يمر العالم في الوقت الراهن وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية بثورة في مجال الطاقة فمنذ الحظر النفطي الذي تم فرضه عام 1973، تعرض الأفراد والشركات والمنظمات الأخرى لضغوط خفض استخدام الطاقة من الناحية الاقتصادية وذلك على خلفية الانهيار الحاد في أسعار الطاقة والتي أدت إلى اختلالات اقتصادية كبيرة طالت الميزانيات العامة للدول حتى تلك المصدرة للنفط والتي تعتمد عليه كأساس في تدبير مواردها.
وقد كانت الطاقة تمثل موردا أساسيا حتى تعرض لانتكاسات تباينت أسبابها وهو الأمر الذي يتطلب معرفة أكثر بعملية التطور التي لحقت بها وصولا إلى الأوضاع الحالية.
وجاء الكتاب الذي يحمل عنوان كفاءة الطاقة..بناء اقتصاد نظيف وآمن يحاول المؤلف جيمس سويني استكشاف سياسات الطاقة والممارسات المتعلقة بالسنوات الأربعين الماضية وتأثيراتها على الأنظمة الحيوية الثلاثة: الاقتصاد والبيئة والأمن القومي.
يوضح سويني كيف أصبحت الإسهامات ذات الصلة بكفاءة الطاقة بوجه عام أكثر كفاءة من كافة الزيادات في الإنتاج المحلي في مجالات النفط والغاز والفحم والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي.
تداعيات اقتصادية
وسرد سويني التفاصيل المتعلقة بالتداعيات الاقتصادية التي خلفتها التقنيات ذات الصلة بكفاءة الطاقة، والفوائد البيئية وتلك الخاصة بالأمن القومي لكفاءة الطاقة، والطرق الرامية إلى تعظيم الاستفادة من كفاءة الطاقة.
ويسلط الكتاب الضوء على الكيفية التي يمكن من خلالها أن تسهم عملية تعزيز كفاءة الطاقة في القطاعين العام والخاص جنبا إلى جنب مع الوعي العام والأسعار المناسبة والسياسات الملائمة وتزايد الأبحاث والتنمية وكذا التوجهات الخاصة بانخفاض شدة الطاقة وارتفاع مستويات كفاءة الطاقة.
وذكر المؤلف أنه في عام 1973، شهد عالم الطاقة تغيرا جذريا بسبب الحظر النفطي وتضاعف أسعار النفط العالمية وبقائها عند مستويات مرتفعة على مدار عشرة أعوام. وحولت الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامها إلى خفض واردات النفط، مدفوعة في ذلك بمخاوف على الأمن القومي وأيضا مخاوف اقتصادية. ومؤخرا ومع الاعتراف بازدياد ظاهرة التغيرات المناخية والانبعاثات الكربونية من الاستخدام المتنامي للوقود الحفري، تحول الانتباه إلى خفض مستويات الانبعاثات الكربونية التي تسببها عوامل بيئية.
وأوضح المؤلف أنه ومنذ العام 1973، ركزت المناقشات الخاصة بسياسة الطاقة على تأثيرات الطاقة على ثلاثة أنظمة حيوية ومعقدة: الاقتصاد والبيئة والأمن فيما يُعرف بـ مثلث سياسة الطاقة .
تعريفات اقتصادية
وعرف الكتاب كفاءة الطاقة بأنها الخفض الفاعل في استخدام الطاقة تخفيض شدة الطاقة في الاقتصاد والتي تُعرف بأنها استهلاك الطاقة لكل دولار في الناتج المحلي الإجمالي. ويفيد هذا بدوره الأمن القومي والبيئة والاقتصاد.
ويشير المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب إلى أن المصباح ذا الصمام الثنائي الباعث للضوء LED يستخدم 11 واط فقط لإطلاق نفس القدر من الضوء مثل المصباح الوهاج الذي تبلغ شدته 60 واط. ويستعيد المستهلك التكلفة العالية للمصباح ذي الصمام الثنائي الباعث للضوء مرات عديدة في الوقت نفسه الذي يساعد فيه البيئة وأمن الطاقة. وتستخدم السيارات التي يتم شراؤها اليوم معدل طاقة أقل من تلك التي تستخدمها السيارات على الطريق في العام 1973 ويستخدم السفر الجوي حوالي ربع كمية الوقود لمسافر واحد في الميل كما هو الحال في العام 1970 وطبقت الشركات طرقا قائمة على البيانات في سبيل خفض استخدام الطاقة.
وأشار الفصل الثالث من الكتاب إلى أن البيانات الخاصة بالاقتصاد الأمريكي تتيح تحديد كمية التأثيرات ذات الصلة بكفاءة الطاقة على استخدامات الطاقة بوجه عام.
قياس الطاقة
ويذكر المؤلف أن التحدي التحليلي يتمثل في أنه ورغم أننا على استعداد أن نقيس كم الطاقة المنتجة، فإن عملية قياس الطاقة غير المستخدمة غير واضحة وذلك بسبب التقنيات والممارسات المتعلقة بكفاءة الطاقة.
ولفت المؤلف في هذا الكتاب إلى أن الحكومات الفيدرالية وكذا حكومات الدول والتي تواجه التكلفة المرتفعة للنفط المستورد وكذا التهديدات الناجمة عن إمكانية فرض مزيد من الحظر، تطبق سياسات تهدف من خلالها إلى زيادة الإمدادات المحلية للطاقة وأيضا تقليص مستويات استخدام الطاقة في الاقتصاد.
