في وقت تجوب فيه البوارج العسكرية المحيطات والبحار وتطلق الصواريخ البالستية هنا وهناك، وتشتعل حدة الحروب التي تسيل فيها كثير من الدماء، بدأت الحرب التجارية الأمريكية الصينية تظهر في العلن بقوة منذ حملة دونالد ترامب الانتخابية وحتى لحظة توقيعه المذكرة التنفيذية بفرض رسوم جمركية على الواردات الصينية، بحيث يحصل على ما يفوق 60 مليار دولار، وهي حرب من نوع آخر اختلطت فيها السياسة بسفن نقل المنتجات التجارية بين البلدين، هي معركة كسر عظام ستؤثر على كل العالم.
آخر ما غرد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع الشهر الجاري عن علاقة بلاده مع الصين، بأنهم ليسوا في حرب تجارية معها، بل ذهب إلى القول خسرنا تلك الحرب منذ سنوات بسبب الحمقى . وأضاف: تسبب أشخاص حمقى، غير مؤهلين لتمثيل الولايات المتحدة الأمريكية في خسارتنا تلك الحرب مع الصين . وتابع: بسبب هؤلاء أصبح لدينا عجز تجاري قيمته 500 مليار دولار سنويا، إضافة إلى خسائر قيمتها 300 مليار دولار بسبب سرقة حقوق الملكية الفكرية . واستطرد: لن نسمح لهذا الأمر بأن يستمر .
ولكن تلك الرؤية ليست وليدة الشهر الجاري، بل بدأت التصريحات العدائية مع قيام ترامب باستخدام الشعارات الحماسية خلال حملته الانتخابية، بتعهده برفع الضرائب على السلع الصينية واعتبار الصين دولة تتلاعب بالعملة ، لأنها تتعمد تخفيض قيمة عملتها الوطنية، حتى يتفوق المنتجون الصينيون على الأمريكيين، وحذر بفرض ضرائب جمركية على السلع الصينية الوافدة للسوق الأمريكي بنحو 45%، وتخفيض ضرائب الأرباح على الشركات التي تعمل بالسوق الأمريكي لتستقر على نحو 15% بدلا من 35%، لتستطيع منافسة السلع الصينية، وقال ترامب: بيننا حرب تجارية، ونحن لن نخسرها .

علاقات قديمة
بعد بدء العلاقات الرسمية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، شهدت العلاقات التجارية بين البلدين نموا سريعا ومضطردا. فبحسب الأرقام الأمريكية، كان حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 1979 حوالي مليارين وسبعمائة مليون دولار ووصل في عام 2010 إلى حوالي 500 مليار دولار أمريكي بدأت أمريكا بالهيكلة الثالثة لاقتصادها الكلي في بداية ثمانينيات القرن الماضي، بحيث خرجت الصناعات التي تحتاج إلى عمالة كبيرة إلى خارج حدود أمريكا، وصادف هذا التوقيت بدء الصين لعملية الإصلاح الاقتصادي والانفتاح ومحاولة جذب الاستثمارت الخارجية، ولنأخذ صناعة الأحذية كمثال. ففي عام 1976 كانت أمريكا تصنع محليا 53% من حاجتها من الأحذية، أما الآن فوصلت نسبة الأحذية المستوردة من الصين في أمريكا إلى أكثر من 80%.
وتتميز السلع الصينية المصدرة إلى أمريكا بأنها ذات جودة جيدة وسعر منخفض وتلائم احتياجات المستهلكين المحليين، وهذا ساعد على تثبيت معدلات التضخم في الاقتصاد الأمريكي وقدم للاقتصاد الأمريكي مساعدة كبيرة في عملية التغيير الهيكلي وسد فجوة كبيرة كان يمكنها أن تؤذي اقتصاد أمريكا، فالصين ليست فقط أكبر بلد مصدر إلى أمريكا، بل أصبحت الصين أكثر البلدان نموا للأسواق التي تستورد البضائع الأمريكية، حيث كانت الصين في عام 2000 في المركز 11، أما في عام 2007 فقد احتلت الصين المركز الثالث في قائمة الدول المستوردة من أمريكا.
