تاريخ حافل في التوسط لحل النزاعات بالمنطقة والعالم

الدبلوماسية القطرية.. دور إستراتيجي في المشهد الأفغاني

لوسيل

شوقي مهدي

كل الأنظار تتجه نحو الدوحة هذه الأيام أملاً في الوصول إلى اتفاق يخرج المشهد الأفغاني من عنق الزجاجة وصولاً لتسوية سياسية للشعب الأفغاني ينخرط فيها الجميع، خاصة بعد دخول حركة طالبان للعاصمة كابول والإطاحة بحكومة أشرف غني التي لم تصمد لأيام بعد إعلان انسحاب القوات الامريكية.

اتصالات كثيرة تمت ما بين الدوحة وعواصم غربية وإقليمية في سبيل الوصول لتسوية سياسية عاجلة من أجل الشعب الأفغاني مشيدة بالدور الكبير الذي تقوم به قطر في إطار حل الأزمة الأفغانية، والتي أبرزها الاتصال التي تم أمس الأول بين حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدي وفخامة الرئيس جو بايدن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، لمناقشة تطورات الأحداث في المنطقة، والمستجدات في أفغانستان، وضرورة حماية المدنيين والانتقال السلمي للسلطة وتخفيف حدة التوتر وصولاً لحل سياسي شامل لضمان الأمن والاستقرار لما فيه مصلحة الشعب الأفغاني. وأشاد بايدن خلال اتصاله بسمو الأمير بجهود قطر في تسيير الجسر الجوي الذي وصفته بأنه الأكبر في التاريخ وما كان ليتم لولا دعم قطر وتسهيلها نقل آلاف الاشخاص يوميا، معربا عن شكره لدولة قطر ودورها المهم في تسهيل محادثات السلام الافغانية.

عمليات الإجلاء

وفي الوقت نفسه تقوم بالتنسيق مع الولايات المتحدة لإجلاء الأجانب في افغانستان والمواطنين الأفغان ضمن أكبر عملية جسر جوي في التاريخ. وأشاد البيت الأبيض بالجهود والتسهيلات التي تقدمها دولة قطر في هذا المجال. وساهمت قطر في إجلاء العديد من المواطنين الأمريكيين والأفغانيين والصحفيين وغيرهم خلال الأيام الماضية. وقالت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر مساعد وزير الخارجية والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية في تغريدة على حسابها في تويتر إن عمليات الاجلاء من افغانستان مستمرة، واضافت انه خلال الثلاثة ايام الماضية تم اجلاء اكثر من 300 شخص معظمهم طالبات و 200 اعلامي من كابول مع عائلاتهم وهم آمنون الآن في قطر.

ومنذ الاجتماع الدولي حول عملية السلام في افغانستان منتصف الشهر الجاري، رأينا تحركات واتصالات قام بها سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في سبيل الوصول لتسوية سياسية للوضع في افغانستان، بدءاً من زيارته للأردن ولقائه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ملك المملكة الأردنية ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الاردني، تبع ذلك لقاؤه بوفد من حركة طالبان أكد فيها ضرورة الوصول لتسوية سياسية شاملة تحقق انتقال سلمي للسلطة وتحافظ على المكتسبات التي حققها الشعب الافغاني وترسم ملامح الاستقرار والسلام المنشود في افغانستان.

وتمت العديد من الاتصالات خلال الأسبوع الماضي من بينها اتصال سعادة وزير الخارجية مع كل من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وسعادة الأمين للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومعالي وزير الخارجية الكويتي، ووزير الشؤون الخارجية الإيطالي، ووزير الشؤون الخارجية الهندي وغيرها من الاتصالات واللقاءات رفيعة المستوى بهدف تنسيق وتوحيد الجهود للوصول لاتفاق ينهي حالة عدم اليقين في المشهد السياسي والأمني في افغانستان.

