«العرب» ترصد طموحاتهم في 2026.. مثقفون وفنانون: تطوير المشهد الثقافي يتطلب مشروعاً وطنياً مستداماً

alarab
المزيد 04 يناير 2026 , 01:24ص
محمد عابد

أكد عدد من المثقفين والفنانين أن تطوير الحياة الثقافية في دولة قطر يتطلب الانتقال بالثقافة من إطار الفعاليات الموسمية إلى مشروع وطني مستدام، أكثر التصاقًا بالمجتمع، وأكثر قدرة على احتضان الإبداع، وتمكين المثقف، وصون الهوية الوطنية في ظل التحولات المتسارعة. وقالوا لـ «العرب» في معرض الحديث عن طموحاتهم في العام 2026، إن المشهد الثقافي القطري يمتلك مقومات راسخة وبنية داعمة، غير أن المرحلة المقبلة تستدعي رؤية طويلة الأمد، ومنصات دائمة للحوار والإنتاج الثقافي، ودعمًا متواصلًا للمبادرات والمواهب الشابة، إلى جانب تعزيز دور التعليم والإعلام والتوثيق، بما يضمن استمرارية الفعل الثقافي وتأثيره في تشكيل الوعي المجتمعي. كما دعا المثقفون والفنانون إلى إتاحة المزيد من التفاعل الحضاري والمشاركات الخارجية التي تنظمها المؤسسات الثقافية بما يتيح الاحتكاك المباشر بمختلف الثقافات ويمنحهم فرصة للتواجد والتعريف بأعمالهم خارج الدولة، منوهين بأهمية إعادة إحياء الفعاليات الثقافية بشكل نوعي، من خلال استضافة كبار الأدباء والشعراء القطريين والعرب فضلا عن مزيد من الجلسات النقاشية التي تناقش الإبداع القطري.

عبدالعزيز البوهاشم السيد: تكثيف الفعاليات والمهرجانات النوعية

أكد الباحث في التراث عبدالعزيز البوهاشم السيد أن المشهد الثقافي القطري في عام 2026 يحتاج إلى رؤية أكثر عمقًا واتساعًا تواكب حجم المنجز الثقافي للدولة، وتؤسس لمرحلة جديدة من العمل الثقافي المستدام، تقوم على تكثيف الفعاليات والمهرجانات النوعية، وتخصيص موازنات ثابتة تضمن استمرارية العمل الثقافي، بعيدًا عن الطابع الموسمي أو المناسباتي.
وأشار إلى أن مكونات الثقافة الوطنية، وفي مقدمتها المسرح، والمتاحف، والمبادرات التراثية، والحرف التقليدية، تمثل ركائز أساسية في بناء الهوية الثقافية القطرية، وتتطلب دعمًا مؤسسيًا واعيًا يقوم على التخطيط طويل الأمد، ويوازن بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح على التجديد، بما يضمن نقل التراث من خانة العرض إلى فضاء التفاعل الحي. وأوضح البوهاشم أن من أبرز مطالب المثقفين والباحثين تبنّي أساليب حديثة وسليمة في إدارة الشأن الثقافي، تقوم على الاستفادة من الدراسات الأكاديمية المتخصصة، خصوصًا في المجالات التراثية والحرفية، وعدم الاكتفاء بالمعالجات الاجتهادية أو المؤقتة، مشددًا على أهمية إشراك الباحث والمثقف في صناعة القرار الثقافي، لا حصر دوره في التنفيذ أو التمثيل الرمزي. وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب خلق منصات حوار مستدامة تجمع بين الباحثين والممارسين وصنّاع القرار، إلى جانب دعم الإنتاج الثقافي الجاد، بما يسهم في نقل الثقافة القطرية إلى الأجيال القادمة بصورة حيّة ومتجددة، تحافظ على الهوية الوطنية، وتواكب تحولات العصر دون تفريط في الجذور.