وبحسب تقارير غرفة التجارة الأمريكية فقد ازداد حجم التصدير إلى الصين 465% بين عام 2000 وعام 2010، بالمقارنة مع نسبة نمو 56% للبلدان الأخرى.
رؤية ترامب
اعتمد ترامب على عدة مستشارين منذ بداية توليه الرئاسة رسموا له خطوط العلاقة التجارية مع الصين وغيرها من الشركاء التجاريين ووضعوا له خطة اشتملت على عدة محاور.
المحور الأول أن تصبح الولايات المتحدة انتهازية دون اعتذار، واضعة مصلحة أمريكا قبل كل شيء، وهذا يبدأ من خلال إعادة التفاوض في الصفقات التجارية المبرمة وإلغاء الصفقات السيئة. وهو ما استدعى رفع شعار لا للشراكة عبر الباسيفيك، للتخلص من الأضرار الجانبية ما أثّر على هيبة أمريكا ونفوذها في قارة آسيا، وقالوا إنهم سيلاحقون اتفاقية نافتا وغيرها من اتفاقيات التجارة الحرة، وإعادة التفاوض بشأنها تحت مبدأ أمريكا أولاً . وإعادة النظر في عضوية واشنطن بمنظمة التجارة العالمية.
أما المحور الثاني فهو إعادة أمريكا التوازن وإعادة توزيع العجز التجاري بفرض تعريفات الحماية ضد المنتجات التي تهدد توازن التجارة. وهذا يتطلب معاقبة المؤسسات الأمريكية غير الوطنية التي تعمل على نقل الإنتاج خارج البلاد، ويشمل هذا ما يسمى بـ ضريبة الحدود ضد الواردات المصنعة الأجنبية، التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر سلسلة الحدود.
الصين في المقدمة
كانت الرؤية الأمريكية تذهب إلى أن بكين كانت دائماً على حرب معها، ولكن بأسلوبها الخاص، منذ أن انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في العام 2001، وأثبت الوقت ذلك بشدة مع صعود النجم الصيني على حساب أمريكا. وأن الشركات الصينية كانت تتلاعب بقوانين النظام التجاري القائم عن طريق القيام سراً بإعانة وإغراق صادراتها، وحظر التجارة على البضائع الإستراتيجية بشكل انتقائي، وسرقة الملكية الفكرية والتحايل بذكاء على قوانين المنشأ.
ولتنفيذ مبدأ جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى ، فإن مذهب ترامب التجاري يدعو لفرض 45% من التعريفات على البضائع الصينية و35% على البضائع المكسيكية، إضافة إلى جملة من التعريفات ضد ما يمسى بالمتلاعبين بالعملة، والتي قد تشمل اليابان وكوريا الجنوبية وحتى الاتحاد الأوروبي.
أوراق ضغط صينية
لم تلزم الصين الصمت إزاء الهجمة الأمريكية الشرسة التي استخدمت فيها كل أدواتها، بل واجهتها بذات أدواتها بفرض رسوم عالية على العديد من المنتجات الأمريكية التي تستوردها ومنها منتجات غذائية وأخرى صناعية مما أربك حسابات السوق الأمريكي.
وتمتلك الصين فوق ذلك العديد من أوراق الضغط التي تشهرها في وجه غريمها التجاري، فعلى مستوى الشركات تمتلك الصين استثمارات تتجاوز 45 مليار دولار. وتظل استثمارات الصين في الديون السيادية الأمريكية ورقة بالغة الخطورة حيث تتجاوز 1.2 تريليون دولار أي نحو 20% من مجموع الديون الخارجية لواشنطن.
