قال عبيدة البنكي الخطاط الذي خط الأوراق النقدية ضمن الإصدار الخامس من العملة النقدية القطرية إنه تم العمل لعدة أشهر على تجهيز الخطوط التي كُتِبَت بها العملة، حيث تم تقديم أكثر من 8 نماذج والتشارو حولها مع مصرف قطر المركزي قبل أن يتم اعتماد أربعة خطوط نهائية.
وأشار إلى تواصل العمل على كتابة المصحف الشريف لدولة قطر في حلته الجديدة والتي ستكون تراثية تقليدية مشابهة للمصحف المكتوب في عهد المماليك وكذلك المصحف العثماني في عهد السلطان سليمان القانوني.. وإلى نص الحوار:
- بداية، تم تشريفكم بخط الخطوط على الأوراق النقدية للإصدار الخامس من العملة القطرية.. كيف وقع الاختيار عليكم؟
تم اختياري وفقا لمجموعة من الاعتبارات، أولها وأهمها أنني شرفت بخط المصحف الشريف الخاص بدولة قطر، بالإضافة إلى الرصيد الزاخر من الإنجازات التي حققتها طيلة السنوات الماضية في مجال الخط العربي، بالإضافة إلى ذلك فقد حرص مصرف قطر المركزي على أن يرتبط الإصدار الخامس من العملة القطرية أيضا بحلة فاخرة وجميلة ويزينها الخط العربي، وأن يكون خطاط المصحف الشريف لدولة قطر هو نفسه خطاط الإصدار الجديد من العملة القطرية.
- كيف تم اختيار الخطوط في الكتابة على العملة؟
لقد قمنا بإجراء العديد من الاختبارات والتجارب على مجموعة من الخطوط عند بداية العمل على مشروع العملة الجديدة، قبل أن يقع الاختيار على أربعة خطوط، وهي خط الثلث وخط المحقق وخط الإجازة وخط النسخ.
- الأكيد أن لكل خط دلالته.. فما هي دلالة كل خط من الخطوط الأربعة؟
مما لا شك فيه أن لكل خط دلالته، فخط الثلث يعبر عن العظمة وهو يعتبر أب الخطوط وهو من الخطوط الصعبة ويمتاز بالجمال، أما خط المحقق فهو يعبر عن الأبهة والجمال ورزين ويأتي على نسق واحد ونفس الإيقاع واخترته لكتابة فئات العملة 1 و5 و10 و50 و100 و200 و500 ريال. أما خط الإجازة فقد تم اختياره لكتابة عبارة ورقة نقدية مضمونة بموجب القانون وخط النسخ الذي كُتِبَت به عبارة وزير المالية والمحافظ، وهو من الخطوط السريعة التي تكتب بها المصاحف، أما خط الإجازة فتكتب به الإجازات التي تُسَلم من المشائخ للحُفَّاظ والخطاطين، كما يستخدم في كتابة خواتيم الكتب القديمة.
- كم استغرقتم من وقت حتى تم الوصول إلى النسخة النهائية من الخطوط؟
أنا بالأساس لديَّ استعداد للخط، لأن الخط كالرياضة يحتاج إلى تدريب يومي، وأنا بفضل من الله دائم التدريب وممارسة الخط يوميا، بالإضافة إلى ذلك، فإن الخط يحتاج إلى قواعد حسابية وهندسية وحضور ذهني كامل، وبالتالي كنت جاهزا وحاضرا.
- ألم تواجهكم بعض الصعوبات أو المشاكل عند العمل على مشروع الكتابة للعملة الوطنية؟
حقيقة لم تواجهنا صعوبات تذكر، باستثناء عملية اختيار الخط الذي سيتم استخدامه للكتابة، لأن العملة ستبقى للتاريخ، ومن هنا كان السؤال أي الخطوط الأنسب، وعليه قمت بتجارب عديدة على مختلف الخطوط، كالخط الديواني وخط التعليق وخط الرقعة، قبل أن يتم اختيار الخطوط الحالية الموجودة على الأوراق النقدية الجديدة.
- هل كان هناك اعتماد مباشر من مصرف قطر المركزي للخطوط؟
كان هناك تشاور دائم مع القائمين في مصرف قطر المركزي، وقد قدمت مجموعة من النماذج إلى مصرف قطر المركزي، وكنا نتناقش بشأن أي خط تتم به كتابة كل عبارة وكل رقم على مختلف الفئات النقدية. وقد أخذ الموضوع العديد من الأشهر قبل الاعتماد النهائي للخطوط التي تمت الكتابة بها. ويشار في هذا الإطار إلى أنني قدمت أكثر من 8 نماذج من الخطوط والكتابات.
- كيف تلقيتم الإصدار الجديد وتفاعل الناس مع الإصدار الجديد؟
صراحة، لقد تفاجأت بكمية التفاعل الواسع مع الإصدار الجديد من العملة القطرية، ومشاهدة فرحة المواطنين والمقيمين بهذا الإصدار وجماليته، ولكن الفخر والسعادة كانت بالنسبة لي أن تزامن الكشف عن الإصدار الجديد من العملة مع اليوم الوطني لدولة قطر الحبيبة، فهذا كان مصدر فخر واعتزاز وسعادة بالنسبة لي.
كما قد شهدت تفاعل العديد من الناس حتى خارج دولة قطر الذين أعجبوا بالإصدار الجديد من العملة القطرية، وقد وصلتني التهاني من العديد من الأصدقاء من خارج دولة قطر.
