موجة من الاحتجاجات شهدها الشارع التونسي هذه الأيّام، مردها مقترح لمشروع قانون (المصالحة الاقتصادية)، تقدّم به الرئيس الباجي قايد السبسي أواخر عام 2015، سيعفو في حال إقراره بعد المصادقة عليه من قبل البرلمان عن نحو 400 رجل أعمال، و1500 من كبار الموظفين، ووزراء ومحسوبين على نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي متورطين في قضايا فساد.
وتزامنًا مع بدء مناقشته قبل أيّام أمام لجنة التشريع العام التابعة للبرلمان ومن ثمة إحالته على الجلسة العامّة، يتصاعد الجدل في تونس بشأن هذا القانون، ما خلّف تساؤلات عن حظوظ تمريره، والمصادقة عليه لاسيما مع ما يلقاه من معارضة شديدة في أوساط المجتمع المدني، وبعض الأحزاب.
في المقابل، عبرّت حركة النهضة صاحبة أكبر حصة نيابية في كثير من الأحيان عن رفضها لهذا المشروع في نسخته الحاليّة، داعية إلى إدخال تعديلات إضافيّة عليه بما يتلاءم مع الدستور، وبما يضمن عدم المساس بمسار العدالة الانتقاليّة.
وفي غضون ذلك، يُعوّل عدد من رجال الأعمال على هذا القانون، ويعتبر مؤيدوه أنه سيكون دافعا للحركة الاقتصادّية ، التّي لا تزال راكدة على الرغم مما شهدته في الربع الأول من عام 2017 من تحسن طفيف بتحقيق نسبة 2.1%، وفقا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء التونسي.
وفي حديث للأناضول قال، الطيب المدني، رئيس لجنة التشريع العام والنائب عن حركة نداء تونس ، إن أهم تعديل قمنا به (في قانون المصالحة)، يتمثل في تركيبة لجنة المصالحة، التي كانت تُعيّن من رئاسة الحكومة، ولكن وفق النسخة الجديدة فإنّها ستكون تركيبة مستقلة يُعيّن أعضاءها الهياكل المهنيّة، وهو ما يعطي مصداقيّة أكثر لعملها . وأضاف: نحن واعون بضغط الشارع، ولكن القوانين لا تصاغ في الشارع، وإنما في المجلس، الذّي هو سيقرر المصادقة من عدمها.. فهو قانون فيه نفس حزبي، ومن يمارس ضغطًا في الشارع هو أيضًا حزبي . يأتي ذلك في وقت، حذّرت مجموعة الأزمات الدولية ،
قبل أيام من استشراء ظاهرة الفساد والرشوة وتفاقم الاقتصاد الموازي ، محذرة من اتساع الفوارق الاجتماعية واستفحال التهميش الجهوي (بين المحافظات) . واحتلت تونس المرتبة 75 عالمياً من بين 176 دولة، وفق تقرير نشرته منظمة الشفافية الدولية حول مؤشر مدركات الفساد لعام 2016، خلال وقت سابق من العام الجاري، مسجلة تحسناً طفيفا مقارنة بـ 2015، الذي حصلت فيه على المرتبة 76 عالمياً.
وفي تصريح للأناضول، قال المحلل السياسي كمال الشارني، إنه بالنظر إلى عدد مقاعد نداء تونس، والنهضة، قد يتم التصويت على هذا القانون، ولكن بالعودة لضغط الشارع والرأي العام، فهناك رفض كبير له بصفته الحاليّة، وبالتالي توقع التخلي عنه . وكانت هيئة الحقيقة والكرامة ، عرضت قبل أيام خلال جلسة استماع علنية بثتها وسائل إعلام تونسية شهادة لأحد أشهر المتورطين في الفساد المالي والإداري وهو عماد الطرابلسي، صهر الرّئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الذّي اعترف بتجاوزات اقترفها، وأكّد تواصل عمل منظومة الفساد في البلاد، وتورط رجال أعمال معروفين في الفساد والتهريب . غير أن المدني، اعتبر تلك الشهادة مسرحية سيئة الإخراج والتوقيت، وأنّه لا يمكن لهذه الشهادة أن تضرب قانون المصالحة كما يروج البعض ، حسب قوله.
من جهته، اعتبر شفيق العيّادي أنّ تلك الشهادة سيكون لها تأثير على مسار مشروع قانون المصالحة، وهي ستبيّن للشعب التونسي أنه لا بد من المحاسبة . وأشار النّائب عن الجبهة الشعبية ، إلى أن شهادة عماد الطرابلسي نقطة من بحر شهادات أخرى، يجب أن تكشف أمام الشعب التونسي، وتتم محاسبتهم وجبر الضرر، الذّي لحق بالمؤسسات العمومية التّونسية، والذّي مُورس بحق التونسيين ، مشددًا: ولذلك نحن مصرّون على تطبيق العدالة الانتقاليّة .