30 مليار ريال عوائد متوقعة للزكاة سنوياً

مطالب بتوظيف المشروعات الوقفية لدعم التنمية الاقتصادية

لوسيل

مصطفى شاهين


أكد خبراء اقتصاديون وعلماء، ضرورة مساهمة المشروعات الوقفية في التنمية الاقتصادية، ليكون لها دور بارز في تقديم القيمة المضافة للسوق الاقتصادي كمشاريع تنموية، لتخرج عن إطار المشروعات الملبية للحاجات، لتأخذ حيزها الواضح والحقيقي نحو التنمية الاقتصادية.

وأجاز بعض العلماء إنفاق أموال الزكاة في مشاريع وقفية، شريطة أن توجه عوائد تلك المشاريع إلى الأوجه الثمانية التي حددها القرآن الكريم في سورة التوبة والتي لا يجوز إخراج زكاة المال في غيرها.

وطالب اقتصاديون بإنشاء جهاز متكامل أو هيئة عامة مستقلة تشكل بمرسوم أميري لجني أموال الزكاة عن طريق فرضها كالضرائب، بالتزامن مع فرض نظام محاسبي يوفر معلومات كاملة عن مستوى الدخول للأفراد، مؤكدين أن ذلك يشجع الاستثمار ويخفف من تجميد الأموال لدى البنوك، مما يسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد المحلي وتحريك عجلة النمو.

ويتطلع الخبراء إلى أن تأخذ المشروعات الوقفية منحى آخر لتشمل الاستثمار في مستشفيات ومصانع وقفية ومدارس وجامعات واستغلال عوائدها في محلها.. ويعد الوقف ثروة استثمارية متزايدة توضع على سبيل التأبيد ويمنع بيعه واستهلاك قيمته ويمنع تعطيله عن الاستغلال ويحرم الانتقاص منه والتعدي عليه، ومن شأن تطويره وتنميته جني عوائد اقتصادية كبيرة.. ومن أبرز آثار الوقف الاقتصادية تقليل صرف الميزانية العامة وإيجاد فرص عمل والتخفيف من حدة البطالة. من بين أهداف الوقف الاقتصادية تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي وإيجاد عنصر التوازن بين الأغنياء والفقراء، إضافة إلى أن الوقف يضمن بقاء المال وحمايته، ودوام الانتفاع به، وهذا من شأنه أن يضمن للأمة نوعاً من الرخاء الاقتصادي والضمان المعيشي.
الكواري: دور بارز للمشاريع الوقفية في التنمية وتقدم قيمة مضافة للسوق
شدد رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة أريج قطر يوسف أحمد الكواري على ضرورة مساهمة مشاريع الوقف في التنمية الاقتصادية من خلال توفير فرص عمل، عن طريق إنشاء مصانع أو مشروعات عقارية أو تجارية، مما يتيح الاستفادة من أرباحها، مشيراً إلى أن نموذج وقف الملك عبدالله رحمه الله الذي يقدر بـ 140 مليار ريال سعودي يحتذى به في هذا الشأن.

ويشار إلى أن مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للإسكان التنموي تعد مؤسسة خيرية تهدف إلى تأمين مساكن ملائمة للفئات الأكثر حاجة في مجتمعنا السعودي، والقيام بمشاريع خيرية لها علاقة بالإسكان يستفيد منها أبناء الوطن.

وأكد الكواري أن مثل هذه المشاريع الوقفية يكون لها دور كبير تقدم قيمة مضافة للسوق كمشاريع تنموية، وأضاف: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لديها وقف كبير يقدر بالمليارات يمكن أن يساهم في مشاريع تنمية مستثمرة في القطاع العقاري والمصرفي، لكن مازالت هذه المشروعات تعد من قبيل المشروعات الملبية للحجات أكثر من أن يكون لها دور واضح وحقيقي نحو التنمية الاقتصادية.

واقترح الكواري إصدار تشريع لقانون جديد يلزم تأسيس بيت تدخل فيه أموال الزكاة لتكون لها أنشطة للنشر في أبوابها المختلفة، مشيراً إلى أن الكثير من ميسوري الحال حريصون على تخصيص أموالهم للوقف

ووصف الكواري صندوق الزكاة بشكله الحالي كجمعية من ضمن الجمعيات الخيرية بإمكانياته المحدودة ووسائله المحدودة أيضاً، موضحاً ضرورة إنشاء جهاز متكامل أو هيئة عامة مستقلة تُخلق بمرسوم أميري ويجني أموال الزكاة على أساس الأشهر الهجرية، يشمل أكثر من 1000 موظف يقومون على جمع الزكاة عن طريق التوعية.

