شهر رمضان هو شهر المسارعة إلى الخيرات والتنافس فيها، ومن هذه الخيرات إفطار الصائم، والتي لها دور رئيسي في زيادة روابط المودة والمحبة بين المسلمين...
مشروع إفطار صائم الذي انتشر في أيامنا الفضيلة لهو من أفضل المشروعات التي تحمل النية الصادقة في البحث عن مرضاة الله في شهر رمضان المبارك، ونتمنى للقائمين عليه التوفيق وخاصة من يقفون في الشوارع والطرقات لإفطار الصائمين والذي يألون على أنفسهم الراحة في البيت والإفطار مع الأهل لكي يشعروا الصائمين على الطريق بأن الخير في بلاد المسلمين مستمر إلى يوم الدين، اللهم اجعل قطر بلد خير وعطاء من فضلك الذي أنعمت به على أهلها أبد الدهر.
والأمر المؤكد أننا جميعًا نعلم الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم (من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا)، وكل إنسان يريد أن يطبقه، ويتمنى كثيرون أن يكونوا مع هؤلاء الذين يقفون في الطريق وقت الإفطار لكي يطعموا الناس بأيديهم، حبًا في الله وطمعًا في مرضاته ومغفرته، لكن لكل إنسان ظروفه وحالته الخاصة التي ربما تمنعه من فعل ذلك، وأنا على يقين من أن أهل قطر كلهم يشعرون بما أحس به لأننا جبلنا على الخير والعطاء والحب والتسامح.
ورغم رمزية الطعام الذي يقدم لإفطار الصائمين على الطريق إلا أنه يشعر الناس جميعًا بشهر الخير والبركات، لكن لو أصبحت تلك الوجبات المقدمة في هيئة وجبة متكاملة تطعم الصائم، فمن المؤكد سيكون الحال أفضل بكثير مما هو عليه، فما يقدم عادة على الطريق يكون عبارة عن تمرات ووجبة خفيفة، وربما يقول البعض أن ذاك الإفطار هو مؤقت لحين وصوله لبيته أو إلى المكان المتوجه إليه.
بعضنا يرى في دفع بضع ريالات لإفطار صائم بأنه قد أدى واجبًا، وهو بالفعل كذلك، لكن أن ترى من أفطرته وتعطيه بنفسك وتشعره بأنه لم يفطر في شهر رمضان بمفرده أمر آخر وثواب أعظم، ومبعثًا لرسالة إيمانية عظيمة مفادها أن المسلمين في أي مكان هم عائلة واحدة وبيوتهم مفتوحة لاستقبال كل محتاج وفقير دون تفرقة بين قريب أو بعيد أو غني أو فقير، فكلنا عباد الرحمن.
ولعل في قصة الصحابي من الأنصار الذي استقبل ضيفًا من المهاجرين في بيته بعد أن طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا يستضيفه، فاستجاب دون أن يحسب ما عنده من رزق، وعاد لامرأته فقال لها إن هذا الرجل هو ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له أنهم لا يملكون إلا قوت أبنائهما، فجعلهم ينامون دون عشاء وأطفأ السراج، وتظاهر بأنه يأكل مع الضيف، وقرب إليه الطعام حتى أكل وشبع، ونام الرجل وزوجته وأبناؤه ليلتهم دون طعام إكرامًا للضيف، فنزلت فيه الآية ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
إفطار الصائم له أجر عظيم
عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)
إفطار الصائم من أنواع الجود، والذي هو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة .
قال النووي: (وفي هذا الحديث فوائد منها: بيان عظم جوده صلى الله عليه وسلم، ومنها استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين، وعقب فراقهم؛ للتأثر بلقائهم..)
وإفطار الصائم في شهر رمضان وغيره نوع من أنواع الجود، والخير، والكرم...
ثواب تفطير الصائمين
رغَّب الشرع المسلمين وحثهم على المسارعة إلى الخيرات في هذه الأيام الفاضلة المباركة، ومن الأشياء التي رتب الأجر الجزيل عليها إفطار الصائمين، والمراد بإفطار الصائم هو إطعامه حتى الشبع، وهذا من شأنه تقوية أواصر الترابط في المجتمع الإسلامي، وجعله بنيانا واحدا ويجعل المسلمين على قلب رجل واحد.
عن زيد بن خالد الجهني قال: قال صلى الله عليه وسلم : مَن فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء . رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان.
قال شيخ الإسلام: والمراد بتفطيره أن يشبعه .
وقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام ويرونه من أفضل العبادات.
وقد قال بعض السلف: لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاماً يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل.
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وداود الطائي ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين.
وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم ويجلس يخدمهم، منهم الحسن وابن المبارك .
قال أبو السوار العدوي : كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده ،إن وجد من يأكل معه أكل وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه .
وعبادة إطعام الطعام، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها : التودد والتحبب إلى المُطعَمين فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا رواه مسلم ، كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك.
وقد جاء في فتاوى الشبكة الإسلامية ـ قطر:
إن من يطعم إخوانه وأقرباءه له أجر، سواء في رمضان، أو في غير رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم في كل كبد رطبة أجر متفق عليه. ولعموم الأحاديث الواردة في الترغيب في تفطير الصائم فإنها لم تقيد ذلك بفقره. والتي منها ما رواه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه، عن زيد بن خالد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً ثم إن الشرع يرغب ويدعو إلى كل ما من شأنه أن يقوي أواصر الأخوة بين المسلمين عموماً، وخصوصاً الأقارب والجيران.
فالتزاور والتواصل بين الأقارب والجيران، وتبادل الهدايا بينهم، لا شك أنه من أقوى أسباب الألفة بين القلوب وتوثيق عرى المحبة بين الناس، وهذا من أسمى الغايات التي يهدف إليها الإسلام ويرشد إليها، ولهذا فقد قال صلى الله عليه وسلم: تهادوا تحابوا أخرجه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي. قال الحافظ :إسناده حسن.