كما تمتلك الصين أوراق ضغط أخرى يمكن أن تساوم بها الولايات المتحدة الأمريكية في إطار حربها التجارية، كإلغاء أوامر شراء طائرات من شركة بوينج الأمريكية، لاسيما وأن الصين قامت بمشتريات بلغت نحو 12% من مبيعات شركة بوينج عام 2015، ومن المحتمل تحول الصين نحو الشراء من شركة إيرباص جنبا إلى جنب مع خفض استيراد القمح الأمريكي وبعض السلع الزراعية كفول الصويا وغيرها من المنتجات الزراعية التي يمكن لبكين استعاضتها بالاستيراد من كندا والبرازيل والأرجنتين.
الشركات الأمريكية ستتأثر بالحرب
هوليوود: 61% من إيرادات شباك التذاكر للأفلام الأجنبية كانت من الصين خلال النصف الأول من 2017. وتسمح بكين باستيراد 13 ألفا من الأفلام الأجنبية مقابل تقاسم الإيرادات بينما تسعى هوليوود للحصول على حصة أكبر من الإيرادات.
بوينج: من المتوقع أن تبلغ صادرات بوينج للسوق الصينية 30% من جميع صادرات الشركة في العالم. ووفقا للشركة فإن بكين ستحتاج إلى 6810 طائرات تبلغ قيمتها أكثر من 1 تريليون دولار بحلول عام 2035. وبالإضافة إلى ذلك، أتاح إقبال الصين على منتجات الشركة، 150 ألف وظيفة في الولايات المتحدة.
وستنغهاوس: نجاحها في الصين أنقذها من الإفلاس، وتخطط الشركة العاملة في مجال الطاقة النووية، العام المقبل للعمل في الصين، وتقديم جيل جديد من المفاعلات النووية.
ستاربكس: واحدة من العلامات التجارية الأكثر شعبية في أمريكا لمقاهي بيع البن، وتمثل الصين فرصة كبيرة لها.
تسلا موتورز: الحرب التجارية تعقد محاولاتها تعزيز مكانتها في الصين، الذي يقلل من تكلفة السيارات الكهربائية في السوق العالمية.
أبل: ستفقد السوق الصيني الكبير، إذ استحوذت الصين على أكثر من 25% من الدخل التشغيلي للشركة.
ماكدونالدز: ستفقد السوق الصينية التي تتوقع أن تبيع 80% لأسهمها في الصين وهونغ كونغ مقابل 2.08 مليار دولار.
فورد: تأثرت شركة فورد للسيارات، بتدهور العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، إذ انخفضت مبيعاتها في الصين.
أمازون: قانون الأمن السيبراني يمكن الصين من خلق مشكلات مع جميع شركات التجزئة الأمريكية على الإنترنت.
روزنامة مواقف
- يناير 2017: دعت بكين واشنطن إلى احترام القواعد التجارية الدولية، وتحسين التعاون والحوار.
- أبريل 2017: تراجع ترامب بعد القمة الأولى التي جمعته مع شي في ولاية فلوريدا.
- 22 مارس 2018: وقع ترامب مذكرة فرض رسوم جمركية على الصين بسبب بنسبة 25% على قائمة بنحو 1300 منتج صيني.
- 23 مارس 2018: حثت سفارة الصين بواشنطن الولايات المتحدة على التراجع عن قرارها.
- 23 مارس 2018: أعلنت وزارة التجارة الصينية خططا لفرض رسوم بقيمة 3 مليارات دولار على الواردات الأمريكية.
- 2 أبريل 2018: فرضت السلطات الصينية رسوما جمركية على 128 منتجا أمريكيا.
- 4 أبريل 2018: قالت وزارة المالية الصينية إن الصين ستفرض رسوما إضافية نسبتها 25% على 106 منتجات أمريكية.
- 5 أبريل 2018: أمر ترامب المسؤولين في إدارته بدراسة فرض رسوم جمركية إضافية بقيمة مائة مليار دولار على المنتجات الصينية.
- 6 أبريل 2018: ردت الصين بالقول إنها مستعدة لدفع أي ثمن في حرب تجارية محتملة مع الولايات المتحدة.