أكد فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن حكمة الله تعالى وفضله على عباده اقتضت تخصيص بعض الأزمنة بالفضل على غيرها، وتشريفها، وجعلها مواسم للتجارة الرابحة والأجور المضاعفة، تضاعف فيها الحسنات، وتقال فيها العثرات فاختار من الساعات الثلث الأخير من الليل، واختار من الأيام يوم الجمعة، فجعله عيدا لأهل الإسلام، وفيه ساعة لا يوافق الله تعالى فيها عبد مسلم يدعوه، ويسأله إلا أعطاه مسألته، وغفر له ذنبه، واختار من السنة أربعة أشهر هي الأشهر الحرم، قال قتادة رضي الله عنه: (العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم، والظلم فيهنَّ أعظم من الظلم فيما سواهنَّ ).
وأضاف الخطيب: ذهب أهل العلم إلى أن أفضل الأشهر الحرم هو شهر المحرّم، قال الحسن البصري: (إن الله افتتح السنة شهر حرام، وختمها بشهر حرام، فليس هناك شهر في السنة، بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرَّم) واختار من المحرم عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر المحرَّم، ولهذا اليوم مَزيَّة، ولصومه فضل، قد اختصَّه الله تعالى به، واختاره سبحانه وفضله على غيره من الأيام، وحثَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
نصر المؤمنين
وذكر الشيخ عبدالله النعمة أن في مثل هذا اليوم من شهر الله المحرم وهو العاشر، كتب الله النصر والغلبة لطائفة من المؤمنين على جند من الكافرين فقد كان هلاك فرعون الطاغية وجنوده، ونصر موسى وقومه في العاشر من المحرم فصامه شكرا لله على نصره وغلبته، جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه، وأمر بصيامه)، وفي هذا عبرة وموعظة وآيات بينات تدعونا إلى استدعاء التاريخ، والنظر في أحوال من كانوا قبلنا، ثم الاستفادة من هذا الاستدعاء والنظر، فهذا فرعون أشهر من ذكره القرآن في الطغيان البشري وأبدى فيه وأعاد وفصَّل في قصته وبين عاقبته في سور عدة، هذا العبد الطاغية رزقه الله القوة والشباب، والسلطة والجاه، والمال والقصور، والجيوش والعبيد، فلم يشكر نعم الله تعالى عليه، بل كفر بالله وأعلن جحوده للإيمان، ثم ادّعى أنه الرب من دون الله ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ إنه العلوّ والتكبر والطغيان الذي فتك بقلب فرعون، فاستعبد رعيَّته وسخرهم في خدمة شهواته، وأوقع بهم ألوان الظلم والأذى.
ظلم فرعون
ولفت الخطيب إلى أن علو فرعون أوصله إلى الظلم (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ ) وأوصله علوه إلى الطغيان والفساد (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) وأوصله هذا العلو إلى الإجرام فقال سبحانه عن فرعون وملئه (فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) إلى أن أتى هذا اليوم الذي أهلك الله فيه فرعون وملئه حيث قال عنه: ﴿ءَاۤلۡـَٔـٰنَ وَقَدۡ عَصَیۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ فَٱلۡیَوۡمَ نُنَجِّیكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَایَةࣰۚ وَإِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَایَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ﴾
وقال الخطيب: لقد قص علينا القرآن من نبأ فرعون وقومه، وأوضح في آيات كثيرة وسور عديدة ما آلت إليه نهاية الطاغية فرعون بسبب استكباره وعلوه في الحق، وفي هذا بيان وعلاج لأمراض القلوب التي منها العلو، إن من الناس من أصابه العلو والاستكبار عن الحق بسبب جاه أو مال أو منصب فظلم وأفسد ورأى أنه على الحق الذي لا مِرية فيه.
وأردف: ومن الناس من يكون سبب علوه ما أعطاه الله من الذكاء والعقل، فيرفض شريعة الله لأنها لعموم الناس وهو أميز منهم عقلا وأعلى منهم فكرا ومنهم من يوصله علوه إلى الكفر، ومنهم من يوصله إلى كبائر الذنوب، والعبد مأمور أن يحاسب نفسه، ويفتش في قلبه حتى لا يتصف بهذه الصفة المذمومة القبيحة.
فضل الصيام
وأكد الشيخ عبدالله النعمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا كل الحرص على صيام هذا اليوم ففي الصحيحين، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء وهذا الشهر، يعني شهر رمضان).
ويكفي في فضل صيام يوم عاشوراء أنه يكفر السَّنة التي قبله، فتخرج نقياً معافى من الذنوب والآثام، روى مسلمٌ عن أبي قتادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله). ونوه الخطيب بأنه يستحب صوم التاسع مع العاشر لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لئن بقيت إلى قابلٍ- يعني العام القادم- لأصومنَّ التاسع) يعني يصوم التاسع مع العاشر.
فاحرصوا رحمكم الله على أن تصوموا هذا اليوم العظيم الفضيل، لتنالوا الأجر الكريم والثواب الجزيل، خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده، ومن صام الثلاثة فهو أكمل وأفضل، ومن صامه وحده فهو أدنى مراتب الجواز.
جامع الشيوخ
وفي ذات السياق، أوضح فضيلة الشيخ معاذ يوسف القاسمي خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الشيوخ أن في الجنة باب لا يدخل منه إلا الصائمون، وأن صيام يوم واحد يباعد صاحبه عن النار مسيرة سبعين سنة، وحث المسلمين على اغتنام هذه الفرص والمنح الربانية لنيل رضا الله، ورغّبهم في صيام يوم عاشوراء لما له من الفضل وعظيم الأجر فصوم عاشوراء يكفِّر سنةً من الذنوب، وقال الخطيب: روى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ المَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
صوم عاشوراء
وأضاف: وعَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه -، قَالَ: كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: فَصُومُوهُ أَنْتُمْ . وذكر الشيخ معاذ القاسمي أن صوم عاشوراء يكفِّر سنةً من الذنوب، روى مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يصومونه، ويصوِّمون فيه صبيانهم ليتعودوا على صيامه.، وروى البخاري عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنها، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ -اي فليمس عن الطعام ويصوم بقية اليوم- وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ ، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَار.
ونوه الخطيب بأنه يستحب للمسلم أن يصوم اليوم التاسع من المحرَّم مع يوم عاشوراء، روى مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ، وأردف.. أيها المسلمون اعلموا أن صيام يوم واحد يباعد صاحبه عن النار مسيرة سبعين سنة.
وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا .
ولفت الخطيب أن في الجنة بابا لا يدخل منه إلا الصائمون، روى البخاري ومسلم عَنْ سَهْلٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ . فلنحرص يا عباد الله على اغتنام هذه الفرص والمنح الربانية لننال رضا الله ونبتعد عن سخطه وعقابه.