أحمد يوسف البدر: تشجيع البحث العلمي في الثقافة والتراث

أكد السيد أحمد يوسف البدر معلم تربية مسرحية، أن طموحاته للعام الجديد تنطلق من إيمانه بضرورة ترسيخ مشهد ثقافي أكثر حيوية وقربًا من المجتمع، مشهد قادر على احتضان المبدعين، ومنح الثقافة دورًا فاعلًا في تشكيل الوعي العام، وتعزيز الانتماء الوطني، والحفاظ على الهوية القطرية، مع فتح المجال أمام الأصوات الشابة والتجارب الجديدة لتكون جزءًا أصيلًا من الحراك الثقافي.
وأوضح أن التعبير الحقيقي عن هذه الطموحات يبدأ من المنظومة التعليمية، من خلال دعم مناهج التعليم وتطويرها لتشمل مجالات الصحافة، والتاريخ، والفنون، بوصفها أدوات أساسية لبناء الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة، إلى جانب تفعيل دور مصادر التعلّم بأسس علمية، وتنظيم دورات تدريبية متخصصة تسهم في صقل المهارات الثقافية والفنية لدى الطلبة والمهتمين. وشدد البدر على أهمية تشجيع الفنون بمختلف أشكالها، وتقديم الدعم الحقيقي للفنانين والمبدعين، سواء على مستوى الإنتاج أو التدريب أو العرض، داعيًا إلى إنشاء مراكز متخصصة للفنون والثقافة، وتوفير مساحات مناسبة للعرض والإنتاج، بما يسهم في خلق بيئة ثقافية نشطة ومستمرة.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه المشهد الثقافي اليوم ابتعاد فئة الشباب عن الثقافة، لافتًا إلى أن المراكز الشبابية باتت تفتقر إلى الأنشطة الثقافية، ما يستدعي العمل على إعادة دمج الثقافة في هذه الفضاءات، وإشراك الشباب في الفعاليات الثقافية، لتعزيز وعيهم، وتنمية إحساسهم بالانتماء والمسؤولية تجاه هويتهم الوطنية.
وقال : طموحي للعام الجديد هو  تشجيع البحث العلمي في مجال الثقافة والتراث .

د. حسن رشيد: تعزيز حضور الإبداع القطري في الفعاليات الدولية

أكد الناقد الثقافي الدكتور حسن رشيد أن دولة قطر عززت حضورها الثقافي على المستويين العربي والدولي، معبرًا عن الثقة المتنامية في قدرات الدولة وإسهاماتها الثقافية المتميزة. ومن أبرز هذه النجاحات، انتخاب سعادة الدكتور ناصر بن حمد الحنزاب، مندوب قطر الدائم لدى اليونسكو، مديرًا للمجلس التنفيذي للمنظمة، واختيار السيد محمد سعد الرميحي، الرئيس التنفيذي لمتاحف قطر، رئيسًا للمنظمة الإقليمية العربية للمجلس الدولي للمتاحف “الإيكوم العربي”. 
وأوضح رشيد أن هذه الإنجازات تمثل اعترافًا دوليًا بدور قطر في النهوض بالابتكار المتحفي، وتعزيز التعاون الثقافي، وصون التراث العربي والإسلامي.
وعلى الصعيد المحلي، أشار رشيد إلى أن الحركة الثقافية في قطر شهدت بعض الحراك، خاصة عبر معرض الكتاب وعدد من المحاضرات والندوات في الكيانات الثقافية والإبداعية، إلا أن الحالة الإبداعية الحالية لا تضاهي ما كانت عليه في الماضي، خاصة في نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي، الذي شكّل منصة فريدة لاستضافة كبار الأدباء والمفكرين والفنانين العرب، وجذب حضورًا جماهيريًا واسعًا، وكان يمثل تظاهرة ثقافية حقيقية، مقارنة بالمحاضرات الأسبوعية الحالية التي غالبًا ما تخلو من الصلة المباشرة بالأدب والفكر والفن.
وأضاف رشيد أنه يطمح إلى إعادة إحياء هذه الفعاليات بشكل نوعي، من خلال استضافة الأدباء والشعراء القطريين والعرب، مثل الشاعر الكبير قاسم حداد، وإقامة أمسيات للشعراء القطريين المتميزين، كمحمد علي المرزوقي. كما دعا إلى تنظيم ندوات متخصصة حول المسرح القطري بمشاركة أسماء بارزة مثل عبد الرحمن المناعي، وغانم السليطي، وناصر عبد الرضا، وحمد الرميحي، إضافة إلى ندوات لجيل جديد من المبدعين مثل فيصل رشيد ومحمد الملا، وندوات حول الصحافة والسرد القطري بمشاركة الكاتبات والباحثات نورة ال سعد، نورة محمد فرج، والدكتورة هدى النعيمي، مع التركيز على الإبداع النسوي المحلي.
وختم رشيد تصريحاته بالتأكيد على أهمية تحريك المياه الراكدة في المشهد الثقافي المحلي، وتعزيز حضور الإبداع القطري في الفعاليات الدولية، وعرض كافة مجالات الإنتاج الثقافي والفني بشكل متنوع ومؤثر، بما يسهم في رفع مستوى الثقافة الوطنية وإيصالها إلى العالم.

