بقية القطاعات المالية والاقتصادية الأخرى، بالتالي سيدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة انكماش غير حميد في ظل ضعف الطلب على المنتجات والسلع، وبالتالي تراجع في أرباح كبرى الشركات العالمية وخاصة في قطاعات المطاعم والمقاهي الأمر الذي قد يدفعها إلى إقفال فروعها في العديد من الدول لرأب صدع الخسائر.

في مقابل ذلك ستكون هناك بعض القطاعات رابحة اقتصاديا نتيجة انتشار فيروس كورونا، وهو ما لمسناه حقيقة خلال الأيام القليلة الماضية، وفي مقدمة تلك القطاعات نجد القطاعات الطبية وعلى وجه الخصوص مختبرات الأبحاث الطبية والمختبرات الفيروسية التي تعمل على تحليل الخارطة الجينية للفيروس وفك شفرته، كذلك المختبرات الصيدلية التي تعمل صباحا ومساء على إيجاد أدوية لمعالجة الفيروس، بالإضافة إلى الشركات المصنعة للأقنعة التي ارتفعت أسعار أسهمها آلاف المرات مقارنة بما كانت عليه نهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، كذلك ستكون المستشفيات الخاصة في دول العالم النامي مستفيدة اقتصاديا من الفيروس.

ومن المفارقات العجيبة أن قطاعا آخر وغير متوقع سيكون من أبرز الرابحين نتيجة أزمة كورونا، هذا القطاع هو القطاع التكنولوجي، الذي سيستفيد بشكل كبير من ذلك من خلال توسع التجارة الإلكترونية تجنبا للاختلاط في المجمعات التجارية العادية.

بين هذا وذاك أين تتجه الأسواق العالمية والاقتصاد ككل؟، هل نحن نقف حقيقة على قارعة انفجار أزمة مالية واقتصادية سببها فيروس على خلاف التوقعات بأن تكون نتيجة حرب تجارية أو حرب تقليدية وتشبع للأسواق أو تقلبات سياسية في عدد من الدول المؤثرة في العالم، ومن هم الرابحون والخاسرون من الفيروس؟، وهل فيروس كورونا سيساهم في خلق فرص استثمارية جديدة تجعل المستثمرين يعيدون هيلكة استثماراتهم خلال العام الجاري، في ظل مختلف التحديات التي يفرضها فيروس كورونا، وغيره من التحديات المختلفة.

النقل الجوي والبحري والسياحة يدفعون للانكماش الاقتصادي

تشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر الاقتصادية العالمية قد تصل إلى ما لا يقل على 2 تريليون دولار أمريكي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، نتيجة الفيروس، مع ارتفاع التوقعات بحدوث أزمة مالية واقتصادية نتيجة فيروس كورونا المستجد، حيث تعززت توقعات حدوث أزمة مالية لترتفع بنسبة 30% مقارنة بالنسبة المسجلة نهاية العام الماضي والتي كانت عند مستوى 15% بشكل إجمالي.

إلى ذلك، فقد شرعت العديد من المؤسسات الاقتصادية والمالية في إطلاق صيحة فزع من ركود اقتصادي عالمي مرتقب وخسائر كبيرة ستصيب الاقتصاد العالمي بشكل، حيث سيكون قطاع النقل الجوي والنقل البحري أكبر القطاعات الخاسرة والمتضررة من هذا الفيروس، خاصة أنه تفشى في عدد من الدول الأوروبية وبشكل غير مسبوق بلغ شرارته في إيطاليا ومن ثم فرنسا التي حذر رئيسها مساء أمس من خطر هذا الفيروس قائلا إن تفشي وباء فيروس كورونا في فرنسا أمر حتمي، فوفقا للاتحاد الدولي للنقل الجوي اياتا من المرتقب أن تحقق إيرادات النقل الجوي العام الجاري انخفاضا بنحو 29.3 مليار دولار أمريكي، نتيجة انخفاض مستويات الطلب على الرحلات الجوية بنسبة 13% خلال العام الجاري في منطقة آسيا، وبالتالي تسجيل انخفاض إيرادات الركاب بنسبة 5%، وبالتالي تراجع الطلب العالمي بنسبة 4.7%، وقد يرتفع مستوى الخسائر في حال تواصل الحد من الرحلات الجوية بين الدول وإغلاق الحدود الجوية والبحرية في محاولة للحد من انتشار هذا الفيروس على المستوى العالمي، بالتالي قد تلجأ شركات الطيران إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات التقشفية مع تقديم مجموعة من العروض التجارية للعمل على الحد من تلك الخسائر.

