

يمثل معجم الدوحة التاريخي للغة العربية خطوة نوعية في توثيق تاريخية اللغة العربية وتطور ألفاظها ودلالاتها عبر العصور، منذ القرن الخامس قبل الهجرة وحتى العصر الحاضر.
ويجمع هذا المعجم بين الدقة العلمية والبحث التاريخي والموسوعية الثقافية، إذ يوثق كل لفظة بمشتقاتها وشواهدها الاستعمالية وأول استخدام لها والمصادر التي اعتمد عليها، مع إمكانية مقارنة الألفاظ بالنظائر في لغات أخرى. وأكد عدد من المعجميين القائمين على المعجم، أنه أداة بحثية وتعليمية متكاملة، تتيح للباحثين والطلاب والمثقفين دراسة تطور المعاني والمصطلحات، وتصحيح الاستخدامات، واستنباط مشاريع علمية كبرى، كما يوفر منصة رقمية ضخمة تحتوي على مليار كلمة، ما يعزز التطبيقات التقنية الحديثة للغة العربية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية، مؤكداً دور قطر في خدمة اللغة العربية والحفاظ على هويتها الثقافية والحضارية.

الدكتور رمزي البعلبكي: مرجعية رائدة تسهم في نهضة لغة الضاد
وصف الدكتور رمزي البعلبكي، رئيس المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي، معجم الدوحة التاريخي بمرجعية علمية رائدة للباحثين والطلاب والمثقفين، مؤكدا أنه يسهم في نهضة اللغة العربية وحفظ تراثها الحضاري والدلالي بما يتماشى مع رؤية دولة قطر في تعزيز الهوية اللغوية.
وكشف البعلبكي، عن التحديات العلمية الكبيرة التي واجهها فريق العمل خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن اللغة العربية من أوسع لغات العالم، إذ تحتوي على ما يقارب 12,000 جذر، ولكل جذر مئات المشتقات التي تتطلب تتبعًا دقيقًا منذ أول استعمال لها حتى التحول إلى مصطلحات متخصصة، مع رصد الشواهد الاستعمالية ومقارنة الألفاظ بالنظائر في لغات أخرى.
وأوضح البعلبكي أن المرحلة الثانية من العمل شهدت انفجاراً معرفياً بعد القرن الثاني للهجرة نتيجة كثرة المصادر المتاحة، لكن المثابرة والدعم المستمر من دولة قطر مكّنا فريق المعجم من التغلب على معظم الصعوبات، مع التأكيد على أن المعجم سيظل مؤسسة قائمة على التجديد والتحليل المستمر.
وأشار إلى أن معجم الدوحة التاريخي ليس حكراً على الأكاديميين فقط، بل هو أداة لكل مثقف عربي يسعى لفهم اللغة العربية واحترامها، حيث اعتمدت عليه أبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم البحتة لاستعراض تطور المعاني والمصطلحات عبر الزمن.
ولفت البعلبكي إلى أن المدونة اللغوية الضخمة التي أنشأها المعجم تعد إنجازاً غير مسبوق في العالم العربي، وتضم أكثر من 300,000 مدخل معجمي ومليار كلمة، مما يتيح للمستخدمين الوصول بسهولة إلى المعلومة عبر الشواهد، مع تتبع الجذور والاشتقاقات لكل لفظة.
وأكد أن المعجم سيستمر في خدمة البحوث العلمية واللغوية، من خلال تحديث المحتوى، تصحيح الأخطاء، وتطوير التطبيقات التعليمية والتقنية، بما يضمن استمرار المعجم على غرار المعاجم التاريخية الكبرى في اللغات الأخرى، مع مراعاة كل المستجدات الحديثة في البحث اللغوي.

د. رشيد بلحبيب: هدية علمية للعالم العربي
وصف الدكتور رشيد بلحبيب، نائب المدير التنفيذي السابق ورئيس اللجنة العلمية لمعجم الدوحة التاريخي، اكتمال المعجم بأنه هدية للأمة بمناسبة الاحتفال العالمي باللغة العربية.