وفي القطاع الخاص، أصبحت عمليات الخفض في استخدام الطاقة عاملا في المنتجات والعمليات وبدأت الأسر والأفراد تغير خياراتها تبعا لذلك وبدأت تلك العوامل معا تسهم في خلق عملية تراكمية بطيئة لإدخال التحسينات في مجال كفاءة الطاقة.
وبدأ استخدام الطاقة في الاقتصاد في الانخفاض وبوتيرة أسرع من المتعارف عليه تاريخيا ومن العام 1973 وحتى إنهيار أسعار النفط في العام 1985، مع ارتفاع أسعار الطاقة وظهور العديد من المبادرات الخاصة بسياسة الطاقة، تراجعت مستويات استخدام الطاقة بنسبة 2.7% في المتوسط سنويا. لكن المخاوف من التغيرات.
تراكمات سنوية
وتراكمت التغيرات السنوية البالغة نسبتها 2.7% أو 1.7% سنويا على مدار أربعة عقود. وكانت النتيجة الصافية هي أن تراجعت مستويات استخدام الطاقة في الاقتصاد الأمريكي بنسبة 75%، من 14 ألف وحدة حرارية بريطانية لكل دولار من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2014.
وقد قلصت كفاءة الطاقة استخدام الطاقة إلى 100 كدرليون (رقم واحد وإلى جواره 15 صفرا) وحدة حرارية بريطانية سنويا بدلا من كفاءة الطاقة الغائبة المتوقعة والبالغ قيمتها 180 كدرليون وحدة حرارية سنويا.
ويذكر المؤلف أن تلك التغيرات في استخدام الطاقة تعد أساسية بالنسبة لأمان الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية وانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ومنذ أزمة الطاقة في العام 1973 - 1974، سعت السلطات الأمريكية إلى بذل المزيد من أجل خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وأيضا لتقليص صافي واردات الطاقة على نحو أكبر من تحقيق الزيادات في الناتج المحلي من النفط والغاز والفحم والطاقة الحرارية الأرضية، والطاقة النووية وطاقة الرياح والوقود الحفري.
تراجع الواردات
وقد تراجع صافي واردات الطاقة إلى أقل من مستوياتها في العام 1973. وزاد إنتاج الطاقة المحلي من كافة المصادر الأمريكية بنسبة 24 كدرليون وحدة حرارية بريطانية سنويا، وأسهمت الزيادات في كفاءة الطاقة في تقليص استهلاك الطاقة بمعدل 80 كدرليون وحدة حرارية بريطانية سنويا - بأعلى من الزيادة في كافة أشكال إنتاج الطاقة المحلي بمعدل ثلاث مرات.
وظهر الدور الذي تلعبه كفاءة الطاقة أيضا في خفض الانبعاثات الخاصة بثاني أكسيد الكربون. فمستويات استخدام الكربون في الاقتصاد - الانبعاثات الخاصة بثاني أكسيد الكربون لكل دولار من الناتج المحلي الإجمالي - يمكن تمثيلها بعوامل ثلاثة: مستوى استخدام الكربون الخاص باستهلاك الطاقة ومستوى استخدام الطاقة في الاقتصاد. ويُحدد مستوى استخدام الكربون الخاص باستهلاك الطاقة بنسب الطاقة المستهلكة من مصادر الطاقة المختلفة (على سبيل المثال النفط والغاز والفحم والطاقة الكهرومائية والطاقة النووية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية). وكلما كانت نسبة استخدام الكربون في الطاقة أقل أو حتى إذا ما انعدم الكربون في إنتاج الطاقة، كانت الانبعاثات الكربونية أقل.
ثم ينتقل المؤلف إلى مناقشة التغيرات التي طرأت على استخدام الطاقة في القطاعات الأربعة الرئيسية التي تستهلك الطاقة - القطاع السكني وقطاع النقل والقطاع التجاري والقطاع الصناعي - ويوضح أن الكفاءة العالية في استخدام الطاقة لم تتركز في أي جانب واحد من الجوانب الاقتصادية، ولكنها توزعت عبر كافة القطاعات الرئيسية التي تستهلك الطاقة. وسلط الكتاب الضوء على القطاع الصناعي التي يُعزى فيها نصف الانخفاض في مستويات استخدام الطاقة إلى التحولات الهيكلية في الاقتصاد، في حين يُعزى النصف الآخر إلى الخفض داخل الصناعات القائمة بالفعل.
وقد قامت الولايات المتحدة بتطوير وتحقيق سياسة للطاقة - وهي الخطة الشاملة البعيدة الأمد الأولى منذ سنين عديدة - تهدف إلى جعل مستقبل الولايات المتحدة أكثر أمانًا من ناحية الطاقة. فالولايات المتحدة بحاجة إلى الطاقة لدفع نموها الاقتصادي ولمواصلة عملها كمحرّك للاقتصاد العالمي، وهكذا اقترحنا استكشاف الموارد المحلية، وتوسعة وتنويع إمداداتنا من الطاقة بطرق تدعم النمو العالمي، والديمقراطية، والاستقرار.
إن إنجاح هذه الإستراتيجية يتطلب التعاون مع بلدان أخرى، في البحث عن أساليب جديدة لاستخدام الوقود التقليدي، مثل الفحم الحجري، بطرق مستدامة بيئيًا أو تطوير تكنولوجيات جديدة، مثل خلايا الوقود الهيدروجينية لتحسين فعالية الطاقة وكذلك البيئة. كما تدعو هذه الإستراتيجية إلى إقامة حوار مع شركاء أمريكا التجاريين الرئيسيين، وكبار منتجي الطاقة، والمؤسسات الدولية، حول دور أمن الطاقة بالنسبة لرخائنا العالمي المشترك، كما وبالنسبة لتشجيع التجارة الدولية والاستثمار عبر سلسلة إمداد الطاقة.