ألمح مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي أمس الأربعاء إلى أنه من المرجح أن يرفع أسعار الفائدة في مارس وأعاد تأكيد خططه لإنهاء مشتريات السندات في ذلك الشهر قبل أن يبدأ خفضا كبيرا في حيازاته من الأصول.
وقال البنك المركزي في بيان في ختام اجتماع للجنته للسياسة النقدية مع تضخم أعلى كثيرا من اثنين بالمئة وسوق عمل قوية، تتوقع اللجنة أنه سيكون من الملائم قريبا رفع النطاق المستهدف لمعدل فائدة الأموال الاتحادية. وقال أيضا إن أعضاء اللجنة اتفقوا على مجموعة من المبادئ لتقليص كبير لحجم حيازاته من الأصول. وأضاف أن تلك الخطة ستبدأ بعد رفع أسعار الفائدة، لكنه لم يذكر موعدا محددا.
وأكد المركزي أن مكاسب الوظائف كانت قوية في الأشهر الأخيرة ومعدل البطالة انخفض بشكل كبير، وأن مؤشرات النشاط الاقتصادي والتوظيف ما زالت تشير إلى أداء قوي، وأوضح أن اختلالات العرض والطلب المرتبطة بالجائحة وإعادة فتح الاقتصاد مازالا يساهمان في ارتفاع التضخم، وسيكون من الملائم قريبا رفع المعدل المستهدف لفائدة الأموال الاتحادية.. وكان البنك المركزي الأمريكي قد أعلن مساء أمس عن إبقاء سعر الفائدة الرئيسي بدون تغيير عند 0.25 بالمئة.
وشهد العالم خلال الفترة الأخيرة وبالأخص خلال العام 2021 ومطلع العام الجاري تسجيل مستويات تضخم مرتفعة جدا اصبحت تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، وقد تعصف بالعديد من الدول، وعلى وجه الخصوص الدول التي تشهد تضخما ويقابله انكماش اقتصادي في ذات الوقت، نتيجة التحديات التي خلفتها جائحة فيروس كورونا المستجد والمعروف اختصارا بفيروس كوفيد 19، ويعرف هذا النوع من التضخم بالركود التضخمي.
وتشير الإحصائيات الى أن التضخم العالمي ارتفع بنسبة تناهز مستوى 5.8% على أساس سنوي وفقاً لمؤشر أسعار المستهلك الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو معدل لم يشهده العالم منذ عقود. كما تجدر الإشارة إلى أن معظم الاقتصادات المتقدمة شهدت ارتفاعاً سريعاً في التضخم على غرار الولايات المتحدة الأمريكية التي شهدت اكبر موجة تضخم نهاية العام الماضي لم تسجلها منذ 40 عاما، كما إن الأسعار تسجل ارتفاعا متسارعا في الاتحاد الاوروبي اكثر من أي وقت مضى، وتحديدا منذ إدخال عملة اليورو إلى الاتحاد الأوروبي، فقد بلغ معدل التضخم السنوي في المملكة المتحدة 5.4%، باستثناء اليابان.
الى ذلك، فإن صندوق النقد الدولي أعاد دق جرس الخطر اول امس في ما يتعلق بمستويات التضخم العالمي، حيث قال صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر صباح الاربعاء إنه من المتوقع أن يستمر التضخم المرتفع لفترة أطول من المتصور في عدد أكتوبر من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، مع استمرار الانقطاعات في سلاسل الإمداد وكذلك أسعار الطاقة المرتفعة في عام 2022. وبافتراض بقاء توقعات التضخم على مستوى جيد من الثبات حول الركيزة المستهدفة، فمن المتوقع أن ينخفض معدله تدريجيا مع انحسار الاختلالات بين العرض والطلب في عام 2022 واستجابة السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى، وتابع صندوق النقد الدولي قوله انه مع انتشار سلالة أوميكرون الجديدة المتحورة من فيروس كوفيد-19، عادت البلدان إلى فرض قيود على الحركة وأدى تصاعد أسعار الطاقة والانقطاعات في سلاسل الإمداد إلى ارتفاع التضخم واتساع نطاقه عن المستويات المنتظرة، ولا سيما في الولايات المتحدة وكثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، حيث باتت آفاق النمو محدودة أيضا في الصين من جراء الانكماش الجاري في قطاع العقارات وبطء تعافي الاستهلاك الخاص مقارنة بالتوقعات.
وتوجد العديد من الآليات الاقتصادية سواء مالية أو نقدية التي تنتهجها الدول لمواجهة التضخم وكبح جماحه عند المستويات المنطقية والمعقولة.
