قال الخبير الاقتصادي العالمي، الدكتور إبراهيم عويس: إن تراجع أسعار النفط لن يكون له تأثير كبير على دولة قطر، في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى.
وأضاف عويس في لقاء مع لوسيل ، أن قطر استعدت منذ العام 2008 لكل ما يمكن أن يطرأ من تغييرات على أسواق النفط.
وأشار إلى أن الطاقة ثروة داخلية محلية، ولكنها في نفس الوقت ثروة عالمية مهمة، لذلك لابد من أن تنفق في أوجه تعود على البلدان بالنفع من خلال استغلال عوائدها في الاستثمارات ذات القيمة المضافة، التي بدورها تعزز اعتماد تلك الدول على مصادر غير نفطية تحقيقا لمبدأ تنويع الاقتصاد، وهو ما تنتهجه دولة قطر في سياستها الحالية.. وفيما يلي نص اللقاء:
* برأيكم ما هو مستقبل أسعار النفط في المرحلة المقبلة؟
- فيما يتعلق بأسعار النفط، من غير الممكن أن تستمر على ما هي عليه حاليا، لأن التنمية هي الأساس الذي يحدد الأسعار في المستقبل، وقد بدأت التنمية العالمية بالانتعاش التدريجي، الأمر الذي يبشر بزيادة الطلب على النفط تمهيدا لعودة الأسعار إلى مستويات مقبولة.
أما أسباب تراجع أسعار النفط، فهي متعددة ومتشابكة، منها ما هو سياسي يتعلق بمناكفات دول، ومنها ما هو متعلق بالعرض والطلب وانخفاض معدلات التنمية في دول صناعية كبرى مثل الصين، ولا يمكن أن نشير إلى سبب واحد ونقول إنه هو السبب الوحيد لانخفاض الأسعار.
كما أن تذبذب النمو الاقتصادي شيء طبيعي، وهي موجود منذ قديم الزمن، وما يحدث الآن حدث في الأمس، وسيحدث في المستقبل وأعتقد أن التنمية العالمية ستحتم زيادة أسعار النفط في المستقبل القريب، وأنا متفائل جدا بالارتفاع.
* كيف يمكن للدول العربية الحد من العجز المالي في موازناتها، لاسيما المعتمدة على النفط كمصدر للدخل؟
- على الدول العربية اتباع أمرين للحد من تفاقم العجوزات المالية في موازناتها المالية، خصوصا في ظل تقلب أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية، فلابد لها من التركيز على الاستثمار في الموارد البشرية، بمعنى إيجاد جيل واع متعلم مدرب قادر على الولوج لسوق العمل لتعزيز العملية الإنتاجية ليكون عنصرا منتجا لا عبئا على الدولة.
أما الأمر الثاني، فهو ضروة تركيز الدول العربية المنتجة للنفط على الاستثمار النقدي من خلال إيجاد بيئة استثمارية مناسبة لاستدراج رأس المال الأجنبي للاستثمار، إضافة إلى تحسين التشريعات والقوانين والأنظمة التي تساعد الشركات الأجنبية وتشجعها على الاستثمار في الدول العربية وتوفير البنية التحتية اللازمة، خصوصا أن أسعار الكهرباء والطاقة بشكل عام في الدول الخليجية منافسة جدا وتعتبر الأقل على مستوى العالم.
وبالتالي لابد من تشجيع رأس المال المحلي للاستثمار في المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية العالية والقيمة المضافة الكبيرة لتعزيز المناخ الاستثماري الداخلي وخلق فرص عمل في السوق المحلي.
* أصوات عديدة تطالب برفع الاحتكار الأوروبي الأمريكي لصندوق النقد والبنك الدوليين.. ما تعليقك؟
- هناك أصوات من الدول النامية تنادي برفع الاحتكار الأوروبي والأمريكي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهو مطلب طرح منذ سنوات، وفي الواقع لن تتمكن الدول النامية من أن تحصل على أي تغيير في هذه السياسة، لأن التصويت لرئاسة هاتين المؤسستين، وهو قائم على أساس نسبة اشتراك الدول في رأس مال البنك والصندوق الدوليين، بالتالي فإن النسبة الكبرى هي للولايات المتحدة والدول الأوروبية ومن هنا أنا لا أعتقد أنه سيكون هناك تغيير في هذه السياسة.
