داخل قطعة أرض تتجاوز مساحتها الـ 3 كيلو مترات في منطقة مسيعيد الصناعية جنوب الدولة، يقع مركز معالجة النفايات التابع لوزارة البلدية والبيئة، وهو الوحيد من نوعه في قطر الذي يتولى التخلص من النفايات المنزلية والصلبة وغيرها من المخلفات الخضراء والحيوانية.
المركز الذي قضت لوسيل داخله نحو 3 ساعات، تم افتتاحه منتصف شهر أكتوبر لعام 2011، بتكلفة إنشاء وتشغيل بلغت 4 مليارات ريال، منها 2 مليار تحصل عليها شركة كيبيل سيجيرز السنغافورية المنفذة للمشروع في شكل دفعات سنوية نظير إدارة وتشغيل المركز لمدة 20 عاماً مقابل حصول الدولة على الإنتاج.
كمية المخلفات المنزلية والحيوانية والزراعية التي استقبلها المركز منذ افتتاحه وحتى نهاية شهر أغسطس الماضي (5 سنوات) بلغت 2.9 مليون طن، بحسب وزارة البلدية والبيئة.
وبلغ حجم إنتاج المركز خلال تلك الفترة من السماد العضوي نحو 178 ألف طن، و827 ألف ميجا وات من الطاقة الكهربائية، و78 ألف طن من الغازات البيولوجية، بالإضافة إلى 9.3 ألف طن من البلاستيك، و50 ألف طن من الحديد، فضلا عن 17.5 ألف طن من المواد المعدنية غير الحديدية.
عايشت الجريدة خلال جولتها في المركز، عن كثب تفاصيل منظومة العمل في مختلف مرافقه بداية من عمليات الفرز مروراً بمصنعي التدوير والسماد ووصولا إلى عمليات الحرق التي تستخدم في إنتاج الطاقة الكهربائية، وغيرها من التفاصيل التي رصدتها في السطور التالية..
على طرف طاولة خشبية كبيرة تتوسط إحدى حجرات بناية صغيرة تقبع على مقربة من البوابة الرئيسية استند المهندس حمد جاسم البحر، مدير إدارة معالجة النفايات بوزارة البلدية والبيئة، وهو يستمع لشرح توضيحي من محمد عيساوي المدير الإداري بشركة كيبيل سيجيرز عن مكونات المجسم الهندسي المرتكز على تلك الطاولة.
مساحة المركز الإجمالية تزيد عن الثلاثة كيلو مترات، ويبلغ حجم المساحة المستغلة حالياً منها نحو 35 % ، قالها عيساوي قبل أن يقاطعه البحر موضحاً: بالطبع المساحة الشاغرة مصممة لاستيعاب أية توسعات أو خطط تطوير مستقبلية تتم داخل المركز . يواصل عيساوي شرحه وهو يشير إلى بقعة نائية في الطاولة تحوي نماذج مصغرة لإطارات السيارات: هذا الجزء تم تخصيصه لإعادة تدوير الإطارات لكنه لم ينشأ من الأساس والآن هناك أماكن أخرى في الدولة تتولى تنفيذ تلك المهمة .
دقائق قليلة تمر في نقاشات واستفسارات مع مسؤولي الوزارة والمركز قبل أن يقرر البحر اصطحابنا داخل حافلة صغيرة في جولة بمنشآت المركز، الذي يبعد عن العاصمة الدوحة نحو 50 كيلو متراً للتعرف على منظومة العمل على أرض الواقع.
محطة الوزن
تتحرك الحافلة باتجاه المبنى الرئيسي في المركز الذي يتولى معالجة 3 أنواع من المخلفات هي المنزلية، والخضراء، والمخلفات الحيوانية، قبل أن تتوقف تدريجياً بناء على إشارة أطلقها عيساوي للسائق، أمام بوابة دخول وخروج الحاويات.
يقول عيساوي وهو يشير بيده اليمنى ناحية تلك البوابة: هنا تبدأ أولى المراحل حيث يتم وزن السيارة أثناء الدخول والخروج، والمركز يستقبل من 70 إلى 75 سيارة يومياً تأتي من محطات الترحيل بحمولة تزن 25 طناً لكل سيارة .
وتتولى إدارة النظافة العامة في وزارة البلدية والبيئة جمع النفايات المنزلية في 4 محطات ترحيل تضم 280 موظفا تابعين للوزارة وتستقبل نحو 2028 طنا يومياً، بطاقة استيعابية 2300 طن في اليوم، قبل ضغطها وشحنها إلى المركز.