موضي الهاجري: فتح المجال أمام الرؤى الجديدة

أكدت الباحثة والمصورة موضي الهاجري أن طموحات المرحلة المقبلة تفرض ضرورة إعادة تعريف الثقافة بوصفها «نَفَسًا يوميًا» متغلغلًا في تفاصيل الحياة المجتمعية، لا نشاطًا مؤقتًا أو ممارسة نخبويّة محدودة الأثر. وأوضحت أن التعبير الحقيقي عن طموحات الواقع الثقافي في دولة قطر يبدأ من التعامل مع الثقافة باعتبارها مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، تُسهم في صياغته مختلف فئات المجتمع، من طلاب المدارس إلى الفنانين والمبدعين، ومن المبادرات الفردية إلى المؤسسات الكبرى.
وشددت الهاجري على أن ازدهار المشهد الثقافي مرهون بتوفير بيئة حاضنة تضمن حرية التعبير، وتشجّع التجريب الفني، وتفتح المجال أمام الرؤى الجديدة، مؤكدة أن الإبداع لا يتولد من التكرار، بل من كسر الصمت وتجاوز القوالب الجاهزة، ومن منح الفن مساحة للتساؤل والمغامرة.
وأضافت أن أي نهوض ثقافي حقيقي لا يكتمل دون تمكين النقد الفني الجاد، وتفعيل منصات حوار مستمرة تجمع المبدعين والقيّمين وصنّاع القرار، بما يرسّخ دور الفن بوصفه مرآة للواقع وأداة لفهم التحولات الاجتماعية، لا مجرد عنصر جمالي أو زخرفي.
وشددت على أهمية الحفاظ على القاعدة الفنية الكلاسيكية، باعتبارها الجذور التي يستند إليها كل تجديد، والتي تمنح التجارب المعاصرة عمقها واستمراريتها، مشددة على أن التوازن بين الأصالة والتحديث هو الضامن الحقيقي لحيوية المشهد الثقافي.

سعاد الكواري: التركيز على الشباب ودعم المواهب

أوضحت الشاعرة سعاد الكواري أن طموحاتها للعام الجديد تتركز على تعزيز حضور الثقافة في حياة المجتمع القطري، مع التركيز على فئة الشباب، وجعل الثقافة أكثر تنوعًا وقربًا من الناس، بحيث تصبح جزءًا من تجربتهم اليومية ووعيهم المجتمعي.
وقالت الكواري إن المرحلة المقبلة تتطلب تنظيم فعاليات ثقافية أكثر تفاعلًا وارتباطًا بالجمهور، ودعمًا متزايدًا للمواهب القطرية في مجالات الأدب والفنون والمسرح والإعلام الثقافي، بما يسهم في خلق مشهد ثقافي حي ومستدام.
وأشارت إلى أن التعبير عن هذه الطموحات يستلزم منصات مستمرة لدعم المبدعين، وتنظيم فعاليات منتظمة في مختلف المناطق، وليس الاقتصار على المناسبات الرسمية فقط، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الثقافية والتعليمية في نشر الوعي، وتشجيع الشباب على المشاركة من خلال البرامج التدريبية والمسابقات الثقافية.
وأضافت أن استخدام وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة يمثل أداة فعالة لإيصال الثقافة إلى شريحة أوسع من المجتمع، بما يعزز تأثيرها واستدامتها، ويتيح لها أن تكون محركًا حقيقيًا للتفاعل المجتمعي والحفاظ على الهوية الوطنية.