أما القطاع الثاني الذي سيتكبد خسائر فعلية في حال عدم السيطرة على الفيروس، هو قطاع النفط الذي سيتأثر طبعا بحركة النقل بدرجة أولى البحري وبالتالي تراجع الشحن البحري سيؤثر على مواعيد تسليم الشحنات والطلبات، بالإضافة إلى أن عزوف الناس عن الحركة التجارية والتنقل حتى داخل المدن من شأانه أن يسهم في فرملة مستويات الطلب على النفط، وخاصة في الصين التي قد تنخفض طلباتها من النفط ويتراجع مؤشرها الصناعي خلال العام الجاري، في مقابل ذلك سيكون هناك ارتفاع في مستويات العرض من النفط بالتالي قد نشهد عمليات ضغط كبيرة على الاسعار التي قد تنهار إلى مستوى أقل من 40 دولارا أمريكيا وربما أقل من ذلك.

وفي ظل التوصيات التي تطلقها الجهات الطبية للأفراد بضرورة توخيهم الحذر عند الاختلاط وفي التجمعات وبضرورة اتباع قواعد السلامة الصحية، قد تدفع تلك التوصيات بملايين الأفراد لتجنب المجمعات التجارية وكبرى المحلات التي تشهد إقبالا كبيرا خاصة في مواسم التخفيضات التجارية، وأمام تراجع الإقبال من الأفراد على الشراء فمن المتوقع أن تشهد تجارة التجزئة ضررا ملحوظا نتيجة هذا الفيروس. في نفس الإطار، في علاقة مباشرة بالأفراد قد تتأثر مستويات الإقبال على المقاهي والمطاعم تجنبا للاختلاط وعدم يقين في مدى سلامة الأطعمة ونظافة العاملين في تلك المطاعم من الفيروس خاصة أن أعراضه لا تظهر إلا بعد مرور 14 يوما كاملة.

العوامل سالفة الذكر سيكون لها تأثير غير مباشر على عدد من القطاعات الأخرى، وفي مقدمتها القطاعات النقدية، حيث إن الإقبال على الحصول على تمويلات نقدية من البنوك والمصارف قد ينخفض إلى مستويات أقل من المسجل خلال العام الماضي، مقابل تحول فئة كبيرة من الأفراد نحو الادخار والإيداع بشكل أكبر من قد يرفع من مستويات الانكماش الاقتصادي ويحد من العمليات التوسعية في الأسواق التجارية، وبالتالي قد ينسحب التعطل التجاري على العديد من القطاعات الرئيسية كتجارة السيارات وإدارة الاستثمار، خاصة في ظل تصريحات البعض من كبار المستثمرين ان توجهاتهم الاستثمارات في عدد من الأسواق ستتم مراجعتها بشكل يتوافق مع توجهات الأسواق خلال الفترة المقبلة في ظل فرضيات بتقلبات سوق العملة بشكل ملحوظ. ولعل أبرز الخاسرين من كارثة كورونا، ستكون شركات التأمين وإعادة التأمين لأن قوائمها المالية قد تتضرر بشكل كبير نتيجة التغطية التأمينية الصحية للمرضى وللشركات المتضررة من الكوارث والأزمات الناجمة عن الأزمة.

المختبرات الطبية والتجارة الإلكترونية أبرز الرابحين

على صعيد آخر، كما سيكون هناك خاسرون نتيجة فيروس كورونا، سيكون هناك رابحون من هذا الفيروس، أو مستفيدون من هذا الفيروس، وفي مقدمتهم مراكز الأبحاث العلمية وما يتبعها من مراكز طبية ودوائية بالإضافة الى المختبرات الطبية، والمستشفيات الخاصة الموجودة في دول العالم الثالث بسبب هروب المرضى من المستشفيات العامة نتيجة تردي أوضاع الرعاية هناك وتكدس المرضى من ضعاف الحال، حيث سترتفع تكلفة العلاج في المصحات الخاصة إجمالا وبالتالي يمكن القول إن الأزمة من الناحية الصحية ستنتج إيرادات ضخمة للقطاع الخاص. ويرى خبراء أن فيروس كورونا سيصنع أباطرة في صناعة الأدوية والأقنعة والعلاجات المتصلة بالصحة. وغير بعيد عنهم سيكون هناك قطاع استهلاكي مستفيد بدوره من الأزمة، هو قطاع مواد التنظيف والتقييم والتطهير حيث سيرتفع الإقبال على تلك المواد بشكل كبير.

