هل ينجح المصرفي السابق دراغي بانتشال إيطاليا من أزمتها السياسية ؟

لوسيل

الدوحة - قنا

تترقب إيطاليا بتفاؤل حذر تشكيل حكومتها الجديدة خلال الساعات القليلة المقبلة برئاسة رئيس الوزراء المكلف ماريو دراغي الذي يواصل مشاوراته واتصالاته مع القوى والأحزاب السياسية الإيطالية لتأمين قاعدة عريضة لحكومته المرتقبة في البرلمان.

وتتوقع أوساط سياسية بروما أن يقابل دراغي الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا قبل نهاية يوم غد الجمعة ، لتأكيد حصوله على دعم كافٍ لتشكيل حكومة جديدة ، وتقديم قائمة بأسماء أعضائها.

ويوصف ماريو دراغي أو سوبر ماريو كما ينعته الإيطاليون، بأنه جالب للحظ خلال مساره المهني لكثير من المؤسسات التي مر بها، وبعد قبوله التكليف يوم الثاني من فبراير الجاري ارتفع مؤشر بورصة ميلانو صبيحة اليوم التالي .

وسيشكل نجاح المصرفي السابق البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عاما ، خبراً ساراً لكثير من الإيطاليين وفي مقدمتهم السياسيون المؤيدون للاتحاد الأوروبي ، فرئيس الوزراء المكلف من المدافعين بقوة عن التكتل الأوروبي ، وعمل سابقاً رئيساً للبنك المركزي الأوروبي ، ودرس الاقتصاد في روما وحصل على درجة الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا / الجامعة الأميركية المرموقة / عام 1977 ،وخلال عام 2011 ، أصبح رئيسًا للبنك المركزي الأوروبي ، بينما كانت المخاوف الاقتصادية عميقة وتنتشر على نطاق واسع ، لكن نجاح استراتيجيته لحماية منطقة اليورو جعلته يعرف باسم منقذ اليورو وواحداً من أكثر الاقتصاديين احتراماً بجميع أنحاء العالم.

وخلال الفترة العصيبة من الأزمة المالية الأوروبية ، أعلن دراغي أنه سيفعل كل ما يلزم لإنقاذ العملة الأوروبية الموحدة ، وها هو اليوم وبعد ما يقرب من عقد من الزمان ، مكلف بمهمة انقاذ شبيهة إذ تواجه بلاده ، جائحة كوفيد -19 ، إلى جانب كارثة اقتصادية تلوح بالأفق وأزمة سياسية أعقبت استقالة الحكومة السابقة الشهر الماضي جراء خلافات بين أقطابها حول انفاق واستخدام أموال الإنقاذ التي يوفرها الاتحاد الأوروبي.

ويعتقد المراقبون أن إيطاليا ربما تمر حالياً بأكثر أوقاتها خطورة منذ الحرب العالمية الثانية ، حيث تواجه معركة متعددة الجبهات حول الصحة والاقتصاد وشلل اجتماعي عميق ، بعد أن سجلت ما يقرب من تسعين ألف وفاة منذ بدء وباء جائحة فيروس كورونا ، وتغرق بأسوأ ركود اقتصادي مع انخفاض إجمالي الناتج المحلي بنسبة ثمانية وتسعة أعشار بالمائة عام 2020 إثر سلسلة من عمليات الإغلاق التي استهدفت إبطاء انتشار الفيروس.

ويحظى ماريو دراغي بدعم واسع وهو يحاول تشكيل حكومة جديدة تعمل على استعادة مصداقية إيطاليا ونفوذها لدى الاتحاد الأوروبي لكن السياسة الإيطالية مكان حافل بالكثير من الغموض والحسابات الدقيقة والمفاجآت وتغير التحالفات .

وقد أعلنت عدة أحزاب إيطالية دعمها لرئيس الوزراء المكلف بينما أعلنت أحزاب أخرى معارضتها له ورفضها الانضمام لحكومته ، وربطت مجموعة ثالثة من الأحزاب دعمها أو مشاركتها بالحكومة المرتقبة ببعض الشروط والمطالب ، فيما أظهر استطلاع للرأي أن ثقة الإيطاليين بماريو دراغي وبحكومة يقودها تتجاوز نسبة 60 بالمائة .

وتبدو فرص نجاح دراغي في مهمته الصعبة واعدة ، ولكن يتعين عليه أن يتجاوز السياسة الإيطالية ويقنع القوى الشعبوية التي تكره التكنوقراط بأن تشكيل حكومة وحدة موسعة هو مصلحة قومية ، ولا يعرف على وجه الدقة حتى الآن شكل حكومة دراغي المشهور بالتكتم الشديد ،كما لا تعرف حتى الآن القوى والأحزاب التي ستشارك فيها لكن الترجيحات تقول إن الحكومة ربما تتكون من خليط من الطبقة السياسية والتكنوقراط.

وقد عرض رئيس الوزراء الايطالي المكلف ، الخطوط العريضة لبرنامج حكومته على الاحزاب، خلال المشاورات مع القوى السياسية حيث ترتكز خطته على عدد من المحاور وتشمل حكومة ذات بصمات اوروبية واضحة والانتماء للأطلسي، وبرامج اصلاحات تطال الإدارة العامة والقضاء والنظام الضريبي والتعليم وتسريع حملة التطعيم الوطنية.

وتتعلق التحديات التي تواجه دراغي بالإصلاحات التي طلبتها أوروبا من سلطات الضرائب الإيطالية واستئناف العام الدراسي لتعويض الوقت الضائع، ويتعين على إيطاليا أن تقدم لبروكسل بحلول الثلاثين من أبريل القادم مقترحاتها بشأن إنفاق أكثر من 200 مليار يورو - وهي خطة مارشال حقيقية لمستقبلها - سيتم تخصيصها لها كجزء من خطة الإنعاش الأوروبية الضخمة التي تقررت في يوليو الماضي.

ويرى أنصار رئيس الوزراء المكلف أنه في حال نجاحه بتشكيل الحكومة الجديدة ، فمن المرجح أن ينصب تركيزه على إطلاق اللقاح بجميع أنحاء إيطاليا ، كما يشعرون بالتفاؤل بأنه سيقود مشاريع الأشغال العامة التي أصيبت بالشلل وسيستثمر أكثر في خلق فرص العمل والتعليم.

وقد تلقى العديد من الدول الأوروبية بارتياح وصول دراغي كرئيس وزراء محتمل لإيطاليا ، بما في ذلك فرنسا وإسبانيا وألمانيا، وعبرت المؤسسات الأوروبية عن ثقتها بأنه سيكون على مستوى التحدي لإعادة تشغيل الاقتصاد الإيطالي بمساعدة أوروبا، وأنه يعرف جيدًا الاختناقات والصعوبات والتحديات التي يجب مواجهتها من أجل تنفيذ الإصلاحات ببلاده وهي إصلاحات يجب استكمالها لتتمكن إيطاليا من البدء بالسير مرة أخرى . ويؤكد مراقبون أوروبيون أن نجاح دراغي أو فشله في نشر صندوق التعافي والبدء بإصلاحات رئيسية سيكون أمراً بالغ الأهمية ليس فقط لمستقبل إيطاليا ، ولكن أيضاً لمصداقية المشروع الاقتصادي المشترك الأكثر طموحاً للاتحاد الأوروبي منذ ولادة اليورو.