بعد التعافي الاقتصادي القوي من التراجع المؤقت الناجم عن جائحة كوفيد- 19، استفادت الأسواق الناشئة من تحسن بيئة الاقتصاد الكلي حول العالم، ومع ذلك، يمكن أن تزول المكاسب الأخيرة جزئياً في حالة تبلور مخاطر كبيرة على أرض الواقع، خاصة إذا تباطأت وتيرة تعافي الاقتصاد العالمي أو إذا تأخرت عملية إعادة الافتتاح الكبيرة في آسيا بسبب السلالات الفيروسية الجديدة ومعدلات التطعيم المنخفضة.
وتوقع التقرير الأسبوعي لمجموعة بنك قطر الوطني QNB أن يؤدي أي تغيير مفاجئ في شهية المخاطرة على المستوى العالمي أو الإقليمي إلى نوبات ضغط جديدة على الموازين الخارجية للأسواق الناشئة الهشة. وبالتالي، من المهم تتبع وتحليل مختلف نقاط الضعف الخارجية في تلك الأسواق، وعمل التقرير الأسبوعي على تقييم نقاط الضعف الخارجية من جانبين: ميزان الحساب الجاري والمستوى العام لاحتياطيات العملات الأجنبية الرسمية.
تحتاج البلدان التي تعاني من عجز في الحساب الجاري إما إلى تمويل العجز برأس المال الأجنبي أو بالسحب من ثروة العملات الأجنبية الخاصة بها. وخلال الأوقات الحرجة، عندما تكون الظروف العالمية صعبة، يمكن أن تجف تدفقات رأس المال أو تعكس اتجاهها، مما يجعل تمويل العجز دون السحب من رصيد العملات الأجنبية أمراً صعباً. ولهذا السبب، فإن ميزان الحساب الجاري (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) يعتبر مقياساً مهماً لتقييم مدى تعرض البلدان لتدفقات رأس المال وشهية المخاطرة.
ويمكن أن تكون احتياطيات العملات الأجنبية الرسمية دعامة مهمة لامتصاص الصدمات الخارجية. ولكن لدى مختلف الدول متطلبات مختلفة لاحتياطي العملات الأجنبية. تقليدياً، تُعتبر احتياطيات العملات الأجنبية لبلد ما ضمن المستويات المناسبة متى ما تجاوزت 3 أشهر من تغطية الواردات وكانت كافية لتغطية 20% من الحجم الإجمالي للعملة المحلية التي يحتفظ بها الجمهور أو تغطي عاما كاملا على الأقل من التزامات الديون الخارجية. وقد أنشأ صندوق النقد الدولي مؤشراً مركباً مفيداً لمثل هذه التدابير، يسمى مقياس تقييم كفاية الاحتياطيات الخاص بصندوق النقد الدولي. ويتم اعتبار أن لدى البلدان مستويات كافية من احتياطيات العملات الأجنبية إذا كان بإمكانها تغطية 100- 150% من مقياس الصندوق.
وتعمق تحليل بنك قطر الوطني في وضع الحساب الجاري واحتياطيات العملات الأجنبية للاقتصادات الناشئة الكبيرة الأربعة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وهي إندونيسيا وتايلاند وماليزيا والفلبين، مع استخلاص استنتاجات حول قدرتها على الصمود أمام الصدمات العالمية أو الإقليمية المحتملة.
على الرغم من كونها معرضة بدرجة كبيرة للدورة الاقتصادية العالمية (الصادرات الصناعية والسياحة)، لا تزال تايلاند في وضع جيد لمواجهة التغيرات المفاجئة في تدفقات رأس المال. فقد حققت فوائض كبيرة في الحساب الجاري لسنوات، ومن المتوقع أن تحقق فائضاً جيداً في عام 2021. ورغم استمرار إغلاق أجزاء كبيرة من قطاع السياحة الضخم أمام الأجانب وتدهور معدلات التبادل التجاري بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية، يبدو أن الوضع مستقر. وقد ادخرت تايلاند 234 مليار دولار أمريكي من احتياطيات العملات الأجنبية الرسمية، والتي تغطي بشكل مريح 241% من مقياس تقييم كفاية الاحتياطيات الخاص بصندوق النقد الدولي.
وبشكل عام، تتمتع اقتصادات آسيان الكبيرة بمرونة نسبية تجاه التغيرات المفاجئة في شهية المخاطرة وتدفقات رأس المال. وتعد هذه المرونة مصدراً رئيسياً للدعم في ظل تزايد عدم اليقين المرتبط بتباطؤ التعافي العالمي والزيادات الحادة المحتملة في الإصابات بسلالات كوفيد- 19 الجديدة. وبفضل الأوضاع الخارجية القوية باعتدال، تعتبر اقتصادات آسيان في وضع أفضل من غالبية الأسواق الناشئة الأخرى للتغلب على الصدمات العالمية المحتملة.