وتتسع كل واحدة من محطتي الترحيل الواقعتين في جنوب وغرب الدوحة لنحو 900 طن يومياً، وفيما تبلغ الطاقة الاستيعابية لمحطة المدينة الصناعية 500 طن، تسع محطة دخان لنحو 250 طنا.
وتنفذ الوزارة حالياً مشروعاً لإنشاء محطة ترحيل خامسة في منطقة الخور شمالي الدولة، بطاقة استيعابية تبلغ 1500 طن يومياً، وفقاً لـ البحر .
لحظات من السكون دامت لثوان قبل أن يقطعها صوت محرك الحافلة التي عاودت الحركة باتجاه المبنى الرئيسي، حيث يتواجد على الجانب الأيسر من طريقه مطمر للنفايات.
هذا هو المطمر الصحي الهندسي الخاص بالمركز، والذي يتم فيه دفن ناتج عمليات حرق النفايات في المصنع بطريقة صحية وآمنة، وارتفاعه لا يتجاوز الـ20 مترا ، قالها عيساوي، الذي يشرف إدارياً على المصنع منذ افتتاحه في منتصف أكتوبر لعام 2011.
يحكم السائق قبضته على مقود السيارة قبل أن يهدئ سرعته وينزوي يميناً بالحافلة التي خمد صوت محركها أمام مبنى ضخم يرتفع 15 متراً عن سطح الأرض، تنبعث منه روائح كريهة، وينشط الذباب في أجوائه.
فرز آلي للنفايات
على طاولة تحمل 5 شاشات حاسوب، وتتوسط غرفة تقبع على ارتفاع 5 أمتار داخل المبنى، جلس 3 من العاملين في المركز يراقبون عمليات استقبال وفرز النفايات، التي تتم خلف جدار زجاجي تعلوه 3 شاشات مراقبة في نفس الغرفة.
يقول تورين، وهو شاب ثلاثيني يتولى مسؤولية الإشراف على محطة الفرز: هنا يتم تسليم المخلفات التي يستقبلها المركز عقب الوزن حيث تفرغ السيارات حمولاتها في مستودع ضخم يتسع لنحو 6 آلاف طن، ثم يتم تحميلها بواسطة كرين (رافعة) لتدخل إلى مرحلة الفرز بواسطة تقنية يطلفق عليها (الدانو درام) .
يضيف تورين وهو يشير عبر الجدار الزجاجي ناحية ساحة ضخمة تحوي 4 أنابيب اسطوانية ضخمة: هذه محطة الفرز الآلي باستخدام تقنية (دانو درام)، وتقوم كل واحدة منها بفرز المخلفات عبر الحلقات الموجودة فيها وتصنيفها حسب الحجم، فأقل من 45 مل تذهب إلى مصنع السماد .
يتابع: النفايات التي يتراوح حجمها بين 45 إلى 300 مل تذهب عقب خروجها من الدرامز عبر السيور التي نراها إلى المكان المخصص للمواد الصالحة لإعادة التدوير والزجاج والورق، أما الأكبر من 300 مل فتنقلها السيور إلى المكان المخصص لحرق النفايات لإنتاج طاقة كهربائية نظيفة .
وينتج مركز المعالجة الذي يستقبل حالياً نحو 1720 طنا من المخلفات يومياً، 48 طناً من المواد القابلة لعملية إعادة التدوير في اليوم الواحد، بحسب إحصاءات حديثة صادرة عن البلدية والبيئة .
وتتولى إدارة النفايات مسؤولية تنظيم مزايدات لبيع تلك المواد إلى الشركات العاملة في مجال التدوير، وبلغت قيمة المناقصات التي نفذتها الإدارة لبيع مواد الحديد والبلاستيك والورق والأخشاب خلال الفترة من يوليو 2013 وحتى مايو لعام 2015 نحو 2.5 مليون ريال.
ويستوعب الدرام الواحد الذي يبلغ قطره 3.8 متر، وطوله 24 مترا، نحو 20 طنا في الساعة الواحدة، ويمكن للأربعة المتواجدين في المحطة فرز 1875 طن يومياً، وفقاً للمشرف على المحطة.