من الناحية الاقتصادية والعلمية يوجد 13 نوعا من التضخم وعلى رأسها التضخم الزاحف والتضخم المتسارع والتضخم الجامح والتضخم المفرط والركود التضخمي والتضخم الأساسي وتضخم الأجور والتضخم السالب. الى ذلك فإن التضخم يتمثل في ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهناك أربعة أنواع رئيسية من التضخم مصنفة بحسب سرعة ارتفاع الأسعار، كما أن هناك أنواعا محددة من التضخم مثل تضخم الأصول وكذلك تضخم الأجور. ويصنف بعض الاقتصاديين تضخم الطلب والتضخم الناجم عن التكاليف ضمن فئة مستقلة، وكذلك التضخم الناتج عن ارتفاع المعروض النقدي.
تنتهج أغلب الدول لكبح وتعديل مستويات التضخم عند المستويات الطبيعة او ضمن المجال المعروف باسم التضخم الزاحف، مجموعة من الادوات الاقتصادية وعلى رأس تلك الأدوات تأتي السياسة النقدية، عبر العمل على تعديل المؤشرات النقدية الرئيسية وفي مقدمتها أسعار الفائدة الرئيسية والتي يحددها البنك المركزي سواء تتعلق بأسعار الفائدة على الإيداع او أسعار الفائدة على الإقراض او نسبة الاحتياطي الإلزامي وهي نسبة من الودائع التي هي لدى البنوك يتم وضعها لدى البنك المركزي لمعدل ليلة واحدة فأكثر، بالاضافة الى استخدام الادوات النقدية الاخرى على غرار طرح مجموعة سندات بأسعار فائدة وعوائد مالية عالية عليها.
وقصد تبسيط العملية فإن البنوك المركزية تعمد الى هذه الاليات قصد تقليص وسحب النقود والاوراق النقدية المتداولة في السوق الى مستويات معقولة، وبالتالي ينقص حجم النقود لدى الناس بما ينعكس على المستهلكين بشكل غير مباشر عبر العزوف عن شراء السلع والبضائع غير الاساسية، وبالتالي يحدث عرض اكبر للسلع مقابل نقص في الطلب وبالتالي تنخفض اسعار السلع والبضائع.
ويشار في ذات الاطار انه عند رفع اسعار الفائدة على الإقراض فإن الأفراد يحجمون على الحصول على الاقراض على اعتبار ارتفاع تكلفة خدمة الدين، بالاضافة الى ذلك عند ارتفاع اسعار الفائدة على الايداع فإن العديد من المستثمرين وحتى الافراد سيختارون ايداع كل مدخراتهم في البنوك من اجل الحصول على عائد على اموالهم.
نشط الفيدرالي الأمريكي خلال العامين الماضيين على عدة أصعدة في ما يتعلق بالتيسير الكمي وضخ النقود في الاقتصاد الأمريكي من اجل تنشيط الاقتصاد الامريكي وتجاوز أزمة وتحديات جائحة كورونا، وذلك عبر تخفيض اسعار الفائدة الى مستويات صفرية بدرجة اولى من ثم شراء الأصول والأوراق المالية والتجارية بكميات كبيرة من اجل ضخ مزيد من الدولارات والاموال في الاقتصاد لتحفيز الانشطة الاقتصاد والناس على الاستهلاك. واليوم بعد تعافي الاقتصاد الامريكي وبداية ظهور مؤشرات ايجابية على مستوى مجموعة من المؤشرات الرئيسية وفي مقدمتها الوظائف الأمريكية وأمام تتالي التصريحات الرسمية من قبل مسؤولي الفيدرالي الامريكي عن اكثر من زيادة محتملة للفائدة الأمريكية خلال العام الجاري، بالاضافة الى تخفيض مستويات شراء الاصول من قبل الفيدرالي الامريكي، وامام هذه الزيادة والتحركات النقدية فإنه من المرتقب ان نشهد محاولات ربما قد تضغط الى حد ما على التضخم نتيجة عودة الاموال الى البنوك والمصارف الامريكية تدريجيا، لذلك قد تكون هناك بعض الانعكاسات المباشرة على الاسواق المالية وبدرجة اساسية في السوق الامريكية والتي قد تشهد ربما بعض الانخفاضات، خاصة اذا كانت هناك زيادة اعلى من المتوقع بالتالي قد تهاجر بعض الاستثمارات من سوق الاسهم نحو البنوك اذا ما كانت نسبة الفائدة على الايداع اعلى من العائد المحقق من سوق المال.