مبادئ قطرية

ولعل الدور الذي به قطر حالياً هو ترجمة لمبادئ سياستها الخارجية المنصوص عليه في الدستور الدائم لدولة قطر والتي تقوم على مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليين عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام.

ويرى خبراء أمريكيون ان الدوحة لعبت دوراً كبيراً في الوصول لاتفاق تاريخي بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في فبراير 2020، والتي قامت بتسهيل المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، بالإضافة لوقوف الدوحة على مسافة واحدة من الجميع وهو ما أدى إلى الدفع بعملية المفاوضات بعد أن توقفت من قبل وتم التوصل للاتفاق التاريخي في بداية العام الماضي.

إن التزام دولة قطر بتنفيذ أجندات السلام، هو ما مكنها من تحقيق هذا الإنجاز التاريخي، لتواصل قطر جهودها لإحلال السلام في أفغانستان.

إنجاز تاريخي

وأشارت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر مساعد وزير الخارجية والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية في تصريحات سابقة إلى أن اتفاق إحلال السلام في أفغانستان هو إنجاز تاريخي للدبلوماسية القطرية. مضيفة هذه خطوة كبيرة للأمام، ونتقدم بالشكر لجميع الأطراف التي شاركت في تحقيق هذا الإنجاز، فلولا التجاوب الذي ابدته كافة الأطراف لما تحقق هذا الانجاز . وتواصل الدوحة ومنذ أشهر من خلال استضافتها لمحادثات السلام الأفغانية-الأفغانية والجهود الحالية بعد انتهاء حكومة أشرف غني في جمع الأطراف سوية من أجل الوصول لتسوية سياسية من خلال اتصالات مكثفة مع كل الدول الصديقة والشقيقة والشركاء الدوليين المعنيين بالملف الأفغاني للوصول لتسوية سياسية شاملة بهدف الوصول لاتفاق دائم وانتقال سلمي للسلطة في افغانستان بما يتماشى مع مكتساب الشعب الأفغاني.

إن قوة الدبلوماسية والحوار تتضح جلياً من خلال دور دولة قطر كلاعب دولي في حل الصراعات في المنطقة والعالم ومنذ 2008 استطاعت دولة قطر التوسط في أكثر من 10 قضايا إقليمية ودولية رئيسية، بما تملكه من سجل حافل بالنجاحات في مجال الوساطة والتي من بينها نجاح قطر في التوصل إلى اتفاق الدوحة بين مختلف الفصائل اللبنانية في 2008 مما أنهي أزمة سياسية استمرت 18 شهراً. وفي 2009 توسطت قطر بين السودان وتشاد وتم التوقيع على اتفاق الدوحة، ومن ثم واصلت قطر جهودها ولعبت دوراً رائداً في جهود إحلال السلام في السودان حيث استضافت محادثات السلام في الدوحة في الفترة من 2013 إلى 2018، وتوجت وساطة قطر بتوقيع اتفاق بين إريتريا وجيبوتي في 2010 لتسوية النزاع الحدودي والذي أنهى النزاع المسلح بين الطرفين، وتوسطت قطر بين السودان وإريتريا في 2011، كما توسطت قطر بين فتح وحماس وتم التوقيع على اتفاق الدوحة في 2012.

واستمرت جهود الوساطة القطرية في 2015 حيث توسطت قطر بين قبائل التبو والطوارق الليبية، وتم توقيع اتفاق سلام في الدوحة، وفي بداية العام الماضي شهد العالم الاتفاق التاريخي الذي تم بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، وتم توقيع اتفاق احلال السلام في أفغانستان لينهي حرباً استمرت لعشرين عاماً بين الطرفين. وفي ذات العام توسطت قطر في المفاوضات المباشرة بين الحكومة الافغانية وحركة طالبان.

ونجحت قطر في 2021 من خلال جهودها في الوساطة في اعادة العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصومال وجمهورية كينيا سعياً منها لتحقيق السلم والاستقرار الدوليين.