وأوضح أن المعجم يتيح للقارئ العربي الاطلاع على سيرة كل كلمة عربية منذ أول استعمال لها حتى العصر الحاضر، وتطور معانيها الدلالية عبر الزمن، ما يمكّن من فهم الألفاظ في سياقها الحضاري والعلمي. وأشار بلحبيب إلى أن المعجم يمكّن الباحثين من إجراء مقارنات دقيقة بين المعاني التطورية للألفاظ، وفتح المجال أمام مشاريع علمية كبرى مستمدة من محتواه. ومن هذه المشاريع، يبرز مشروع تفصيح العاميات العربية، الذي كشف أن العديد من الألفاظ التي يُعتقد أنها عامية في الواقع موغلة في الفصاحة العربية، مثل كلمة «يخربق» في الدارجة المغربية، التي تعود أصولها إلى اللغة الفصحى وتعني «إفساد الشيء»، وكلمة “زير” بمعنى “أحكم القبضة”، التي وردت شواهدها في الشعر الجاهلي والعصر العباسي. كما أشار إلى مشروع التصحيح اللغوي، الذي يسمح بتقويم الاستخدامات الشائعة لبعض الكلمات، مثل كلمة “مرآة”، مؤكداً أن المعجم يثبت أكثر أشكال الاستخدام شيوعاً ودقة، وهو ما يعزز دقة اللغة العربية في التعليم والبحث.
وعن التقنيات، أضاف بلحبيب أن رقمنة المعجم على الإنترنت توفر منصة ضخمة تحتوي على مليار كلمة، ما يجعلها أداة أساسية لتطوير التطبيقات الحاسوبية والذكاء الاصطناعي في اللغة العربية، مثل الترجمة الآلية والتحليل النحوي والدلالي. وأوضح أن هذا يتيح اختبار وتحسين المحللات اللغوية، مع تقديم بدائل غنية للمشتقات اللغوية والكلمات النادرة.
وأشار إلى أن المعجم يتيح استكشاف أصول الكلمات الأعجمية والسامية، بما في ذلك المقارنة بين العربية والنقوش القديمة واللغات السامية مثل العبرية والآرامية، مما يوسع أفق البحث اللغوي والتاريخي.

الدكتور آدي ولد آدب: مرجع استثنائي للباحثين والطلاب والمعلمين
قال الدكتور آدي ولد آدب الخبير اللغوي في معجم الدوحة التاريخي، يشكل المعجم خطوة نوعية واستثنائية مقارنة بالمعاجم العربية التي تعاقبت على مدار عشرين قرناً. ففي حين ركزت أغلب المعاجم على جانب لغوي محدد، جاء معجم الدوحة ليكون الأول الذي يولي اهتماماً تاريخياً بالألفاظ العربية، رصدًا لتطورها الدلالي عبر العصور، وانتقالها من معنى إلى آخر بناءً على شواهد استعمالية حية لمستعمل معروف، مع تحديد تاريخ الاستخدام وتوثيق المصدر.
وأوضح أن هذا المعجم يعتمد على منهجية علمية جديدة في صناعة المعاجم، ترتكز على تاريخية اللغة وفهم تطور الكلمات من بداياتها حتى عصرنا الحاضر. ويُعد هذا الاستثمار المعجمي الجديد حجر الزاوية الذي مكن الباحثين والمختصين من تتبع التغيرات الدلالية واللغوية للكلمة، واستنباط المعاني الدقيقة وفق السياق التاريخي لكل استعمال. وأضاف، الخبير اللغوي، أنه من خلال هذا الأسلوب، استطاع المعجم أن يسهم في تسليط الضوء على تاريخية اللغة العربية، ويعطي صورة متكاملة عن كيفية تحول المعاني وتفاعلها مع الفكر والثقافة والمجتمع عبر الزمن، مما يجعله مرجعاً استثنائياً للباحثين والطلاب والمعلمين.

حمد خالد البنعلي: المشروع يأتي في ظل غزو ثقافي وتراجع لغوي
اعتبر الباحث حمد خالد البنعلي مهتم باللغة العربية وآدابها، أن إطلاق معجم الدوحة التاريخي يأتي في ظل “الغزو الثقافي والفكري وتراجع اللغة العربية عموماً عند الناس”، واصفا المعجم بأنه مثل “الشمس المشرقة” التي تأمل أن يكون لها وقع كبير على الباحثين. وأكد أن المشروع يُعدّ “بادرة عظيمة وجبارة”، مشيرا إلى أنه ليس نهاية بحد ذاته، بل “استهلال لما سيأتي بإذن الله”. وتوقع أنه سيكون بوابة كبيرة لمرور اللغة العربية وفخامتها وسعتها إلى الذكاء الصناعي والعالم الرقمي بشكل أكثر دقة من ذي قبل.وأشار إلى ضخامة المشروع، مبيناً أنه يحدد المعاني التاريخية لكل مصطلح، ويضم نحو مليار كلمة، مما يجعله “مشروعاً ضخماً جداً”. وأكد أن دولة قطر حرصت على رعايته، وجاء اسم المعجم معجم الدوحة التاريخي تقديراً لمبادرة قطر في التخطيط والرؤية وجمع الكوادر والعقليات اللغوية من كافة أقطار العالم العربي”. ونوه البنعلي بأن أهمية المعجم تكمن في إثراء الساحة الإلكترونية وإثراء الذكاء الصناعي بمعاني دقيقة للغة العربية، وتوضيح المعاني المتعددة للكلمة الواحدة.