ولا يفوتني أن أشير كذلك، إلى حالة الترقب والتخوف من مدى قبول الناس، حيث كنت أنتظر بفارغ الصبر يوم الكشف عن الأوراق النقدية الجديدة، رغم أنني شاهدتها صورا خلال إعداد النماذج والتصاميم، حيث تم تنفيذ 3 نماذج للأوراق النقدية شاملة الخطوط والصور قبل أن يتم اختيار ما تم إصداره. مع الإشارة إلى أن الموضوع أحيط بسرية كبيرة، حتى أن أقرب المقربين مني لم يكونوا على علم بموضوع العملة إلا يوم الكشف عنها رسميا.
- ما هي مشاريعك المستقبلية داخل دولة قطر؟
أعمل حاليا على إعادة كتابة المصحف الشريف بصيغة تقليدية وتراثية، بحيث يكون على شاكلة المصاحف التي كانت في عصر المماليك وبداية الدولة العثمانية، حيث سأكتبه بخط الثلث، حيث سيكون السطر الأول من الصفحة بخط كبير ومن ثم 6 أسطر بخط النسخ ومن ثم سطر بخط الثلث ومن ثم 6 أسطر بخط النسخ وآخر سطر بخط الثلث، أيضا سيكون على طريق الخطاط أحمد قره الحصاري المشهور في الدولة العثمانية والذي كتبه بتكليف من السلطان سليمان القانوني.
- هل سيكون إصدار النسخة الجديد من طباعة المصحف الشريف بحلته الجديدة خلال شهر رمضان الكريم المقبل؟
سيحتاج إلى مزيد من الوقت لأنه يحتاج إلى زخرفة وتذهيب ومراجعة وغيرها، وعليه قد يكون لأشهر أخرى حتى بعد شهر رمضان المعظم.
- بالإضافة إلى مشروع كتابة المصحف الشريف.. هل هناك مشاريع أخرى؟
أفكر في كتابة المعلقات الشعرية بطريقة المرقع، سطر بخط الثلث وسطرين بخط النسخ، وهذه الطريقة كانت تستعمل في كتابة الشعر قديما.
- هل تفكر في إنشاء مدرسة تكوينية للخطاطين والناشئة للحفاظ على الخط العربي من الاندثار في ظل ثورة الحاسوب؟
بداية، من المؤسف أن يهمل الخط العربي وهو عنوان الحضارة والتراث العربي الإسلامي، ورب العزة قد أقسم بالقلم في كتابه العزيز، ونحن نشهد تحولا كبيرا نحو استخدام الحاسوب والبرامج الموجودة فيه، ولكن هناك اهتمام من بعض الدول حتى غير العربية بالخط العربي على غرار الدولة التركية التي تولي عناية كبيرة بالخط العربي الذي يعتبر منهج حياة ليس فقط مجرد خط للكتابة، فالخط العربي يعلم الصبر ويعلم التفكير السليم فهو هندسة ورياضيات ويجعل الفكر متحفزا وحاضرا، حتى على مستوى الطلبة ينعكس على حياتهم وعلى شخصايتهم.
أنا أحث على إعادة إحياء تعليم الخط العربي من المراحل الدراسية المبكرة، مع الاهتمام به على مستوى الجهات القائمة على الخط العربي.
إلى ذلك، أنا أعتبر الخطوط العربية الموجودة في الحاسوب مشوهة الجمالية، فالأصل هو الخط العربي الذي يخط باليد، فهو عنوان الحضارة والتاريخ العربي، حتى أن هناك مقولة للفنان الإيطالي بيكاسو، يقول فيها إن أقصى نقطة وصلت إليها في فن التصوير وجدت أن الخط العربي سبقني إليها منذ أمد بعيد، خاصة أن الرسم في الغرب هو تجريدي، فإن الخط العربي منذ قرون طويلة أرسى الفلسفة التجريدية، وقد تأثرت الفنون الغربية بالخط العربي إما عبر الرحلات أو من خلال وصول الحضارة العربية إلى الغرب عبر الأندلس.
وأنا أعمل على شكل شخصي على تكوين بعض الخطاطين خارج دولة قطر، وقد أجزت العديد من الخطاطين.
- رسالتك إلى من يرى أن الخط العربي قلعة يصعب اختراقها؟
أرى أن الاعتقاد بأن الخط العربي صعب الفهم ومبهم، هو مفهوم خاطئ تماما، ولكن هذا لا ينفي أن بعض الخطوط العربية صعبة، وحتى لا ننفر الناس هناك بعض الخطوط العربية سهلة الكتابة على غرار خط الرقعة، والخط الديواني وأي شخص بمقدوره أن يكتبها بجمالية عالية، عكس خط الثلث وخط المحقق اللذين يحتاجان إلى التدريب المتواصل والموهبة والمواظبة.
- هل عُرِضَت عليك مشاريع لكتابة بعض المخطوطات العربية للمحافظة عليها ولكتابة عملات دول عربية وإسلامية أخرى؟
إلى حد الآن لا، ولكن من الجميل جدا أن تكون هناك مشاريع لإعادة كتابة المخطوطات العربية حفاظا عليها من الاندثار. أما بخصوص التواصل معي لكتابة عملات دول عربية وإسلامية، فإنني أحلم وأطمح أن أخط عملة بلدي سوريا بالمستقبل.
- بما تختتم الحوار؟
أشكركم على هذا الحوار الجميل وإتاحة الفرصة لي للحديث عن عالم الخط العربي عنوان التراث والحضارة العربية.