أحمد الحمادي: زيادة ورش الكتابة والتأليف 

أكد الكاتب والإعلامي أحمد الحمادي أن دعم المشهد الثقافي القطري في العام الجديد ينطلق من نجاحات القطاع الثقافي، ولكن لتعزيز الواقع الثقافي يتطلب توفير المزيد من ورش العمل والفعاليات والمبادرات التي تعنى بالكتابة والتأليف والرواية والقصة القصيرة، سواء داخل الدوحة أو خارجها، مشددًا على أهمية منح المثقفين فرصًا للسفر والمشاركة في المحاضرات والندوات الدولية لتعزيز خبراتهم وتجاربهم خاصة خلال المشاركات القطرية في الفعاليات الثقافية الدولية مثل معارض الكتب وغيرها.
ودعا الحمادي وزارة الثقافة وملتقى المؤلفين إلى تعزيز التعاون مع الكتاب والمؤلفين، لتقديم ورش عمل وندوات موجهة للأطفال والشباب المهتمين بالكتابة والإبداع الأدبي، بما يسهم في تنمية المواهب المبكرة وغرس حب القراءة والكتابة منذ الصغر.
كما شدد على أهمية زيادة الفعاليات الثقافية والتراثية والمعارض، وتمديد فترة إقامتها، والإعلان عنها بشكل إعلامي مسبق، مع الاستفادة من المتاحف في استعراض الثقافات والشعوب المختلفة، مؤكدًا أن هذه المبادرات ستساهم في نشر الوعي الثقافي، ودعم الأدب والفنون، وربط المجتمع بالهوية الثقافية القطرية.
وكشف الحمادي عن وجود مشاريع خاصة به خلال 2026 منها إصدار كتاب جديد، ورواية بوصلة، وهي واقعية اجتماعية تتناول تحقيق رؤية قطر 2030 يصدران قريبا.

د. جميلة آل شريم: ربط الفن بالتعليم والتربية 

أكدت الدكتورة جميلة آل شريم الفنانة التشكيلية والناقدة، أن طموحاتها للعام الجديد تنطلق من إيمانها بأن الثقافة يجب أن تُستعاد بوصفها جوهرًا من نسيج الحياة اليومية، لا فعالية موسمية عابرة، مشددة على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بالثقافة، وجعلها ممارسة يومية متجذرة في السلوك والوعي العام.
وقالت إن المرحلة المقبلة تتطلب تمكين الحضور المجتمعي في الفعل الثقافي، وربط الفن بالتعليم والتربية، ليصبح جزءًا أصيلًا من وعي الأجيال، لا نشاطًا منفصلًا عن مسار التكوين المعرفي والإنساني. وأوضحت أن الثقافة لا يمكن أن تزدهر إذا بقيت حبيسة النخب، بل يجب أن تتحول إلى مساحة حيّة يشارك في صياغتها الجميع، من طلاب المدارس إلى الروّاد، ومن الفنانين الصاعدين إلى المؤسسات الكبرى.
وأشارت آل شريم إلى أن التعبير الحقيقي عن طموحات المشهد الثقافي في قطر يقتضي التعامل مع الثقافة بوصفها مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، يقوم على توفير بيئة تضمن حرية التعبير والتجريب الفني، وتشجع الخروج من القوالب النمطية، مؤكدة أن الإبداع لا يولد من التكرار، بل من الجرأة على السؤال والتجديد.
ودعت الناقدة الفنية إلى إطلاق مبادرات جادّة ومؤسساتية في أرشفة الذاكرة البصرية والفنية القطرية، بما يحفظ المنجز الثقافي والفني، ويصون الذاكرة الوطنية، ويجعلها مرجعًا ملهمًا للأجيال القادمة، معتبرة أن التوثيق ليس فعل حفظ للماضي فحسب، بل استثمار في المستقبل.
وأضافت أن أي نهوض ثقافي لا يكتمل دون تمكين المواهب الشابة، وإتاحة المساحات لها للتجريب والتعبير، إلى جانب تفعيل دور النقد الفني، وفتح منصّات حوار جاد تجمع المبدعين والقيّمين وصنّاع القرار، ليكون الفن مرآة صادقة للواقع، لا مجرد زينة جمالية مشددة على ضرورة الحفاظ على القاعدة الكلاسيكية للفن القطري يظل ضرورة لا غنى عنها، باعتبارها الجذر الذي تنمو عليه كل نهضة إبداعية، وبتراث الروّاد تُستلهم الأجيال، ومن عمق الهوية يُرسم المستقبل.