وشدد الكواري أن الزكاة لا يجب جمعها عن طريق الترغيب فقط، ولكن يجب فرضها على الشركات والأفراد على حد سواء كما تفرض الضرائب، وأضاف: الزكاة حق شرعي على المسلم سواء المواطن أو المقيم وبالعمل في هذا الإطار سيكون هناك أموال كبيرة في ظل الثروات والموجودات وحجم الدخل، مؤكداً على ضرورة أن يسبق ذلك فرض نظام محاسبي يقدم معلومات وفيرة على مستوى الدخول للاقتصاد بشكل عام.

وأكد الكواري أن العمل في هذا الإطار وعلى هذه الأسس يمكن أن يولد من 20 إلى 30 مليار ريال سنويا، تدخل في استثمارات تضيف للتنمية الاقتصادية، ويتم التصرف فيه حسب الرؤية الاقتصادية، إضافة إلى أن ذلك سيكون بابا كبيرا لتشجيع الاستثمار حيث سيزيد من إقبال الأفراد على استثمار أموالهم والتخفيف من إيداعات البنوك.
تأثير غير مباشر للزكاة في مفاصل الاقتصاد واستحداث التنمية
خلص البحث المقدم بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة أم درمان الإسلامية إلى أن للزكاة وظيفتين في النظام الاقتصادي، الأولى حيادية وتؤثر بطريقة غير مباشرة في مفاصل الاقتصاد لأنها تعني الفقراء والمساكين في تحسين مستوى المعيشة، والثانية وظيفة تدخيلية، تدخل في كل مجريات الاقتصاد لاستحداث التنمية الاقتصادية وإعادة توزيعها بين المجتمع الإسلامي.
وذكر البحث الذي أعده عمر علي باشا أن الزكاة تلعب دوراً حيويا في إنعاش الاقتصاد وتحقيق التنمية وذلك نتيجة لثلاثة عوامل أساسية ومترابطة وهي محاربة الاكتناز وتشجيع الاستثمار وتشجيع الإنفاق.
وحول دور الوقف في الحياة الاقتصادية، قسم البحث الأموال الوقفية إلى نوعين، الأول الوقف الاستهلاكي وهو أموال تنتج خدمات استهلاكية مباشرة للغرض الموقوفة عليه، مثل إنشاء مدرسة أو مستشفى أو دار الأيتام، يكون غرضه وجهاً من وجوه الخير العامة ويقصد منه إشباع حاجات الناس.
أما الثاني فهو الوقف الاستثماري، وهو ما قصد منه الاستثمار في إنتاج أي سلع وخدمات مباحة شرعاً، تباع في السوق، لتنفق عوائدها الصافية أو أرباحها على أغراض البر التي حددها الوقف ويقصد منه زيادة موارد الناس، وما بين سد الاحتياجات وتنمية الواردات يصل المجتمع إلى حل المشكلة الاقتصادية.
وطبيعة الوقف ومعظم صوره تجعل منه ثروة استثمارية متزايدة، فالوقف في أصله وشكله العام ثروة إنتاجية توضع في الاستثمار على سبيل التأبيد، يمنع بيعه واستهلاك قيمته، ويمنع تعطيله عن الاستغلال، ويحرم الانتقاص منه والتعدي عليه.
إذن فالوقف ليس فقط استثماراً من أجل المستقبل أو بناء لثروة إنتاجية، بل هو استثمار تراكمي أيضاً يتزايد يوماً بعد يوم، بحيث تضاف دائماً أوقاف جديدة إلى ما هو موجود وقائم من أوقاف قديمة، دون أن ينتقص من القديمة شيء.
وأوصى البحث بضرورة أن يتوسع في نظام الوقف أفقياً ورأسياً ليساهم في التنمية الاقتصادية المعاصرة، وأفقياً بتوسيع الموقوف من العقارات والمنقولات..
ورأسياً، بالإفادة وتطوير وتنمية الأوقاف لتُجنى عوائدها الاقتصادية في قضايا وحاجات المجتمع، فليست حاجات المسلمين تنتهي في وقف مسجد أو جامع أو مدرسة بل تتعدى ذلك لتشمل جميع أبواب البر والخير ومساعدة المحتاجين.
وتتجلى مظاهر وآثار الوقف الاقتصادية في السعي إلى إيجاد أصول ثابتة لصالح المجتمع والاستفادة من التقدم والتطور التقني بتأسيس منظمات ومؤسسات وقفية في جميع مناحي الحياة ومتطلباتها، بحيث تجني ريعاً كبيراً على الأمة وتكون أصولاً ثابتة لصالح المجتمع.
كما يعد تقليل صرف الميزانية العامة من أبرز مظاهر وآثار الوقف الاقتصادية كون الخزينة العامة في الدولة لها موارد دخل مالية محدودة وأوجه صرف غير محدودة، فتبرز المشروعات الوقفية كموارد دخل جديدة لتقابل هذا الصرف، وتبرز أيضاً أهمية الاستفادة من الأوقاف وتطويرها وتوظيف المشروعات الخيرية التي تخفف الصرف على ميزانية الدولة وذلك مثلاً في النواحي الصحية ببناء المستشفيات والمراكز الصحية والمستوصفات وتوفير الدواء والعلاج والتشخيص مجاناً أو بأسعار رمزية وبإنشاء دور التعليم من مدارس قرآنية ومدارس نظامية وجامعات ومعاهد وكذلك الوقف في المصانع التي تنتج الغذاء والنسيج والدواء ومختلف الصناعات، فإذا شملت الأوقاف ذلك فهذا يوفر على الميزانية مبالغ كبيرة مما يؤمن جانب القدرة على تأمين الرفاهية للشعوب ويجنب العجز في الموازنة.
ويعد إيجاد فرص عمل والتخفيف من حدة البطالة من بين الآثار الاقتصادية للوقف طبقاً للبحث أيضاً، وذلك حين ينضم إليها مؤسسون ومنفذون وعاملون وفنيون، في حين تعمل المؤسسات الوقفية على زيادة الدخل والإنتاج وتساعد الأسر الفقيرة والضعيفة بما يأتي إليهم من عائد مادي نظير عملهم إذا كانوا عاملين فيها، أو يأتيهم الريع إن كانوا تحت قائمة الموقوف عليهم.