يوضح البحر وهو يشير بإصبعه ناحية إحدى شاشات المراقبة: هذه من أهم المراحل لأن الدولة لا تطبق بشكل كبير سياسة الفصل من المنبع لأنواع القمامة، ويحتوي كل درام على سكاكين وشفرات حادة لتقطيع الأكياس وتفريغ محتوياتها لتسهيل فرزها وتصنيفها .
كهرباء للشبكة الوطنية
حجرة أخرى تقع على ارتفاع 9 أمتار داخل نفس المبنى تختص بمراقبة عمليات حرق النفايات غير القابلة للتدوير وغيرها من المخلفات غير العضوية لإنتاج الطاقة الكهربائية.
في أحد أركان الغرفة التي اختفت أجزاء كبيرة من جدارها الرئيسي خلف شاشات مراقبة متنوعة الأحجام، بدا أحد العاملين الجالسين أمام جدار زجاجي منهمكاً في عملية نقل المخلفات غير القابلة للتدوير إلى المحرقة الخاصة بالمركز.
يقول عيساوي ، بينما يتابع العامل وهو يناور بعصا التحكم في الرافعة ويتنقل بنظرات عينيه الضيقتين اللتين توارتا خلف نظارة أمان، بين شاشة مراقبة صغيرة ترتكز على يمينه، والجدار الزجاجي: هذه المخلفات التي تزيد عن 300 مل يتم حرقها في درجة حرارة تصل إلى 900 درجة مئوية لإنتاج الكهرباء بواسطة تقنيات حديثة .
وينتج المركز نحو 20 ميغاوات يومياً من الطاقة، يستخدم جزءاً منها في تشغيله، فيما يتم تصدير الفائض إلى الشبكة الوطنية من خلال المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء كهرماء .
يضيف: عقب الحرق يتم تعريض الرماد أو الناتج لمغناطيس قوي لاستخلاص المواد والمعادن الصالحة للمعالجة أو التدوير، فيما يذهب الباقي إلى المطمر الصحي .
ووفقاً لإدارة النفايات بوزارة البلدية والبيئة، يستقبل مطمر مسيعيد يومياً 9629 طنا، تشمل نواتج عمليات حرق المخلفات في مركز المعالجة، بالإضافة إلى كافة النفايات الفائضة عن الطاقة الاستيعابية للمركز أو خلال فترات توقف الأخير عن العمل في فترات الصيانة، فضلا عن النفايات الصلبة والسائلة الأخرى.
ويتوقع أن يصل المطمر لطاقته الاستيعابية القصوى خلال عامين من الآن، لذا تمت الموافقة على تخصيص موقع لمطمر صحي جديد يقع إلى الجنوب من المطمر الحالي، بحسب إدارة النفايات.
أسمدة وحرق الحيوانية
عشرات الأمتار فقط تلك التي تفصل بين المبنى الرئيسي للمركز، الذي يضم نحو 230 عاملا وفنيا ومهندسا وإداريا، ومقر مصنع السماد (لم تتمكن لوسيل من دخوله بسبب أعمال الصيانة) الذي يستخدم عملية الكمر (التحلل الهوائي للمخلفات العضوية) بغرض تحويل المخلفات إلى سماد عضوي.
في مستودع ضخم ملاصق للمصنع تكتظ جنباته بالمخلفات الزراعية ونواتج تشذيب المزروعات وتفوح منه روائح كريهة، تبدأ عملية تجميع المخلفات بواسطة شركات القطاع الخاص قبل معالجتها وتحويلها إلى سماد أو غاز الميثان.
يقول المهندس حمد البحر: يستقبل المستودع حالياً نحو 25 طنا يومياً من تلك المخلفات، وتبلغ كمية السماد العضوي المنتج حالياً من خلال المصنع نحو 110 أطنان يومياً، توجه جميعها للسوق المحلي حيث تستخدم في أغراض التشجير والمساحات الخضراء في الشوارع .
منظومة العمل داخل القسم المخصص داخل المركز لمعالجة النفايات الحيوانية التي تشمل مخلفات المقاصب الآلية والحيوانات النافقة، فضلا عن مواد غذائية تالفة أو منتهية الصلاحية، لا تختلف كثيراً عن نظيراتها، لكنها تتميز بوجود نقطة تجميع منفصلة تتسع لاستقبال ومعالجة 25 طنا يومياً، كما يقول البحر .
ويستقبل قسم معالجة المخلفات الحيوانية في الوقت الحالي نحو 7 أطنان بشكل يومي يتم التخلص منها في المحرقة الخاصة بالمركز، بحسب عيساوي .