* هل تنسجم شروط البنك والصندوق الدوليين مع مصالح الدول النامية؟
- بدأت السياسات الدولية بكل تشعباتها ترغم اقتصادات الدول النامية على القبول بحلول تتناقض ومصالح هذه الدول على المدى البعيد، ولاشك أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لهما شروط معينة لمساعدة اقتصاديات الدول النامية وإعطائها القروض المختلفة، منها الإصلاح الاقتصادي، إضافة إلى توفر عنصر الشفافية وهذه شروط تتماشى في المدد الطويلة مع مصالح الدول النامية ولكن في ظل الظروف الحالية فإن التطبيق صعب جدا بالنسبة للدول النامية، لأنها لا تستطيع أن تمارس حرية التجارة التي تنادي بها هاتان المؤسستان بصفة مطلقة، لأن هذا سيؤثر على المؤسسات الصناعية والتجارية في البلدان النامية والتي لا تسطيع المنافسة مع البلاد الغربية ولا الولايات المتحدة.
من هنا لابد أن يكون هناك اتفاق وسط ما بين مطالب تلك الدول برفع تلك الشروط وفي نفس الوقت الاستمرار في إعطاء القروض والمساعدة للدول النامية.
* ما بعد الربيع العربي، هل سيُفْرَضُ واقع اقتصادي جديد؟
- لا شك في ذلك، بالبرغم من السلبيات التي نجدها بعد تلك الثورات، إلا أن الإيجابيات في المرحلة المقبلة أكثر من السلبيات وأعتقد أنه سيكون هناك شفافية أكبر من خلال تعزيز نظام المحاسبة في تلك الدول وهذ يجعل النمو الاقتصادي يتخذ منحى جديدا في هذه البلاد.
* عملت مستشارا في العديد من الدول العربية، هل استفادت تلك الدول من خبراتك الاقتصادية؟
- نعم، لقد لمست في جميع الدول العربية التي عملت لديها مستشارا للشؤون الاقتصادية الرغبة والإرادة للاستفادة من خبراتي، وأنا شخصيا متفائل وجميع الأخطاء لتي حدثت في الماضي تدرس الآن للاستفادة منها ومحاولة تفاديها بالأيام المقبلة، بحيث يتم تعديل المنهجين السياسي والاقتصادي، لأن السياسة والاقتصاد هما وجهان لعملة واحدة.
وأن ما حدث أصبح من الماضي ولكن المهم الاستفادة من أخطاء الماضي لنبني عليها في المستقبل، ولابد من ترشيد الاستهلاك المحلي من مصادر الطاقة، لأن كل برميل يستهلك محليا يقلل من حجم الصادرات وهي في طبيعة الحال تعزز الإيرادات وتجلب الدخول، لذا لابد من زيادة حجم الاستثمارات الأجنبية بالتزامن مع الاعتماد على الاستثمارات الداخلية لتحسين الاقتصاد.
أنا شخصيا مؤمن إيمانا عميقا بأن الإنسان من الممكن أن يؤثر ويتأثر بالإقليم المحيط به ولابد للإنسان أن يفيد ويستفيد في نفس الوقت، لأن التعليم أمر هام جدا.
من هو الدكتور إبراهيم عويس؟
- الدكتور إبراهيم عويس مصري المولد أمريكي الجنسية، عالم اقتصاد، خبير دولي، وبرفيسور في جامعة جورج تاون الأمريكية، هو أول من استخدم مصطلح بترودولار لوصف حالة ارتباط الدولار الأمريكي بمبيعات النفط من منظمة أوبك، حصل على البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة الإسكندرية في مصر عام 1952.
عمل كمدير في وزارة الصناعة المصرية، كان صاحب أول فكرة لتوسيع الرقعة الصناعية على أنحاء مصر كلها دون التركيز على القاهرة والإسكندرية فقط ولكن هذه الفكرة العظيمة قوبلت بالرفض، فاتجه لأمريكا ثم حصل على درجة الماجستير والدكتوراه عامي 1961 و1962 من جامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية.
عمل أستاذا للاقتصاد السياسي في جامعات هارفارد وجون هوبكنز وجورج تاون التي يدرّس فيها حتى الآن، كما عمل كخبير في الاقتصاد الدولي لدى عدة حكومات، منها حكومات مصر والكويت وقطر وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية وبنما وتايوان.
تتلمذ على يدي الدكتور عويس كثير من السياسيين ورجال الاقتصاد البارزين، منهم الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ومُنح الكثير من الأوسمة الدولية وصدر له حتى الآن خمسون كتابا في الاقتصاد والسياسة نشرت كلها بالإنجليزية، وضع العديد من المصطلحات الاقتصادية الدولية، مثل مصطلحي بترودولار ورؤوس الأموال الحبيسة.