د .علي الكبيسي: نهضة حضارية حقيقية
أكد الدكتور علي الكبيسي، عضو المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي، أن اكتمال المعجم يمثل نهضة حضارية حقيقية للغة العربية، إذ يؤرخ لكل كلمة منذ أول استعمال لها وحتى العصر الحالي، مع توثيق تطورها التاريخي عبر الزمن.
وأوضح الكبيسي أن العمل على المعجم بدأ عام 2000، وواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية وأدوات العمل التكنولوجية في بدايات المشروع، لكنه تمكن من تجاوزها بفضل الدعم الكبير والمتواصل من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الذي حضر حفل اكتمال المعجم.
وأشار إلى أن المعجم يوفر مداخل واسعة للباحثين، سواء لدراسة الدلالة اللفظية والمعجمية للكلمات، أو لمعرفة أول استعمال لكل لفظ ومن استعمله، مع اعتماد الشواهد النصية لكل مدخل، مؤكداً أن العمل على كل لفظة يتطلب وقتاً طويلاً من المحررين والمراجعين لضمان دقة المعنى وسياقه التاريخي. ولفت الكبيسي إلى أن جهود دولة قطر في خدمة اللغة العربية لا تقتصر على معجم الدوحة التاريخي، بل تشمل قوانين حماية اللغة، ودعم مؤسسات التعليم والبحث مثل جامعة حمد بن خليفة ومعهد قطر لبحوث الحوسبة، بالإضافة إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي مثل مشروع “فنار”، فضلاً عن المبادرات الثقافية والتعليمية التي تنفذها وزارة الثقافة وكتارا.
وختم بالقول إن هذه الجهود المتكاملة تعكس التزام قطر بالحفاظ على اللغة العربية وتعزيز مكانتها في البحث العلمي والتقنيات الحديثة، مؤكداً أن معجم الدوحة التاريخي يمثل أداة مركزية للباحثين والمعلمين والطلاب على حد سواء.
د. أحمد درويش: جسر بين التاريخ والعلوم والمناهج التعليمية
أكد الدكتور أحمد درويش منسق اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، أن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية يُعد من المعاجم اللغوية الرائدة، حيث يوثق تاريخ استعمال ألفاظ اللغة العربية منذ القرن الخامس قبل الهجرة وحتى العصر الحالي، مع رصد التحولات الدلالية والبنيوية لكل لفظ، ومستعمليه عبر العصور.
وأشار درويش إلى أن هذا المعجم يوازي المعاجم التاريخية الكبرى في أوروبا، مثل معجم أكسفورد في إنجلترا والمعجم الألماني، حيث استمرت جهود إنشائها عقوداً طويلة، ما يعكس اهتمام الأمم العظيمة بلغتها.
وعن الفوائد التعليمية، لفت إلى أن المعجم يجمع التراث الأدبي والديني والعلمي والثقافي، ويرسم التطورات الدلالية للألفاظ، ما يسهم في تعزيز فهم اللغة العربية كنظام حي متطور.
وأضاف أن الباحثين سيستفيدون منه عبر الوصول إلى أكثر من 300 ألف مدخل معجمي و10 آلاف جذر لغوي مع مليار كلمة، مع إمكانية البحث الزمني والصرفي والتركيبي على مدى عشرين قرناً. أما بالنسبة للمناهج التعليمية، فاقترح درويش دمج أجزاء من المعجم تدريجياً بدءاً من المرحلة الابتدائية، من خلال دراسة تطور الكلمة عبر الزمن، ثم التوسع في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ليكتسب الطالب وعيًا بأن اللغة كائن حي تتطور مع الزمن وتستوعب المستحدث من المفردات والمعاني.
وأوضح مثالاً على تطور الكلمة عبر الزمن، مستشهداً بكلمة «نور»، التي تحولت من معنى الضوء الواضح إلى مصطلحات فلسفية ودينية، ثم استخدامات حديثة في العلوم والفنون والمسرح، ما يبرز أثر التطور الثقافي والمعرفي على اللغة.