النعمة: الوقف ضمان لبقاء المال ودوام النفع
يرى فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة، أن الناظر إلى مقاصد الوقف سيصل إلى نتيجة هي أن الوقف ما أقيم إلا لمصلحة العامة للمسلمين سواء كانت مادية أو معنوية، وهناك مقاصد كثيرة للوقف أولها إيجاد مورد دائم ومستمر لتحقيق منفعة دائمة ومصدر دخل دائم مع بقاء هذا المصدر.

وأضاف النعمة لـ لوسيل الوقف يعد ضمانا لبقاء المال ودوام النفع وهذا يدفع حركة الاقتصاد والانتفاع على المدى البعيد، فعندما يُنشئ مصنع يكون قد حفظت المال في المصنع وضمنت إنتاجية تستمر لأمد ومدة طويلة، ومن ثم يستمر النفع للواقف والموقوف عليه، فالواقف سيؤجر ويحصل على الثواب حياً أو ميتاً.

وأكد النعمة أن الوقف يسهم في صلة الأرحام وبعض الأمور التي تغيب عن الناس، موضحاً أنه عندما تقف شيء في قطر تخدم المنطقة وتدعم الاقتصاد البلد ويعم النفع على الأهل والأقارب والأرحام من باب وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى .

وتابع النعمة أن الوقف يمثل دعما كبيرا لدفة الاقتصاد المحلي، فمثلاً وقف مصنع سيخدم المسلمين بإنتاجه المستمر وسيكون مصدر دخل للدولة وسيوفر فرص عمل لأصحاب التدخل المحدود.

وذكر النعمة أن الأوقاف أنشأت العديد من المشروعات الوقفية خاصة المساكن التي تشكل دعما للمسلمين ذوي الدخل المحدود إضافة إلى الانتفاع من الإيجارات في أنفاقها على سبل الخير، معبراً من أمنيته في أن تأخذ هذه المشروعات منحى أبعد من ذلك لتشمل مستشفيات ومصانع وقفية ومدارس وجامعات مشيراً إلى أن ذلك معمول به في كثير من الدول ولا بد أن تستثمر في رصد مثل هذه الأشياء واستغلالها في محلها.