أما على المستوى المالي أبرز الرابحين هم متصيدو الفرص الاستثمارية في الأزمات او ما يعرفون بأمراء الأزمات من زيادة استثماراتهم في القطاعات الحيوية والمضاربة في قطاعات أخرى، خاصة بعد تراجع العديد من الأسواق المالية، وفي مقدمتهم الأسواق المالية الآسيوية والأسواق الأوروبية، بالإضافة إلى الأسواق الأمريكية التي تواجه بالتوازي مع كورونا تحديات جيوسياسية خاصة أن أمريكا مقبلة على انتخابات رئاسية.

قطاع آخر مستفيد وهو قطاع التكنولوجيا، فبعد انتشار الفيروس وتخوف الناس من الأماكن العامة والاختلاط، سيختار العديد من الأفراد البقاء في المنزل واقتناء حاجياتهم من المواد الاستهلاكية من خلال التجارة الإلكترونية خاصة في الدول المتقدمة التي تولي أهمية كبرى لهذا النوع الناشئ من التجارة والذي بلغت إيرادته نحو 3.5 تريليون دولار أمريكي نهاية العام الماضي، وبالتالي من المتوقع أن ترتفع العام الجاري إلى مستويات لا تقل عن 4 تريليونات دولار أمريكي.

إلى أين تتجه الأسواق؟

بدأ العديد من الخبراء والمحللين الماليين بإطلاق صيحة فزع حقيقية من خطورة فيروس كورونا من الناحية الصحية والاقتصادية على حد السواء، حيث يقول المحلل المالي أحمد عقل في حديثه لـ لوسيل إن الموضوع أصبح خطيرا في ظل عدم السيطرة على الفيروس إلى حد الآن حيث إن خطورته الصحية تتشكل في سرعة انتشاره وغياب دواء مضاد للفيروس، وتابع قائلا الفيروس ظهر وانتشر في الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وهو من أكبر الاقتصاديات المستوردة للمواد الأولية أو المصدرة للمواد النهاية بالإضافة إلى المنتجات الوسطية، وقد لاحظنا عزل العديد من الدول وتعليق عمل العديد من المصانع تجنبا للعدوى .

وقال إن أي ضربة للاقتصاد الصيني تعتبر الأكثر تأثيرا بحكم ترابط الاقتصاد الصيني، وهو ما انعكس على النقص الكبير خلال الأيام القليلة الماضية في عدد من المواد، مضيفا أن تواصل إغلاق المصانع من شأنه أن يؤدي إلى نقص في الكثير من المنتجات وتأخر مواعيد التسليم، وفعليا قد بدأنا في الأيام الماضية نلحظ ارتفاعا في عدد من المنتجات خاصة في مجال الإلكترونيات التي ارتفعت أسعارها خوفا من فقدانها من الأسواق، كذلك لاحظنا تراجع الطلب على النفط .

وأشار إلى أنه في حالة تواصل عدم السيطرة على الفيروس فإن مستويات النمو تسير نحو التراجع، خاصة أن ثلث النمو العالمي يأتي من الصين.

وبالنسبة لتأثر الأسواق المالية، قال إنه بعد إغلاق العديد من المصانع وتأثر أعمال كبرى الشركات التي لها تأثير على الأسواق والبورصات العالمية، شهدنا تراجعات كبيرة على غرار الأسواق الأمريكية التي ترتبط بشكل كبير بالسوق الصيني، حيث سجل تراجع المؤشرات الأمريكية بأكثر من 2000 نقطة خلال يومين، وتابع قائلا في ظل تواصل حالة القلق من المتوقع أن تستمر تراجعات الأسواق المالية خاصة الأسواق الناشئة، وهنا لابد من الإشارة إلى أن اللاعب الأجنبي سيعمل خلال الفترة المقبلة على سحب سيولته ونقلها من سوق إلى آخر، إما لإغلاق مراكز مالية أو تعويض خسائر أو استغلال فرص استثمارية نتيجة تراجع الأسعار .