د. مصطفى السواحلي: يسعى إلى تحديد أول استعمال للكلمة
أكد الدكتور مصطفى محمد رزق السواحلي، أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر الشريف، وأحد خبراء معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، أن بناء هذا المعجم واجه صعوبات علمية ومنهجية كبيرة لا يدرك حجمها إلا من خاض تجربة العمل المعجمي التاريخي عن قرب.
وأوضح أن أولى هذه التحديات تتمثل في ضخامة تاريخ اللغة العربية وسعة مفرداتها، وهو ما جعل كثيرًا من المعجميين عبر التاريخ يستعيرون أسماء من الحقل الدلالي للبحر لمعاجمهم، مثل المحيط والقاموس والعباب، في إشارة إلى عمق هذا البحر اللغوي واتساعه. وأضاف أن اللغة العربية تمتد في استعمالها الموثق قرابة 2000 سنة، تشمل نحو 500 سنة قبل الإسلام و1500 سنة بعده، وهو امتداد لا نظير له بين لغات العالم.وأشار إلى أن التحدي الثاني يتمثل في جوهر العمل التاريخي نفسه، إذ إن معجم الدوحة لا يكتفي بشرح المعنى، بل يسعى إلى تحديد أول استعمال للكلمة، وتتبع تطور دلالتها عبر الحقب المختلفة، وهي عملية شديدة التعقيد، خاصة عند التعامل مع نصوص تعود إلى 1500 أو 1700 سنة.
سالم القحطاني: تتويج لسنوات من العمل الجماعي
أكد السيد سالم القحطاني باحث في التراث الاسلامي أن تدشين معجم الدوحة التاريخي للغة العربية يمثل حدثًا علميًا وتاريخيًا بارزًا، جاء ثمرة لسنوات طويلة من العمل المتواصل، والاجتهاد البحثي، وتكامل الجهود بين الباحثين، وتضافر الإمكانات الفكرية والمؤسسية لتحقيق هذا المشروع اللغوي الكبير.
وأوضح أن المعجم يُعد بحق معجمًا تاريخيًا بالمعنى العلمي الدقيق، إذ يعكس تراكمًا معرفيًا امتد عبر سنوات من البحث والتدقيق، وأسفر عن إنجاز يُجنى اليوم ثماره بوصفه أحد أهم المشاريع المعاصرة في خدمة اللغة العربية.
وأشار القحطاني إلى أن هذا المشروع يندرج في سياق دعم اللغة العربية، التي تمثل ركنًا أساسيًا من أركان الهوية العربية والإسلامية، إلى جانب الدين والتاريخ، مؤكدًا أن العناية باللغة تعني العناية بجوهر الهوية وحفظها. وشدد على أن اكتمال معجم الدوحة التاريخي يشكل إضافة نوعية للمكتبة العربية، وأداة علمية مرجعية ينتفع بها الباحثون، ودارسو اللغة، وكل المهتمين بالعربية والناطقين بها، لما يوفره من توثيق تاريخي دقيق للألفاظ ومعانيها عبر العصور.
د. سمية المكي: يعزز حضور لغتنا في الذكاء الاصطناعي
أكدت الدكتورة سميّة المكي، أستاذة اللسانيات بجامعة قطر، أن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية يشكّل خطوة تأسيسية مهمة لتمكين اللغة العربية من مواكبة عصر الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حضورها في المجالات التقنية والمعرفية الحديثة.
وأوضحت أن العربية، رغم كونها لغة إنسانية أسهمت في بناء حضارات كبرى، لا يزال حضورها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي محدودًا مقارنة بلغات أخرى، مشيرة إلى أن معجم الدوحة التاريخي يمثّل فاتحة لمشروع نهضوي كبير يسهم في سد هذه الفجوة، من خلال توفير قاعدة بيانات لغوية تاريخية دقيقة.
وبيّنت أن المعجم، بوصفه معجمًا تاريخيًا، يتيح تتبع تطور الكلمة منذ أول استعمال موثّق لها، مرورًا بمراحل تحولها الدلالي عبر العصور، وصولًا إلى استعمالها الحديث، وهو ما يشكل قيمة علمية عالية للباحثين في اللسانيات والدراسات المعجمية والتاريخية.
وأكدت المكي أن المعجم يسهم في تعزيز الوعي باللغة العربية وجمالياتها داخل المجتمع، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة، من خلال تقديم محتوى رقمي يواكب أنماط التعلّم الحديثة، ويجعل اللغة العربية أكثر قربًا من الطلاب والناشئة.