المريخي: الاستغلال الأمثل لأموال الوقف يساهم في التنمية داخلياً وخارجياً

يعتبر فضيلة الشيخ محمد حسن المريخي أن الوقف مشروع إسلامي ضخم جداً لما يحتويه من رؤوس الأموال والممتلكات الوقفية التي لو نظمت وأديرت بشكل جيد تساهم في كثير من الأمور الاقتصادية وتدر بالنفع على المحتاج والفقير، فتوفير المسكن لمن لا يستطيعون دفع الإيجارات بما يعدل ويصحح حالهم في المجتمع ويوفر مخصصات الدولة التي يمكن أن تدخل في مجالات استثمارية أخرى.

وأوضح المريخي أن أموال الوقف لو استغلت بمشاريع تعود بالنفع على المسلمين والدول الإسلامية لا شك أنها ستسهم في التنمية الاقتصادية داخلياً وخارجياً.

وحول تخصيص أموال الزكاة لمشروعات وقفية قال المريخي إن أموال الزكاة خصصت للإنفاق على ثمانية أوجه ذكرت في سورة التوبة فإذا كانت عوائد الوقف ستنفق على أحد هذه الأوجه الثمانية فهذا جائز، مشيداً بصندوق الزكاة الذي اعتبره يقوم بجمع الزكاة بأساليب طيبة ويحصلها ويوزعها في أوجهها المختلفة.

يشار إلى مصارف الزّكاة في ثمانية أصناف، بينها الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .

والفقراء والمساكين هم أهل الحاجة الذين لا يجدون شيئاً، أو أنّهم قد يجدون بعض ما يكفيهم. العاملون على الزّكاة وهم الأشخاص الذين يتولون جمع الزّكاة، ولا يشترط أن يكونوا فقراء، بل إنّهم يعطون من مال الزكاة حتى ولو كانوا أغنياء. المؤلفة قلوبهم هم الأشخاص الذين دخلوا في الإسلام حديثاً، حيث أنّهم يعطون من مال الزّكاة لتأليف قلوبهم. في الرقاب هم على ثلاثة أشكال.. المكاتبون المسلمون: فيعانون لفكّ رقابهم، وإعتاق الرّقيق من المسلمين، وفكّ أسر الأسرى من المسلمين. الغارمون هم الأشخاص المدينون، والذين يكونون عاجزين عن سداد ديونهم. وفي سبيل الله والمراد بذلك أن يتمّ إعطاء الغزاة المتطوعين للجهاد، وكذلك الإنفاق في مصلحة الحرب، وكلّ ما يحتاجه أمر الجهاد. ابن السبيل: وهو الشّخص المسافر والذي تكون نفقته قد فرغت، فيتمّ إعطاؤه ما يكفيه لكي يصل إلى بلده.

يحيى: أجر الوقف لا ينقطع بعد الوفاة
يؤكد فضيلة الشيخ يحيى محمد أن الوقف من الأعمال التي لا ينقطع أجرها بعد موت صاحبها، بل تظل تجري حسناتها له بعد وفاته، وتدخل ضمن حديث النبي، صلى الله عليه وسلم: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له . فالوقف يعد استثمارا يقيمه الإنسان في حياته أو يتركه وصية بعد موته ليعمر آخرته ويواصل جني الأجر والثواب بعد الموت.
وتحدث محمد عن قصة سيدنا عمر بن الخطاب عندما أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه.
فقال: {إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها}، فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي ذي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف، مشيراً إلى أن عمر أعلن صدقته في خلافته ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار فأخبرهم بذلك وأشهدهم عليه فانتشر خبرها، وتسابق الصحابة في وقف كثير من أموالهم وحبسها في أوجه الخير والبر.
وسرد فضيلة الشيخ يحيى محمد أبرز أنواع الوقف، ومنها إنشاء المساجد ورعايتها، والوقف على الجهاد في سبيل الله، وإنشاء المدارس العلمية والمراكز الطبية، وحفر الآبار وإجراء الماء، وإقامة مراكز للمهتدين الجدد، وإنشاء الملاجئ للعاجزين ومراكز الأيتام ورعايتهم والعناية بهم، والوقف على إقامة مصانع لتدريب المسلمين وتعليمهم مهنا صناعية وإنتاجية، الوقف على فك الرقاب، والوقف على إعتاق المسجونين الغارمين، وشراء المصاحف وإيقافها في المساجد.